الرئيسية رأي بعد داعش: هل تبقى أمريكا في شرق الفرات؟

بعد داعش: هل تبقى أمريكا في شرق الفرات؟

شورش درويش
كاتب كردي من سوريا يكتب في العديد من الصحف والمواقع العربية.
مشاركة

على العكس من التقديرات التي ذهبت إلى احتمال انكفاء الدور الأمريكي داخل سوريا في حال تمّ التخلّص من خطر تنظيم داعش، يبدو أن العكس هو الذي يحصل على الأرض؛ فالولايات المتحدة تغذّ السير نحو تعزيز مواقعها والبقاء في المناطق التي تسيطر عليها رفقة حلفائها المحليين في قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وما القرار الأمريكي بخصوص تشكيل قوة حدوديّة مؤلّفة من ثلاثين ألف مقاتل منتشرين على طول الحدود السورية مع العراق وتركيا شرقي الفرات, إلّا غيض من فيض هذه السياسة التي لم يفهم كنهها حتى اللحظة، حيث السؤال الكبير، ما الذي تبغيه الولايات المتحدة شرق الفرات، وما الذي سيجنيه الأكراد من هذه العلاقة لاحقاً؟

على مرأى ومسمع حلفائها وخصومها، أقدمت أمريكا على المراهنة على قوة كردية صعدت إلى المشهد في سياق مقارعة تنظيم داعش، وتحديداً مع معركة كوباني التي تسبّبت في إيجاد كيمياء سحرية بين الولايات المتحدة وبين هذه القوة الكردية، وعلى الرغم من أن تركيا حاولت في شكلٍ جديّ الحد من العلاقة والتعاون اللذين تعزّزا بعد استعادة السيطرة على كوباني، إلا أن جهود حكومة العدالة والتنمية ذهبت أدراج الرياح، ذلك أن عمليات الدعم والإمداد الأمريكي وتقديم الخبراء وتكديس السلاح وتشييد مرابض الطائرات الحربية ازداد في شكلٍ مضطرد ولافت. ومع بسط السيطرة على الرقة وإخراج التنظيم من معظم الأراضي التي سيطر عليها وشيّد فوقها دولة خلافته، فإننا نقف في إزاء تحالفٍ نجح في مهامه الأوليّة وخططه المرسومة بشكلٍ دقيق، الأمر الذي يعني أن هذا الانتصار المشترك ألهم الولايات المتحدة بالتفكير أبعد من ملف مكافحة الإرهاب، ليدور الحديث عن بقاء القوات الأمريكية دون تحديد مواقيت للانسحاب، زد على ذلك أن مسؤولين أمريكيين أفصحوا، بما لا يترك مجالاً للشك، عن أن مهمّة قواتهم العاملة في سوريا ستنصبّ على المحافظة على السلم والأمان وإعادة الإعمار وحماية الخبراء الأمريكان، وقبل هذه التصريحات كان ثمة أخرى تشي ببقاء القوات الأمريكية والتحالف إلى حين إنجاز عملية التحوّل السياسي في سوريا.

لفهم شكل العلاقة بين أمريكا وقسد يمكن الركون إلى عدّة نقاط أفضت إلى هذا الشكل من العلاقة المنسجمة لكن المتشكّكة في ذات الوقت، إذ إن أمريكا تخشى من أن تضمر قسد علاقاتٍ سريّة مع الروس والنظام وإيران يحوّل هذا الانجاز الأمريكي إلى ساقية تصب في نهر مصالح هذه الأطراف الثلاثة، في المقابل، ثمة خشية كردية من أن تترك أمريكا القوات الكردية لمصيرها في منطقة تعجّ بالأعداء التقليديين للأكراد. أما الانسجام الذي وجب الحديث عنه، فيكمن في أن أمريكا لم تعثر طيلة السنوات السبع الماضية على قوات سوريّة تتمتع بالكفاءة والقدرة على التوسع دون ترك ندوب أو جراح في وجه المجتمعات التي تتقدّم فيها، فالإسلاميون الذين حاولت تركيا تسويقهم قاموا بارتكاب فظائع في العديد من المناطق التي سيطروا عليها، علاوةً على أعمال الانتقام الطائفية، وبالتالي فإن الإبقاء على شراكة أمريكية-تركيّة صحبة الإسلاميين بات مكلفاً على أمريكا وقد يرتد سلباً عليها في مقبل الأيام، وليس مثال أفغانستان بالبعيد عن الأذهان، بالإضافة إلى الدور الروسي الميّال إلى التفرّد في الساحة السورية وعدم إيلاء الاهتمام اللازم للمصالح الأمريكيّة في المنطقة، وتوسّعها أفقياً داخل سوريا، ورغبتها التحوّل قطباً أوحد يرسم وجه المنقطة، ولعلّ هذه النقطة كانت كفيلة في نجاح أمريكا في التسابق مع روسيا في خطب ود القوات الكردية، لاسيّما وأن «انعطافات» أردوغان نحو روسيا ساهمت في صورة ما في فصم عرى العلاقة الكردية-الروسية الناشئة، الأمر الذي منح الأمريكان فرصة اقتناص الفراغ الروسي في المنطقة الكردية والامتداد الفسيح جنوبها حيث تواجدت داعش.

دون شك، هزّت مسألة تدريب وإعداد قوات «جيش» قوامه ثلاثون ألف عسكريّ ينتشرون شرق الفرات وعلى امتداد الحدود التركية والعراقية داخل سوريا، أنقرة وموسكو اللتان لا تخفيان قلقهما من أن تتحول أمريكا وفريقها الكردي إلى أحد أقدار المنطقة التي يصعب الخلاص منها، إذ تعني مسألة التكفّل بهذا العدد الغفير من العسكريين تقديم المزيد من الخدمات اللوجستيّة والعسكرية وتخصيص رواتب مالية لهم، وإذا كان لابد من تلخيص للحالة القائمة بين قسد والأمريكان، فإنه يمكن قول الآتي: إن قسد سارت عبر المركبات الأمريكية إلى أبعد مدى ممكن داخل سوريا، في المقابل استقلت أمريكا عربة قسد لتتواجد داخل منطقة كادت أن تفلت من بين أيديها وتؤول إلى الروس أو الإيرانيين أو ربما الأتراك.

لا يمكن التنبؤ بالفترة التي ستبقى فيها أمريكا داخل سوريا، أو إلى متى ستبقى العلاقة الكردية الأمريكية، لكن كاستشرافٍ وسطيّ ومعتدل يمكن القول إن هذا العام سيكون عام تعزيز إمكانيات ودور قسد داخل سوريا، وإن العلاقة ستسير قدماً خلال الفترة القصيرة المقبلة. لكن، وفي مقابل ذلك، لا بد من التذكير إلى حاجة قسد الماسّة إلى التقدّم الدبلوماسي عبر الاعتراف بكيانها وإدارتها للمنطقة الغنية بالموارد الطبيعية والعناصر البشرية، وبالتالي فإن السؤال الذي بات مطروحاً أكثر هو: هل ستقوم أمريكا وشركاءها الغربيون بالاعتراف بالكيان الوليد شرق الفرات، أو أقلّه إسنادها والحفاظ على وجوده؟ أم ستبقى غيوم العلاقة هذه ملبّدة إلى حين؟

Leave a Reply