الرئيسية رأي عن إعادة تدوير تركيا لمشروع محمد طلب هلال في عفرين

عن إعادة تدوير تركيا لمشروع محمد طلب هلال في عفرين

همبرفان كوسه
صحفي كردي سوري، يكتب باللغتين الكرديّة والعربيّة، له مقالات وتحقيقات صحفية في عددٍ من المؤسسات الإعلامية الكرديّة والعربيّة.
مشاركة

تبدو معركة احتلال عفرين من قبل الجيش التركي والفصائل العسكرية التابعة لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا أشبه بمشروع محمد طلب هلال في الجزيرة، من ناحية جلب اللاجئين السوريين وغيرهم في تركيا إلى منطقة عفرين، لإكمال مشروع التغيير الديمغرافي في سوريا. هذا ما تريده الحكومة التركية ويصرح به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بأن البنية الديموغرافية لعفرين يجب أن تعود لطبيعتها وسكانها “الأصليين”، وأكد أن 50% من سكان عفرين هم عرب و30% كرد أما ما تبقى فهم من المجموعات الأخرى، قبل أن يعود بتصريح آخر ويزيد نسبة كردها إلى 35%.

ثمة تشابه بين ما سلبه النظام السوري من الكرد عبر وافده الغريب (المغمورين) إلى القرى والمناطق الحدودية للمنطقة الكردية، وبين ما يحاول النظام التركي فعله في عفرين ورغبته الواضحة بتغيير الديمغرافية الكردية. الواضح أن التاريخ يعيد نفسه فعلاً، فكما أن دير الزور وغيرها من المدن السورية كانت أقرب إلى الرقة من محافظة الحسكة، فإن السطوة التركية في إدلب وخطة نقل اللاجئين السوريين إليها، أسهل من محاولة إقحام خزانها البشري السوري المأمور تركياً في رقعة جغرافية كردية صرفة.

لكن الأكثر وضوحاً أن البحث عن الضحية الحقيقية ليس مرتبطاً بالفرد الكردي وأراضيه الزراعية التي سلبت منه، إنما بالقضية الكردية في الجزء الغربي من كردستان الملحق بسوريا؛ فالقرى التي أوفد إليها النظام السوري عرب الغمر هي تلك الحدودية مع الجزء الشمالي من كردستان الملحق بتركيا. وحاول من خلالها أن يلغي الرابط الاجتماعي والقومي بين طرفي الحدود، وخفض الكثافة السكانية الكردية في الجزيرة العليا ليصير الكرد نسبةً أقل فيها. وهذا ما فشلت فيه سوريا رغم أنها ألحقت مناطق سورية مثل بلدة مركدة وريفها، الأقرب لدير الزور منها للحسكة، ليكون مخفضاً إضافياً لنسبة الكرد.

إحدى المقترحات التي أرسلها محمد طلب هلال ضمن دراسته إلى النظام السوري كانت نزع الصفة الدينية عن مشايخ الدين عند الكرد، وإرسال مشايخ بخطة مرسومة عرباً أقحاحاً، أو نقلهم إلى الداخل بدلاً من غيرهم، لأن مجالس الكرد ليست مجالس دينية أبداً، بل وبدقة العبارة «مجالس كردية»، «فهم لدى دعوتنا إياهم، لا يرسلون برقيات ضد البرزاني»، بحسب هلال. تفعل تركيا شيئاً مشابهاً عبر ذراعها السوري الإخوان المسلمين؛ إذ تردد هذه الجماعة عبارات وشعارات تصف الكرد بالملاحدة والمرتدين عن الدين، وهجمة عفرين ما هي إلا ‹فتح ونصر مبين للمسلمين›. بذلك تكسب المتطرفين من أصقاع الأرض، كما فعلت داعش تماماً، وهذا ما توضحه صور وسائل الإعلام التركية المرافقة لعملية الاحتلال، والتي تبين استمارات قبول الأفغان والأفارقة وشتات المسلمين في شوارع المدن التركية للمشاركة في احتلال المنطقة

ستعمل الحكومة التركية على جعل الشريط الحدودي الكردي معها منطقة عسكرية لوضع ثكنات عسكرية ونقاط للمراقبة. وستجلي الكرد عنها، لتنشئ مزارع جماعية للعرب والتركمان السوريين وغير السوريين في المنطقة في حال نجحت في اجتياح عفرين، وهذه كانت جزءاً من المقترحات التي قدمها طلب هلال للنظام السوري.

أفعال الطائرات التركية ومدفعية إخوانه المسلمين في قصف المدنيين العزل والأماكن الأثرية في عفرين، كما حدث في عين دارا، هي إضافةٌ أخرى لتحويل المنطقة إلى ركام يفقدها ذاكرتها الجمعية عن سكانها وتاريخها وحضارتها القديمة. يختلف هذه الأسلوب مع سياسية التعريب السورية بحق الجزيرة العليا؛ إذ إن قوى الإخوان المسلمين تهدف إلى اقتلاع الوجود الكردي في كامل عفرين بشكلٍ أو بآخر، لتوطين شعوب أخرى مكانهم.

الحملة العسكرية التركية على عفرين تتم برعاية روسية وموافقة ضمنية من النظام السوري الذي يريد القضاء على المشروع الكردي بأيادٍ تركية وكذلك من فصائل الإخوان المسلمين التي يمكن أن تعادي النظام في كل القضايا، ولكن تتفق معه على معاداة القضية الكردية، لكن صمود المقاتلين الكرد في جبهات عفرين يمنع تحقيق هذا الهدف.

ويبدو أن تركيا ستكمل مهمتها بالقضاء على الحلم الكردي، فبعد دعم احتلال كركوك والمناطق المتنازعة عليها من قبل الحكومة العراقية والميليشيات الإيرانية في أواخر العام الماضي، ها هم يريدون القضاء على الفيدرالية الكردية، والتي هي أبسط حقوق الكرد في سوريا الذين عانوا من ظلم حكومات البعث من حافظ الأسد إلى بشار الأسد.

فالمسألة إذاً لم تعد مرتبطة بالحرب الأهلية الدائرة في البلاد، بعد أن دخلت مشاريع تركيا الاستعمارية في مراحل متقدمة، والتي لا تهدف سوى إلى إحداث تغييرات جوهرية في المنطقة الكردستانية الموجودة في سوريا، يكون بإمكانها التأثير مستقبلاً على أي هدفٍ أو وجود كردي في المنطقة، والعمل على تشكيل تركيبية ديمغرافية جديدة لهوية السكان المتواجدين في المنطقة. تؤسس هذه الفرضية على الرغبة التوسعية التركية في المنطقة، والتي انطلقت من إلغاء أي اتصال ديموغرافي للكرد بين أجزاء كردستان الأربعة وربطها بالبحر المتوسط، بعد مشروع الاستقلال في إقليم كردستان العراق، وهذا ما ينذر بحرب إبادة وتطهير عرقي تستهدف الكرد في كامل الجغرافية الكردستانية، وليس في عفرين وحدها.

1 تعليق

Leave a Reply