الرئيسية رأي الخطاب الإعلامي: من يخاطب الشوايا في الجزيرة؟

الخطاب الإعلامي: من يخاطب الشوايا في الجزيرة؟

عباس علي موسى
كاتب وصحفي مجاز في اللغة العربية من جامعة تشرين، رئيس تحرير مجلة سورمَي القسم العربي، ينشر في المجال الأدبي والصحفي في المجلات والمواقع العربية والكردية، شارك وأنجز مجموعة أبحاث ثقافية واجتماعية.
مشاركة

لقد درجت العادة على وصم فئة من العرب، ومنهم عرب الجزيرة (الشوايا)، في الدراما السوريّة بالسذاجة والبساطة، لدرجة أصبحوا فيه مضرب مثل عن قلّة الحيلة والتصرّفات الساذجة التي تنمّ عن قلّة دراية وتمدّن.

هذه الصورة النمطية روّجت لها الدراما السوريّة، ولا يُعلم بالضبط منشأها أو مبدأ استخدامها، لكنّ الأكيد أنّ هذا التنميط قد سهّل على الدراما تقديم نموذج الشاوي، وهو نمط جاهز في الواقع المجتمعي في كثير من المحافظات السوريّة، وهي ذات حمولة ساخرة، وتحمل بين طياتها صفات البساطة والسذاجة وقلة الحيلة.

هذا التنميط دفع بالناس إلى استخدام لهجة هذه الفئة (اللهجة الشاوية؛ وهي لهجة عربية أصيلة، غير قرشية) للتعبير عن الكوميديا وخلق المشاهد الساخرة، وهي انتقلت من الشعبية إلى الدراما ومن الدراما إلى الشعبية، وقد نجحت في ذلك، لكن وبعيداً عن الكوميديا التي استخدمت هذه الشخصية النمطية، ابتعدت الأوساط وخاصة الإعلامية عن استخدامها أو حتى التفكير فيها كخيار لاستخدامها لغة إعلامية حين يكون الأمر متعلّقاً بنبض الشارع.

في منطقة الجزيرة (محافظة حسكة) حيث تعيش مجموعات كبيرة من العرب، وهم أيضاً من هذه الفئة المدعوة بالشوايا، فقد خلق البعث نظرة استعلائية إزائهم، إذ لم ينظر إليهم كعرب لهم ثقافة وفلكلور ولهجة مغايرة لما عليه العرب من بعث النُخبة في حواضر البعث الأخرى، بل على العكس، تم خلق نظرة دونية إليهم لا تزال آثارها مستمرة حتى اللحظة.

نجحت الدراما خلال سنوات طويلة من صعودها في تعويم اللهجة الشامية وربطها بفكرة مركزية دمشق، وتقديمها على أنّها اللهجة الراقية و«المهضومة»، ولهجة المراجل الشامية، ولكنّ هذه اللهجة، ومهما كانت قريبة من السوريين بفضل الدراما وتعويمها لمركزية اللهجة الشامية، لا تستطيع أن تكون معبّراً عن عرب الجزيرة كما لن تستطيع أن تعبّر عن أهل اللاذقية والسويداء أيضاً، وذلك لأنّها تملك مسافة تجعلها لغة دراما فقط، وتترك مسافة بينها وبين المخاطبين حين يتعلّق الأمر بقضاياهم ومشكلاتهم اليومية.

إبّان الحراك المدني السوريّ وافتتاح منصّات إعلامية عديدة في الجزيرة، وبخاصة الإذاعات المحليّة (وهي بالعشرات)، تبنّت جلّها خطاب مختلف مكونات الجزيرة (محافظة حسكة)، من كرد وعرب وسريان. لكن وفي حين يتم مخاطبة الكرد بلغتهم (اللغة المستخدمة هي خليط ما بين الفصيحة والعامية، وأحياناً فصيحة في البرامج الجادة)، ويتم مخاطبة السريان بلغتهم (وهي مستخدمة بدرجة أقل)، يتم مخاطبة عرب الجزيرة (نشير هنا إلى برامج إذاعية مجتمعية) باللهجة الشامية، وهي بالأحرى لا تخاطبهم فقط، بل تخاطب كذلك الكرد والسريان الذين يتفاعلون مع العربية (سواء بفصيحها أو شاميتها) أكثر من لغتهم الأم.

لكن أولاً يحمل الأمر غبناً بحقّ مكون كالعرب! فالأحرى بمختلف وسائل الإعلام المحلية تبنّي لهجة قريبة على مجتمعها في برامج خاصة كتلك التي تتناول نبض الشارع، خاصة أنّ الإذاعات هي ذات موجات قصيرة، وتبثّ في الجزيرة وحدها في الغالب، ويبدو الأمر متعلّقا بفكرة قبول الآخر المختلف، والحديث هنا لا ينسحب – كما درجت العادة – على الكرد وحدهم، بل على العرب أنفسهم، فقد صنع البعث هوّة بينهم وبين ثقافتهم الفراتية ولهجتهم الأصيلة، وعوض التعويل على أصالة الموجود، قام بتعويم فكرة النخبة والمركز، فكان ما كان، وحتى وإن لم يكن البعث السوريّ هو السبب الوحيد في تأصيل هذه الفكرة، إلا أنّه بالتأكيد أحد أهم المؤثّرين فيها.

إنّ فكرة العيش المشترك التي تنادي بها منظمات ومؤسسات المجتمع المدني تبدو غير منبعثة – من ناحية تبنّي الحلول – من الواقع المحليّ المعاش. قد يستغرب البعض من هذا التضخيم، إلا أنّ الأمر كذلك، أو أسوأ وأهمّ من ذلك بكثير، لأنّه مرتبط ارتباطاً وثيقاً بفكرة قبول الآخر كما هو دون فرض أي شيء عليه.

تبقى العربية الفصحى وتبنّيها في البرامج الرصينة كما نشرات الأخبار العربية مهمّة، وذلك لأنّها لغة ثقافة وفكر مشتركة بين الجميع من أهالي الجزيرة، إلا أنّ الأمر يختلف جذرياً حين يتعلّق بالبرامج التي تخاطب الجمهور العام، فهي قريبة من الناس، والعربية بلهجتها ولكنتها الشاوية هي المعبّر الأكبر عن شريحة عوام الناس من المكوّن العربي.

ويبدو أنّ الحديث عن مخاطبة عرب الجزيرة سيجرّ معه أسئلة عديدة عن آلية الخطاب الإعلامي في الإذاعات المحلية ذات موجات الـ FM في الجزيرة بشكل عام، فهو خطاب غير ذي استراتيجية، إذ تجد أنّ البرامج التي تعتمد التفاعل مع الجمهور خاصة (مثل برامج طلبات الأغاني أو البرامج الافتتاحية في الصباح) تتبنّى خطاباً مزدوج اللغة، فمثلاً يعلّق أحدهم بالعربية على برنامج كرديّ، ويتم تجاوز الأمر دون مراعاة للمستهدف من المستمعين، وتجد في برنامج آخر، ضيفاً يتم اللقاء معه باللغتين (الكردية والعربية) والضيف يتكلّم الكردية فقط، وستجد أنّ منصّات هذه الإذاعات الإلكترونية تخاطب الكرد بالعربية، وتجد السريان مخاطبين بالعربية أيضاً.

الموضوع غير مرتبط باللغة كوسيلة للتواصل فقط، بل إنّ الأمر مرتبط بفكرة احترام الآخر وتقبّله كما هو، وتأصيل فكرة العيش المشترك من خلال التقرّب من الناس والحفاظ على مغايرتهم، خاصة حين يمسّ الأمر جوهر الأشياء، وليس الموضوع بالاستسهال ذاك، فالشاوي، وهي اسم النسبة من الشوايا ليس مشتقاً من الشواء، ولا من الشايّ، كما يقدّمها البعض استسهالاً لأصل الكلمة، بل هي، بحسب أقرب التفسيرات اللغوية معقولية، مشتقة من الشاءِ (الشاة؛ جمعها شياه) فالشَّاوي صاحبُ الشاءِ؛ وقال مبشر بن هذيل الشمخي:

بل رُبَّ خَرْقٍ نازِحٍ فَلاتُهُ *** لا يَنْفَعُ الشَّاوِيَّ فيها شَاتُه

Leave a Reply