مشاركة
محمد بلو
صحفي من عفرين

«يوزر سيف كان طفلاً عادياً مثل كل الأطفال في العالم، إلا أننا لاحظنا أن سلوكه وتصرفاته تغيرت ولم تعد تشبه تصرفات أقرانه بعدما بلغ عاماً ونصف، مما دعاني للمسارعة إلى عرضه على طبيب في مدينة حلب، واكتشفنا أنه مصاب بمرض يدعى طيف التوحد».

هكذا يروي السمان جيلو، 32عاماً، والمقيم في مدينة عفرين، قصة ابنه البكر، يوزر سيف، الذي يبلغ عمره الآن خمسة أعوام.

يشكل التوحد واحداً من أكثر الأمراض تأثيراً على مستقبل الأطفال وتطورهم، كما أنه من أكثرها غموضاً من حيث الأسباب التي تؤدي إلى إصابة الأطفال به في بداية نموهم العمري. إلا أن ارتفاع استخدام المواد الكيماوية اللازمة للنشاط الصناعي المتزايد في منطقة عفرين خلال السنوات الماضية ترافق مع ارتفاع ملحوظ في أعداد الأطفال المصابين بمرض التوحد في المنطقة، فهل ثمة علاقة بينهما؟

ما هو التوحد؟

التوحد هو اضطراب تطوري ناجم عن خلل في الجهاز العصبي مما يؤثر في مختلف نواحي النمو، ويصيب عادة الأطفال في الأعوام الثلاثة الأولى من أعمارهم، حسبما تقول الطبيبة لافا محمد، أخصائية الأمراض العصبية.

وتقول سلوى، وهي مدربة في مركز متخصص بمعالجة حالات التوحد: «مريض التوحد يتصف بأنه منعزل ويعيش في عالم آخر ولا يعرف من يكون أهله، وكثيرون منهم لا يتكلمون، كما يفتقد الأطفال المتوحدون للتركيز والإدراك ولا يتفاعلون مع محيطهم».

وتضيف المدربة أن عملية تغيير السلوك لدى المتوحدين تستغرق فترات غير محددة ومختلفة، حيث يلعب الاكتشاف المبكر للحالة العامل الأبرز في اختصار المدة العلاجية للمرض.

وأشارت الطبيبة لافا محمد، أخصائية الأمراض العصبية، إلى أن الأسباب المؤدية للإصابة بهذا النوع من الأمراض لم تكتشف لحد الآن، ولكنها تؤكد أن التلوث البيئي الناجم عن العوامل الكيماوية له دور في تحريض الإصابة بالتوحد.

وتضيف محمد أن «الإحصائيات العالمية في ال 15 سنة الأخيرة تشير إلى أن خمسة أطفال من أصل عشرة آلاف معرضون للإصابة بهذا المرض في العالم، ولكن هذه النسبة يمكن أن تتضاعف لعشرة أضعاف في الأزمات الإنسانية».

ومن جهته، يشير الأخصائي الاجتماعي كمال عمر، المشرف على مراكز متخصصة بمعالجة التوحد في عفرين، والذي شغل قبل الحرب السورية مناصب حكومية بينها إدارة سجن الأحداث في المسلمية، إلى أن «التوحد ليس مرضاً، وإنما هو اضطراب عصبي ينجم عن التلوث البيئي حسب الدراسات الأمريكية والبريطانية».

زيادة سنوية في أعداد المصابين بالتوحد:

وتنقل الطبيبة لافا محمد مشاهداتها في عيادتها التي تستقبل مختلف الأمراض العصبية: «هناك ارتفاع كبير في أعداد الأطفال المصابين بالتوحد، إذ أستقبل في عيادتي كل يومين حالة جديدة، وأغلبهم من سكان عفرين»، مؤكدة أن استقبال الأطفال المصابين بداء التوحد لا يقتصر على أطباء العصبية فقط، إنما هناك أيضاً أطباء مختصون في الجراحة العصبية وكذلك أطباء مختصون بطب الأطفال، ممن يستقبلون مثل هذه الحالات بشكل متكرر.

وفي محاولة للحصول على إحصائيات رسمية حول تزايد حالات التوحد، توجهت روك أونلاين إلى المؤسسات الصحية التابعة للإدارة الذاتية للاطلاع على الإحصاءات المسجلة لديها، وبعد عدة محاولات من التأجيل والتسويف، كانت المفاجأة أن مصدراً خاصاً في المجلس الصحي في المقاطعة، والذي يعتبر أعلى سلطة صحية في عفرين وتضم هيئة الصحة والمراكز الطبية العاملة في المنطقة، أفاد أنه لا يوجد أي قسم يعمل على المتابعة الصحية والنفسية لهؤلاء الأطفال، بل إنهم لم يبذلوا أي جهد في توثيق هذه الحالات أو غيرها! إلا أنهم سارعوا مؤخراً إلى تخصيص جهاز حاسوب وتعيين موظفة لتبدأ العمل في توثيق الحالات المرضية المختلفة، بعد أن أثيرت هذه المسألة أثناء البحث في هذا التحقيق.

وتشير سجلات جمعية الملاك للمعاقين والأيتام إلى تزايد في عدد الأطفال من مرضى التوحد المسجلين لديها خلال الأعوام الماضية، إذ ارتفعت الأرقام من 45 طفلاً تتراوح أعمارهم بين 5-13 سنة مسجلين لديها عام 2015، وهو العام الذي افتتحت فيه الجمعية قسماً خاصاً بحالات التوحد. أما في عام 2016، بلغ عدد الأطفال المسجلين ضمن الجمعية 60 طفلاً، وضمن قسم التأهيل 15 طفلاً. وفي العام الحالي، بلغ عدد الأطفال المسجلين ضمن قسم تأهيل أطفال التوحد 20 طفلاً، عدا عن خمسين حالة أخرى لا يستطيعون ارتياد مركز الجمعية والالتزام بالدوام بحكم إقامتهم في الريف وضعف إمكاناتهم المادية.

ويؤكد الأخصائي الاجتماعي كمال عمر، المشرف على مراكز جمعية الملاك الخيرية، أن هناك ازدياداً مستمراً في أعداد المصابين بمرض التوحد في منطقة عفرين، إلا أن الإمكانات الضعيفة للجمعية تحول دون حصولهم على أرقام دقيقة.

إهمال فرض شروط للتخلص من النفايات الكيماوية للمعامل ومخلفاتها

شهدت مدينة عفرين انتعاشاً صناعياً غير مسبوق خلال السنوات الماضية، وخاصة بعد أن اضطر العديد من الصناعيين الكرد إلى نقل منشآتهم من مدينة حلب إلى المنطقة بسبب امتداد الحرب إلى الأحياء التي كانوا يقطنونها في حلب، مثل الشيخ مقصود والأشرفية، ما أدى لازدياد عدد الورشات والمعامل في المدينة، والذي ترافق مع ازدياد في النفايات والملوثات البيئية الناتجة عن النشاط الصناعي والحرفي.

ويقول الأخصائي الاجتماعي كمال عمر إن «النفايات الكيماوية التي تطرحها المعامل في نهر عفرين تذهب إلى المحاصيل الزراعية المروية من النهر، وبالتالي تتكدس مثل هذه المواد، وخاصة الزرنيخ، في جسم الإنسان ولا يستطيع طرحها مع الفضلات، مؤثرة بشكل خاص على الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 1-3 أعوام»، مضيفاً أن التلوث البيئي الناجم عن مخلفات المعامل والمولدات الكهربائية وغيرها، تدخل ضمن الأسباب التي تؤدي لازدياد عدد الإصابات بالتوحد.

وتشير إحصائيات لجنة الرعاية الاجتماعية التابعة لهيئة الشؤون الاجتماعية والعمل في مقاطعة عفرين إلى وجود 54 معملاً مرخصاً لكحت الألبسة (الجينز)، والتي تستخدم العديد من المواد الكيماوية ذات التأثير الخطير على الصحة، مثل قشر الزرنيخ والكوستيك والأوبنيك والكلور والبرمنغنات وروح الخل والسلفيت وغيرها، إضافة إلى كميات كبيرة من المياه التي تفرغ عادة في الوديان أو مجاري الصرف الصحي المؤدية لنهر عفرين.

من جهته أيضاً يقول الدكتور عبد القادر حسكو، نائب رئيس هيئة الصحة في مقاطعة عفرين، أن هذه المكاحت تستهلك كميات كبيرة من المياه والتي تصرف في مجاري الصرف الصحي والتي تصب بدورها في مياه نهر عفرين، مسببة أضراراً كبيرة، مؤكداً أن الهيئة عاجزة حالياً عن إيجاد حل مناسب للتخلص من مخلفات هذه المعامل بطرق أكثر حفاظاً على البيئة، رغم «الجولات العديدة على المكاحت وتوجيه أصحابها وتوزيع مناشير لكيفية الوقاية وتخفيف الأضرار الناجمة عنها على العاملين فيها وكذلك السكان».

وأضاف حسكو أن الهيئة لاحظت عشوائية في انتشار المكاحت وعدم توفر البيئة الصحية في أغلبها، وأنها ستحاول نقلها إلى مكان مناسب خارج المدينة (منطقة صناعية) بعيدة عن المناطق الزراعية والمأهولة وتتوفر فيها طبقات أرضية كتيمة تمنع تسرب المواد الكيماوية إلى المياه الجوفية، وأردف بالقول: «الموضوع بصدد الدراسة، ولكن ليس هناك توقيت محدد لإنشاء هكذا منطقة».

رغم ذلك، لم تفرض الإدارة الذاتية حتى الآن شروطاً صحية وبيئية على هذه الورشات والمعامل تضمن تخلصاً آمناً من النفايات التي تنتجها، ولا سيما الكيماوية منها، بعكس الشروط التي كان النظام السوري يفرضها على مثل هذه المعامل، والتي كانت تُمنح الرخص بموجبها للنشاطات الصناعية التي تخلف ورائها نفايات كيماوية، فعلى سبيل المثال، أصدرت وزارة الإدارة المحلية والبيئة السورية عام 2006 قراراً يقضي بضرورة ابتعاد معامل البيرين في عفرين تحديداً مسافة 10 كم على الأقل عن التجمعات السكنية والمنشآت العامة ومنشآت تربية الحيوانات ومعامل الأدوية والأغذية وموارد المياه، والتأكيد على وجود وحدات للتخلص الآمن من الفضلات السائلة والصلبة والغازية إضافة لتركيب محطات معالجة للمياه الصناعية قبل صرفها، ويمكن تطبيق هذه المعايير على المكاحت أيضاً لكونها تتشابه من حيث إنتاجها نفايات مضرة بالإنسان بشكل كبير.

في عفرين مركز وحيد لمعالجة مرضى التوحد:

يواظب جيلو (والد يوزر سيف) على الدوام في مركز جمعية الملاك الخيرية لرعاية الأيتام والمعوقين، وذلك لمواصلة العلاج السلوكي المرافق للمعالجة الدوائية لابنه، من أجل «تخفيف المصاريف» اللازمة لاستمرار العلاج.

ويضيف جيلو أن دخله لا يسمح له بالتردد إلى مدينة حلب التي تتوفر فيها العيادات والمراكز الخاصة بهذه الأمراض المستعصية، هذا بالإضافة إلى جملة المصاعب والمشاكل التي تحصل على طريق عفرين-حلب من تكرار عمليات احتجاز وخطف على حواجز بلدتي نبل والزهراء، كما أنه متخوف من إمكانية سحبه إلى جيش النظام الذي يطلب الشبان إلى خدمة الاحتياط في صفوفه، مما تضطر زوجته للذهاب وحيدة أحياناً، رغم مصاعب ومخاطر الرحلة.

وتأسست جمعية الملاك الخيرية للأيتام والمعاقين في عام 2013 على يد ناشطين في المجال الخيري بالاعتماد على الإعانات المالية أو العينية غير المنتظمة التي يقدمها الخيرون والميسورون من أهل المنطقة، ويقف على أمر الأطفال المسجلين أخصائيون بعلم النفس ومرشدون نفسيون لتأهيلهم ودمجهم بالمجتمع مع الأطفال الأسوياء، لقاء مبالغ رمزية لتغطية مصاريف الجمعية.

يقول الأخصائي كمال عمر: «يوجد إلى جانب يوزر سيف أربعة أطفال آخرين، وهناك ازدياد مستمر في أعداد الأطفال المصابين بالتوحد، وهناك أكثر من 15 حالة أخرى، ولكن ذويهم لا يتمكنون من جلب أولادهم المصابين بسبب ظروفهم الاقتصادية الصعبة، وإقامتهم في قرى نائية».

النشاط الصناعي غير المنظم، والذي يدر أرباحاً اقتصادية على عدد من السكان، بات يهدد بكوارث مدمرة وقاتلة على أبناء عفرين ومستقبلهم، بعدما قتلت مخلفاتها ومخلفات غيرها من المنشأت الصناعية الحياة في نهر عفرين وحوضها، حيث انقرضت الضفادع والأسماك والكائنات الأخرى من مياهها، وأصابت الأشجار المحيطة أيضاً بأمراض «تبدو معها وكأنها مصابة بالتوحد»! كما يقول أبو أوصمان، عضو كومين البيئة.

Leave a Reply