مشاركة
همبرفان كوسه
صحفي كردي سوري، يكتب باللغتين الكرديّة والعربيّة، له مقالات وتحقيقات صحفية في عددٍ من المؤسسات الإعلامية الكرديّة والعربيّة.

تقول المادة 1 من الأحكام العامة في المرسوم رقم 2 لعام 2016، من قانون الاجراءات لنظام العدالة الاجتماعية الذي أقره المجلس التشريعي في مقاطعة الجزيرة، أن «القضاء مؤسسة مستقلة تجاه السلطات الأخرى في تحقيق العدل، لا يحد من استقلالها أي قيد لا ينص عليه العقد الاجتماعي».

«خوفاً على عائلتي وحفاظاً على سلامتهم، طلبت منهم أن يمهلوني أسبوعاً واحداً لإيجاد منزل والانتقال إليه، فرفض الطلب أولاً، ثم وافقوا على ثلاثة أيام لإخلاء المنزل. تحدثت للمحامي في المحكمة عما حدث معي بالتفصيل، فاستنكر الأمر، وقال إن المحكمة ستتصرف، وها هي السنوات قد مرت ولا تزال المحكمة تتصرف في الأمر!». يقول برور يوسف، وهو المسؤول السابق للوحدة الإرشادية في بلدة كركي لكي، والذي قامت الإدارة الذاتية بإخراجه من المنزل الذي يسكنه.

القوى الأمنية تضرب قرارات المحكمة بعرض الحائط

أصدرت محكمة بلدة كركي لكي قراراً برد دعوى الجهة المدعية على برور يوسف بإخلاء المنزل، لعدم وجود مستند قانوني يلزمه بذلك، وتوضح الوثائق الرسمية أن الجهة التي رفعت دعوة قضائية ضد برور يوسف هي حركة المجتمع الديمقراطي. إلا أن إحدى الوثائق الأخرى تظهر أمراً بإخلاء المنزل من قبل بلدية الشعب في كركي لكي، لاستخدامها كمقرات عامة لإدارة مجلس الإيالة، رغم قرار المحكمة القاضي ببطلان الدعوى، وحتى دون وجود قرار من محكمة أخرى لتنفيذ الأمر.

ووفق الوثائق التي حصلت عليها روك أونلاين، فإن برور يوسف كان قد استلم الشقة السكنية العائدة لوزارة الزراعة والتابعة للوحدة الإرشادية في بلدة كركي لكي من أحد الموظفين بعد أن هاجر خارج البلاد، لأنها تندرج تحت مسؤولياته الوظيفية. وبيّن يوسف أنه رفع كتاباً رسمياً إلى مديرة الزراعة في الحسكة «طالبت فيه بالموافقة على منحي الشقة عام 2012، وبحكم أنني رئيس للوحدة الإرشادية، فقد وافقت المديرية على الطلب، وقمت بترميم المنزل بمبلغ مادي يعادل راتبي الوظيفي لعامٍ كامل آنذاك».

ويقول يوسف إن «كل الأمور كانت طبيعية حتى نهاية شهر آب من العام 2014 عندما زارني في المنزل مجموعة عسكرية تابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، وطلبوا مني تسليم الوحدتين الإرشاديتين إلى القوى العسكرية التابعة لها بطريقةٍ لا تستدعي العنف. لم يكن أمامي خيار سوى إبلاغ مديرية الزراعة في الحسكة بخروج الوحدتين من مسؤوليتي، وفي الوقت ذاته طلبت من أحد المسؤولين أن تبقى وحدة إرشادية تابعة لمديرية الزراعة، والثانية تكون لهم، كي لا يتضرر الموظفين، فوافقوا على الطلب».

«وبعد أكثر من محاولة لإخراجي من المنزل ورفضي لذلك، تمت دعوتي من قبل محكمة الشعب في كركي لكي، وأنا أملك كل الأوراق التي تثبت أحقيتي بالمنزل. صدر حكم من محكمة الشعب لصالحي وتم رفض الدعوة المقدمة من قبل حركة المجتمع الديمقراطي، والتي قامت بنقض الحكم بعد شهر ونصف في محكمة الاستئناف بديريك، علماً أنه بعد مرور 15 يوماً من الحكم لم يكن يحق لأي جهة كانت نقض الحكم. هناك، قامت الجهة المدعية بتقديم تقرير بأنني لست رئيساً للوحدة الإرشادية، وأنني قد استوليت على المنزل بعملية سطو غير شرعية، وكان التقرير ممهوراً بختم من دار الشعب في كركي لكي، وقمت بدوري بجلب رئيس دائرة الزراعة، ووثائق من مديرية الزراعة، ليتم تكذيب التقرير الموجه ضدي، الأمر الذي جعل المحكمة تصدر حكماً لصالحي للمرة الثانية، وقامت برد دعوى الجهة المستأنفة». يضيف برور يوسف.

رغم ذلك، يقول يوسف إنه «بعد حوالي الشهرين، أي تحديداً نهاية أكتوبر من عام 2014، قدمت دورية تابعة للأسايش، وطلبت مني إخلاء المنزل في مدة لا تتجاوز 24 ساعة، ورغم محاولتي شرح القرار الصادر عن المحكمة، إلا أنهم قالوا إن الأوامر التي يتلقونها فوق قرارات كل المحاكم، وبعد الحدث بساعتين، جاءت سيارة وبداخلها أحد مسؤولي أسايش مدينة رميلان، وسحب مني ورقة المحكمة وقال بالحرف: اسمع، أمامك يوم واحد للخروج من المنزل، وإلا سنحطم كل أغراضك إن لم تخرج، ونحن لا نأتمر من المحاكم وسخافاتها، نحن ليست لدينا محاكم، وقد صبرنا عليك طويلاً».

قضاة وإداريون للمحاكم في ستة أشهر

يبلغ عدد المحاكم المدنية في مقاطعة الجزيرة 12 محكمةً، وهي محاكم: قامشلو- ديريك- الحسكة- كركي لكي- جل آغا- عامودا- درباسية- سري كانييه- تل تمر- زركان- تل حميس- الشدادي، والمحاكمات تكون باللغات الرسمية الثلاث في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، وهي الكردية والعربية والسريانية.

وفي 4 نيسان/أبريل 2013، افتتحت حركة المجتمع الديمقراطي، أكاديمية ميزوبوتاميا للعدالة الاجتماعية، ومقرها مدينة قامشلو، وأنهت حتى الآن خمس دورات تدريبية، ومدة كل دورة تدريبية 6 أشهر وسطياً، ويقوم كادر تدريسي مؤلف من محامين وقضاة عملوا سابقاً في محاكم النظام السوري، إضافةً إلى كوادر حزبية تعطي «دروساً فكرية».

وفي كل دورة تدريبية يتم تخريج 25 إلى 30 طالباً يعينون فيما بعد كإداريين في دواوين العدالة الاجتماعية وقضاة في النيابة العام لمدن مناطق الإدارة الذاتية، بمدة تجريبية تبلغ 6 أشهر. ووفق الشروط الحالية، يجب أن يكون الطالب المتقدم إلى الدراسة في الأكاديمية قد حصل على الشهادة الثانوية العلمية أو الأدبية، إلا أنه خلال الدورات الأولى قبل عدد من الطلبة ممن لا يملكون الشهادة الثانوية أيضاً، وفقاً لأحد القضاة الحاليين في محاكم الإدارة الذاتية، والذي تحدث لروك أونلاين بشرط عدم الإفصاح عن هويته.

وعن ذلك يقول رياض علي، وهو قاض سابق إنه «من خلال قراءتي للقوانين المنظمة للعمل القضائي وتدريب القضاة في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، يتبين من خلال المراسيم الصادرة عن الحاكمية المشتركة أنه يشترط بمن سيتم تعيينه أن يجيد القراءة والكتابة، وأن يخضع للدورات التدريبية، والتي قد لا تتجاوز في أحسن الأحوال ستة أشهر، وهذا الأمر يعتبر كارثياً، لأنه من غير المنطق أن نضع حقوق الناس بين أيدي مجموعة من الجهلة بالقانون، لأن مصير تلك الحقوق سيكون الضياع وسيحل الظلم بدل العدل».

ويؤكد أنه «في أغلب دول العالم، إن لم يكن في كل دول العالم، يتم تعيين القضاة من حملة الإجازة في الحقوق أو الدراسات القانونية، وبعد ذلك يتم انتقائهم عبر مسابقة ليتم تسميتهم كمعاوني قضاة، ويخضعون لدورة تدريبية نظرية وعملية مدتها سنتان، وفي بعض الدول ثلاث سنوات، في معهد يسمى المعهد القضائي، وبعد ذلك يخضعون لاختبار آخر، وإن نجحوا في الاختبار يتم تعيينهم. كل هذه الدراسة الطويلة والمكثفة للقاضي تهدف إلى حماية حقوق المواطن بالدرجة الأولى، وحماية هيبة النظام القضائي من الضياع».

نظام محاكم البلاتفورم: عائق إضافي أمام العدالة

أعلنت الإدارة الذاتية عبر قضائها عن تشكيل نظام البلاتفورم الذي يبت في القضايا التي تجدها الإدارة الذاتية تشكل خطراً على المجتمع وتمس أمنه وتثير الرأي العام. ويكون هذا النظام بجمع حشد من المواطنين، رجالاً ونساء، من شرائح المجتمع المختلفة، وممثلي المؤسسات المدنية التابعة للإدارة وهيئاتها في المقاطعة، وبعد أن يتم عرض القضية والاستماع إلى وجهة نظر طرفيها، يتم الاستماع إلى رأي الحضور، ويصدر القرار في القضية بحكمٍ من الشعب حسب وجهة نظر الحاضرين، وتلتزم المحكمة بتنفيذ رأي الشعب، وهذا الحكم غير قابل للطعن؛ في هذا النظام ينظر إلى القضايا الخطيرة، كقضية القتل، واختلاس المال العام؛ ولا يحق لديوان العدالة التدخل في اتخاذ القرار.

ولا يمكن مقارنة نظام البلاتفورم مع هيئة المحلفين المستخدم في العديد من دول العالم، إذ يتميز هذا الأخير بوجود آلية لاختيار أعضاء الهيئة واختبار أهليتهم، ويشترك في اختيارهم طرفا القضية (الادعاء والدفاع)، كما أن الهيئة مخولة فقط بإصدار حكم حول كفاية الأدلة من عدمها، والحكم على المتهم بأنه مذنب أو لا. أما محاكم نظام البلاتفورم فتضع الحكم بين أيدي أشخاص تختارهم جهة الادعاء وحدها، حتى دون شروط واضحة، كما أن هؤلاء لا يحكمون فقط بأن المتهم مذنب أم لا، بل يحكمون بالعقوبة أيضاً.

ويعارض رياض علي هذا النظام، لأن «القرار الصادر من حكم البلاتفورم غير قابل للطعن، وهو أكبر كارثة بحق القضاء يمكن أن نراها في هذا القرن، لأن المشاركين في الحكم من غير المختصين بالقانون، وقد لا يجيدون الكتابة والقراءة حتى، ولا يملكون أدنى تصور عن المحاكمة القانونية العادلة، وهناك احتمال أن تغلبهم العاطفة في النطق بحكم يضر أحد طرفي الدعوى، المدعي أو المدعى عليه، لذلك فإن هذا النظام يجب إلغائه، ولا يمكن لعاقل في القانون أو غيره تقبل هذه الفكرة، حتى أن سبب وجود هكذا قانون غير مبرر، ولا توجد غاية واضحة له».

ويضيف علي: «مع كل التدريب والدراسة التي يتلقاها القضاة في العالم، فإن أحكام القاضي تكون خاضعة للطعن أمام محاكم الاستئناف ثم النقض، مع بعض الاستثناءات الطفيفة التي لا يمكن شرحها هنا. كل ذلك بهدف تحصين أحكام المحاكم وحفظ حقوق الناس، وبكل تأكيد هذا هو الغائب وغير المتوفر لدى محاكم الإدارة الذاتية».

ورفضت الرئاسة المشتركة لمجلس العدالة الاجتماعية في مقاطعة الجزيرة، الإدلاء بأي تصريح لروك أونلاين حول الأمر.

إسقاط دعوى المدعي دون علمه

وفي 11 كانون الأول/ديسمبر، أضرم الشاب عبد الحميد حيدو، وهو مواطن من مدينة سري كانييه، النار في جسده أمام محكمة العدالة الاجتماعية التابعة للإدارة الذاتية الديمقراطية في مدينة قامشلو، قبل أن تتداول مواقع التواصل الاجتماعي مقطعاً مصوراً له وهو يتهم موظفين من الإدارة الذاتية بالفساد والتواطؤ ضده، ما دفعه لإحراق نفسه احتجاجاً.

وتقدم حيدو بدعوى ضد شخصيات من الإدارة الذاتية، ولكنها قوبلت بالرفض، وقال إن رشوة عرضت عليه للتنازل عنها إلا أنه رفض ذلك بدوره، فالتجأت الإدارة إلى سجنه، وتم تهديده إذا لم يترك القضية، وبعد مراجعة العدالة الاجتماعية في قامشلو، قالوا إنه قد أسقط الدعوى وتهجموا عليه وحاولوا ضربه، بحسب ما ذكره في الفيديو المصور.

وعقد مجلس العدالة الاجتماعية مؤتمراً صحفياً في اليوم التالي للحادثة بمدينة قامشلو نفوا فيه الاتهامات الموجهة من قبل الشاب. وأكدوا أن الشكوى التي تقدم بها المواطن عبد الحميد حيدو، ليس لها أي مسوغ قانوني، مشيرةً في الوقت ذاته أن حيدو «جاء إلى المحكمة وتهجم على أعضائها وشتمهم وسكب مادة التنر على جسده وأضرم النار بنفسه، وتمكنت قوات أسايش قامشلو من إنقاذه ونقله للمشفى».

لا تكمن المشكلة الأساسية للقوانين الصادرة عن الإدارة الذاتية والهيئات القضائية التابعة لها، في مجرد كونها صادرة وفق توجهات وأفكار جهة سياسية معينة دون غيرها، إنما في عدم تطبيق تلك القوانين، التي كانت من نتاج أفكارها، ما يجعل العدالة مفقودة في ظل تطبيق القانون بشكل جزئي، وعلى أفراد وجهات بعينها، ليلبي تطلعات السلطة القائمة على الأرض، ما يهدد استقلالية القضاء، والعملية القانونية ككل.

Leave a Reply