الرئيسية رأي عفرين: في وحدة قضية التحول الديمقراطي في منطقتنا

عفرين: في وحدة قضية التحول الديمقراطي في منطقتنا

مشاركة

تعتبر قضية السوريين ومظلوميتهم من أكثر القضايا الإنسانية والأخلاقية التي اختبرت مصداقية شعارات مناصرة الحرية والديمقراطية وقضايا الشعوب وحقوق الإنسان، خلال السنوات الأخيرة على مستوى العالم.

الاختبار لم يشمُل فقط مدّعي ممارسة الفعل النضالي والثوري والمثقفين والفنانين، بل تجاوزتهم إلى الأحزاب والتيارات السياسية والفكرية بمختلف توجهاتها، إضافة إلى الدول والكيانات والمنظمات الدولية والإنسانية. حيث سقط الكثير منهم في امتحان المصداقية، التي لا بد للتاريخ أن يذكرها آجلاً.

قبل ذلك، وعلى مدى قرن كامل، كانت القضية الكردية في المنطقة والعالم، وبذات القدر من الدلالة والمكانة الأخلاقية، تكشف معها زيف الكثير من شعارات المناضلين والمثقفين والتيارات والأحزاب والكيانات والدول. ومن الممكن استنطاق التاريخ كثيراً في هذا الصدد.

لكن، وبالرغم من وجود هذه الأرضية المبدئية والأخلاقية لكلا القضيتين، والتقاء مناصريهما تحت مظلة المطالبة بالحرية والتخلص من الاستبداد، إلا أن المؤسف أن العديد من المناسبات كشفت معها عن وجود افتراق بين هاتين القضيتين ومناصريهما، لا بل يمكن القول إن الصورة الحالية باتت توحي، خاصة بعد الاعتداء التركي على عفرين، أن الجانبين باتوا على طرفي نقيض، إذ يكاد لا يوجد شخص من الشارع الكردي، عداك عن الأحزاب السياسية، لا يعتبر الاعتداء التركي تهديداً وجودياً للكرد وليس حرباً ضد حزب الاتحاد الديمقراطي، في حين نجد نسبة كبيرة من المعارضة السياسية، وكذلك الجمهور العريض للمعارضة المسلحة يصبغون الشرعية على الهجوم التركي، على أنه تهديد للأمن القومي التركي. وتكاد حجج الجزء المتبقي من المعارضة السورية من الذين يعارضون الهجوم، تأتي من كونها ترفض التدخل التركي في الأزمة السورية على اعتباره داعماً للإخوان المسلمين ليس أكثر؛ فهم لا يقيمون أي اعتبار لحساسية ما يقوله الكرد من كون الهجوم يشكل تهديداً وجودياً لهم في ظل استثمار دنيء لخطاب سلفي جهادي ضدهم على أنهم «ملاحدة وخنازير».

لكن قبل عفرين كانت هناك مناسبات كثيرة كشفت معها عن صورة نمطية لدى غالبية المعارضة السورية وجمهورها تجاه الكرد «كمتآمرين وعملاء لأعداء الأمة» بالنسبة للإسلاميين، و«عملاء لأمريكا وإسرائيل» بالنسبة للقوميين وبقية التوجهات، وليس أدل على ذلك من التصريحات العنصرية التي صدرت على لسان شخصيات كبيرة من المعارضة السورية، والمؤسف أنها ذاتها الصورة التي استطاع نظام الأسد وغيره من أنظمة المنطقة ترسيخها طوال عقود من الزمان في أذهان شعوبها، عبر الإعلام وغيره من الوسائل الثقافية والتعليمية.

لكن في ظل هكذا حال، ألا يحمل الكرد وحراكهم السياسي جزءاً من المسؤولية عن تدهور العلاقة نحو العداوة مع مناصري القضية والمظلومية السورية ومن يدعون تمثيلها حالياً؟ هو سؤال كان سيحظى بشرعية أكثر في النقاش راهناً، لولا حدثين قريبين أحدهما جرى قبل عام؛ وهو قيام تركيا بتسليم أحياء المعارضة في حلب للنظام مقابل السيطرة على مناطق ‹درع الفرات›، والثاني يجري حالياً وهو الهجوم التركي المدعوم بفصائل من المعارضة على عفرين، حيث بات من الواضح مجدداً أن الأتراك ما كانوا ليحصلوا على موافقة اجتياح عفرين، ما لم يكونوا قد تنازلوا بالمقابل عن إدلب ومن فيها للروس والإيرانيين والنظام.

في كلا الحدثين يبدو واضحاً أن المقايضة تجري على حساب الطرفين السوريين المتصارعين على الأرض، وأما أكثر خسارة لا يلقي المعارضون السوريون بالاً لها، فهي ذاك الشرخ الذي بات يتسع أكثر بين الكرد والعرب السوريين على مستوى الشارع، والذي من الممكن أن يغدو أكثر خطورة فيما لو قيض للأتراك أن يحتلوا عفرين. حينها عن أي مستقبل سوري سيكون الحديث؟ وعن أية هوية وطنية جامعة؟

لكن حتى وإن سلمنا جدلاً بأن الكرد والأطراف السياسية الكردية، وخاصة حزب الاتحاد الديمقراطي، يحملون جزءاً من المسؤولية في كسب عداء هؤلاء المعارضين السوريين وجمهورهم، إلا أن ما يبقى محقاً هو طرح بعض الأسئلة ضمن هذا السياق وهي؛ هل قام طرف معارض منذ بدء الأزمة السورية وحتى الآن بطرح القضية الكردية بشكل جدي في برنامجه السياسي؟ وهل قدمت المعارضة مشروعاً وطنياً لحل هذه القضية خارج إطار النظر إليها على اعتبارها مجرد ورقة تساهم في زيادة التدخلات الإقليمية والدولية في سوريا والمنطقة وتزيد تعقيد الأزمة السورية؟ وهل وفرت المعارضة بديلاً مقنعاً للكرد السوريين حتى يشعروا بشيء من الانتماء لـ «مشروعها الوطني الجامع»، وبالتالي أن يعزفوا عما يقدم لهم من جانب حزب الاتحاد الديمقراطي أو غيره من «الانفصاليين»؟

وأخيراً، هل راعى هؤلاء المعارضون السوريون ذات يوم حساسية الكرد تجاه الأنظمة التركية وعداونها على حقوقهم؟ تلك الحساسية التي شبهها الكاتب السوري ياسين الحاج صالح في ذات مقالة على أن للكرد علاقة بتركيا ونظامها، تتشابه مع علاقة العرب ونظرتهم تجاه إسرائيل.

وفي حين تدّعي المعارضة وتركيا أن الهدف هو تخليص الناس في عفرين من حزب الاتحاد الديمقراطي، إلا أن الحقيقة هي أن هذا الحزب قد كسب، ومنذ الآن، شعبية أكثر، وسيبقى كذلك حتى وإن حدث الأسوأ واحتلت عفرين، وربما سيحظى بما هو أكثر من ذلك، إذا ما انتصر المقاتلون الكرد ومرغوا أنف المعتدين بالتراب.

أمر مؤسف أن تجد مثل هذا الافتراق بين أنصار هاتين القضيتين في سوريا، إلا أن الحديث عن حالة المظلوم الذي يعارض حرية مظلوم مثله، لا تنطبق على الحالة السورية فحسب، بل نكاد نجدها تشمل حال المعارضات العراقية والتركية وحتى الإيرانية. إذ لم يسبق أن حظي الكرد في تلك البلاد بحلفاء من معارضاتها رغم رفع الأحزاب الكردية شعارات وطنية وديمقراطية جامعة في الغالب، بل إن الحسم في العلاقة معها دائماً ما كان يأتي أثناء التحولات المفصلية لصالح الصورة النمطية التي اُسبغت على الكرد فيما مضى من قبل أنظمة المنطقة.

فإذا ما تناسينا عفرين وما يحيط بها من تهديد الآن، فإن قضية الاستفتاء غير الملزم لإقليم كردستان وما جرى بعده لا تزال ماثلة للعيان، وهي توضح لنا أكثر كيف أن المعارضات والأنظمة، بل وحتى شعوبها، تكاد تتطابق من حيث موقفها وتصورها تجاه الحق الكردي، أياً يكن، وفي أي مكان يكنً. هذا على الرغم من أن الأحداث على الساحة السورية، كما وعلى الساحة الإقليمية قد أثبتت في أكثر من مناسبة، بأن قضية التحول الديمقراطي في هذه المنطقة هي واحدة، وإن وقوف المظلومين بالضد من حقوق بعضهم، لا يأتي إلا في صالح الأنظمة المستبدة.

بالأمس القريب كانت الاحتجاجات الإيرانية مؤشراً آخر على ضرورة انتقال منطقتنا إلى مرحلة من التحول الديمقراطي، وربما من الأهمية أن نذكر هنا كيف أن موقف الرئيس التركي وحكومته كان بالضد من الاحتجاجات السلمية للشبان الإيرانيين، والتي لم تكن إلا ذات المطالب التي نادى بها الشبان السوريون في بدايات حراكهم. بل حتى إن بعض النشطاء ذهبوا إلى اعتبار انتصار الثورة في إيران هو انتصار للمظلومين في بلدان عدة، لا تزال إيران تتدخل في شؤونها.

ربما لا نعلم ماذا ينتظر عفرين وإدلب، ولا المألات التي ستنتج عن صفقة أردوغان مع الروس، لكن ما نعلمه أن قضية الحرية والتحول الديمقراطي لا تلبث الأحداث بين الفترة والأخرى تعود لتثبت على أنها قضية واحدة، لذا فمن المنطق والأخلاق أن يعمل أي ثائر أو مظلوم باحث عن حريته في منطقتنا على امتلاك مشروع وتصور مستقبلي جامع، وأن يبتعد عن الوقوف في وجه حرية وحقوق أمثاله.

وقد يكون ما علق به الشاعر والكاتب اللبناني يوسف بزي خير تعبير عن ما كشفته عفرين من معاني وهي تتعرض للهجوم من قبل المعارضة حين قال: القضية الكردية هي واحدة من الامتحانات التي رسبت فيها الثورة السورية، كما أن مكانة المرأة كانت القضية الأسوأ في هذه الثورة. في عفرين التقى الإخفاقان على جثة المقاتلة الكردية بارين كوباني.

Leave a Reply