مشاركة
عباس علي موسى
كاتب وصحفي مجاز في اللغة العربية من جامعة تشرين، رئيس تحرير مجلة سورمَي القسم العربي، ينشر في المجال الأدبي والصحفي في المجلات والمواقع العربية والكردية، شارك وأنجز مجموعة أبحاث ثقافية واجتماعية.

لا أحد ينسى الرجل البخاخ، هذه الشخصية التي انتقلت من أثير التلفزيون إلى الواقع، فالجدران كان الخوف يربض في دواخلها، ولم تكن تحملُ إلا عبارات من قبيل «الدار برسم البيع»، وإعلانات من قبيل «لا ترمي الزبالة هنا»، وكانت تحملُ أيضاً تلك الصور الكئيبة لمرشحي الشعب غير المنتخَبين، ومن ذاكرة مدينة قامشلي عنها: «انتخبوا مرشحتكم المستقلّة من الفئة ب جوهرة غانم»، وعبارات أخرى من هذا القبيل أو ذاك.

المثل القائل: «نمشي الحيط الحيط ونقول يا الله السترة»، كان معبّراً عن فحوى الحال، فالجدار ساترٌ أيضاً، لا يفضح ولا ينزق، وأمّا القلوب المجروحة بالسهام، فكانت من المسموحات بطريقة ‹غضّ الطرف من الأمن› طالما أنّ القلوب المجروحة لن تؤثّر في السيادة الوطنية والحكم شيئاً، كذلك الأمر بالنسبة للذكريات، تلك التي يكتبها المراهقون ويعقّب عليها مراهقون آخرون بعبارة (ذكرى أبو دلو)، ويشفعها آخرون بما خفّت حروفه (الطاء والزاي).

منذ بداية الحراك المدنيّ في سوريا، صارت الكتابة على الجدران ثيمة للخروج على العتمة، وكانت تلك أبلغ الرسائل عن مدنية الحراك في بداياته، والتي عبّرت عن رغبة التغيير العميقة لدى الكثير من الشباب، وظهر الرجال البخّاخون في كلّ مكان، ولوّنوا جدران المدن، وخرجت الجدران عن خوفها، ابتداء من الجدران الطينية ومروراً بجدران الحدائق العامة، وليس انتهاءً بالجوامع والمدارس.

في حركة مجنونة، وكأنّه يرمي عن نفسه دنساً، كان جارٌ لي يمسح الكتابات عن جدار دكّانه، لم يقيّض لي أن أرى ما هو مكتوب، لكنها بالتأكيد كانت من التحرّر أن دفعته بتلك العجلة والارتباك ليدهن الكتابة السوداء بالدهان الأبيض. صارت الجدران رديفاً للخروج ضّد السلطة، وكانت الكلمات المكتوبة رصاصات قاتلة، لذا كانوا يهرعون إليها ويمسحونها، أو يجبرون صاحب الجدار على مسحها.

حملت الجدران هوس الشارع وهيجانه وروحه النزقة الراغبة في التحرّر، فكانت تظاهرةً أخرى في زمن الخوف. وفي وقت لاحق حين انقشع الخوف قليلاً، بدأت عبارات أخرى بالظهور على تلك الجدران من قبيل عبارات التخوين من طرف سياسيّ لطرف آخر، مثل ما كُتِب عن بعض السياسيين مع وصم الخيانة بعشوائية وكأنّها صفعة على فكرة الاختلاف. حملت الجدران أيضاً عبارات أخرى من قبيل «الكريلا والبيشمركة تحميني»، أو: «احذر القنّاص الكردي».

(الدار برسم البيع) على جدار في قامشلو

من الكتابة على الجدران إلى الغرافيتي

ربّما كانت رسوم الغرافيتي ترشيداً للأفكار المبعثرة، حتى وإن كانت لا تحمل ذات المعنى، فالغرافيتي ساهم في الجمع بين الفكرة والجمالية البصرية، وقد توسّلتها منظمات المجتمع المدني لبثّ رسائل السلام بين المتعايشين الأصليين، وبينهم وبين المجتمعات القادمة من جحيم المدن المدمّرة، ومنها ما يمقت الحرب وما يمقت الخلافات السياسية، إضافة إلى رسائل للبقاء في الوطن من قبيل «لن أهاجر»، كما قام البعض بحملات تلوين للجدران ورسمها، مثل ما فعله الفنان ريبوار برويزي في مدينة ديريك، حيث إنّه رسم على أكثر من خمسين جداراً.

اقرأ أيضاً: غرافيتي على خمسين جداراً في ديريك

الغرافيتي كان النقلة ما بين الجدران التي تبرز كتابات قديمة تمجّد الشبيبة، وتنقل مقولات القائد الخالد كرؤياه في الرياضة وأنّها تساوي الحياة، وما بين الكتابات الخارجة عن الخوف من السلطة كـ «ارحل» التي كانت تعني الذروة في التعبير عن السخط.

الجدران وحياديتها تجاه الفضاء العام

في الآونة الأخيرة كان للجدران شأن آخر، فمن معبّر عن فكرة صارت معبّراً عن نزوات الشباب وحبّهم المطعون، وعبارات منقولة من جدران الفيس بوك إلى جدران المدينة، وصارت البخاخات لعبة ولهواً في أيدي المراهقين دون أن يسوقوا أي فكرة من وراء كتابات من قبيل الكتابة على جدار مدهون حديثاً «مبروك الدهان»، أو كتابة أسماء محبوباتهم، وكأنّهم يعودون بالجدران إلى سابق عهدها من حيث الوظيفة، مع اختلاف الدافع والمانع، فإن كان المانع سابقاً هو الخوف، فإنّ الدافع الآن هو العبث.

لم يعد للجدران وظيفتها، فهي ربّما لا تصلح أن تكون معارضة للسلطة، وكأنّها تنهار كفكرة، لصالح نزوات الشباب، لكن والحال كذلك، من الذي منح الجدران هذه الوظائف حتى نفترض أنّها كانت خائفة فمتحرّرة ومن ثمّ صاحبة نزوة؟

الحقيقة أنّنا نخلع أفكارنا على ظاهرة ما حتى نظنّ بأنّنا نضع إطاراً ما مناسباً لها، لكن ثمة موضة أخرى تترك المساحات ممتدة دون إطار ودون تقييد، ومن ثمّ إن أطّرنا فكرة في الجدار، أفلا نكون قد وضعنا قيوداً في أيدي حريتها؟

هذه الملاحظات والانطباعات نسبية، فمن طلب من كتَبَة الجدران أن ينقلوا إليها الثورة؟ ومن طلب منهم أن يكتبوا فيها نزواتهم؟ وللعابرين أن يغضّوا طرفهم عن أي جدار لا تعجبهم كتاباته؟ وأمّا عن التلوّث البصري والجمالية البصرية وغيرها من المصطلحات التي تريد من الجدران أن تصير متزنة وصاحبة شخصية اعتبارية، فهي في مهبّ الريح طالما أنّ البلدية بالكاد تستطيع نقل القمامة، وقتل الكلاب الشاردة بدعوة من كومين الحارات.

من جدران المدينة إلى جدران الفيس بوك

يبدو أنّ مارك (لا أعرف إن كان هو من أطلق كلمة Wall على مساحة التعبیر تلك) مؤسِّس الفيس بوك قد أبدع في وسم الصفحة التي يكتب فيها المستخدم فكرته ويعبّر فيها عن مكنوناته، لذا فإنّ جدار الفيس بوك يبدو أشبه بجدران المدينة، تراها خارجة عن نير المستبدّ تزامناً مع الكتابات الثائرة على جدران المدينة، وتراها بعد ذلك تنقل الحروب الدونكيشوتية بين أبناء ذات المدينة، وكما البخّاخون الذين يكتبون ما قد لا يرضي الآخرين فيتلثّمون، كذا فإنّ روّاد الفيس بوك يتلثّمون حين يكتبون ما لا يصلُح بإبراز هويتهم.

الأمر في رمّته جدار. تقرأ في معجم المعاني ما مختصره (جِدار: جمع جُدُر وجُدْران: حائط، أرض تحيط بالبيت: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ}، وجدار داعم: جدار صغير يُسْنَد إلى جدار آخر لتقويته)، إذن فهو يخصّ بناء البيت، ولا دخل له في كلّ هذه الحمولة التي نحمله إياها، ومع ذلك فإنّ الجدار حمل من المعنى ما خرج به عن المعنى الواحد.

وفي النهاية الجدار جدار، سواء في المدينة أو في الفيس بوك، سيكتبون عليه ما يشاؤون، سيمضون بعد ذلك متبجّحين أو مختبئين خلف أقنعتهم، ولن يوبّخهم أحد.

 

Leave a Reply