الرئيسية رأي عفرين وانتهاء صلاحية الثورة سورياً وكردياً!

عفرين وانتهاء صلاحية الثورة سورياً وكردياً!

علي نمر
صحفي سوري، حاصل على الإجازة في الإعلام، يكتب في العديد من الصحف والمواقع المحلية والعربية.
مشاركة

أن تقف مع خيارات الشعوب في التغيير السلمي الديمقراطي هو من بديهيات العمل في السياسة. هكذا يجب النظر أو اتخاذ الموقف من ربيع الدول العربية الذي انطلق رداً على أنظمتها الديكتاتورية، لكن تحولات السنون السبعة سورياً غيرت الكثير من المفاهيم، ومع ذلك فكرة كتابة هذه الأسطر تأجلت، أو تأخرت، شهراً عسى أن يتراجع العقلاء في المعارضة السورية من موقفهم المشؤوم في مشاركة التدخل التركي في مدينة عفرين بمجموعة من الفصائل المرتزقة تحت مسمى ‹الجيش السوري الحر›، ليكتمل أخيراً الغباء السياسي، حتى لو كان «مجبراً»، بصورة تذكارية لبعض قيادات المعارضة في إحدى القرى الإيزيدية (قسطل جندو). هذه الصورة الإشكالية على المستوى الوطني أولاً، والكردي ثانياً، ستلعب دوراً مهماً في زيادة الشرخ والكراهية.

وفي حال توافق بعض الدول مع الرؤية التركية في تصنيف «الإرهاب» هذا يعني أن معظم الشعوب والأقليات التي تناضل من أجل حقوقها إرهابية، وبالتالي يجب إعادة النظر بمفهوم حركات التحرر الوطني التي ظهرت كرد على الاحتلالات التي وقعت في مختلف دول العالم، بعيداً عن قضية حزب العمال الكردستاني، واعتباره شأناً داخلياً تركياً يرتبط بمصير وحقوق أكثر من 20مليون كردي في كردستان تركيا. ثم إن كان ثمة مبررات على أن هذا من حقها اعتماداً على المادة /51/ من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تمنح الدول حق التحرك المنفرد أو المشترك من أجل حماية أمنها وحدودها، فإن من حقنا أيضاً أن نطرح السؤال التالي على كل من أبدى موافقته على الحملة: هل شنَّت تركيا حملة عسكرية بهذا الحجم من العدد والعتاد على أكبر وأخطر تنظيمين إرهابيين في المنطقة، وهما تنظيم ‹الدولة الإسلامية في العراق والشام› «داعش»، وجبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة في سوريا)، اللذان كانا يسيطران على محافظات ومدن سورية كاملة على طول الحدود التركية؟ من المؤكد أن الجواب بالنسبة لأقلهم متابعة سيكون لا! أما إن كان هنالك من إصرار على أحقية الحملة التركية، فهذا يعني التبرير حتى للغزوات والاجتياحات التي حدثت، وتحدث، في معظم أنحاء العالم، ومنها مثلاً أن على جميع الدول التي شاركت في عاصفة الصحراء مع أمريكا الاعتذار على غزوها العراق بسبب اجتياح الأخيرة للكويت، لأن صدام حسين كان يجد فيها تهديداً لأمنه القومي والدولة العراقية بسبب «تواطئها» مع إيران!

لكن إن وقفنا جدلاً مع الموقف التركي، فما علاقة ‹الجيش السوري الحر› في مشاركته الحملة بآلاف من عناصره ضد مدينة عفرين التي تعتبر ملجأً آمناً لعشرات الآلاف من العائلات السورية الهاربة من بطش النظام والتنظيمات الإرهابية والفصائل المتطرّفة؟ ليست هناك أيّة علاقة سوى أن جميع الفصائل المنضوية تحت راية درع الفرات هي نفسها التنظيمات الإرهابية بتسمياتها المتعددة التي تتحرك حسب الأوامر التركية، وهي ضمن أجنداتها، ومعظمهم من المرتزقة، سوريين كانوا أم أجانب، لأن الذي كان يسمى بالجيش السوري الحر، أيّ العناصر والضباط الذين انشقوا عن النظام على أن يؤسسوا جيشاً وطنياً، أبعدتهم تركيا كلياً عن الفصائل ووضعتهم في مخيمات اللاجئين يعيشون في الذلِّ ذاته كما بقية الشعب السوري النازح، والقلَّة الذين انضموا للأجنحة العسكرية التي باعت نفسها بكل بساطة وأصبحت مرتزقة مثلها مثل التركستاني والشيشاني.

إن تركيا تعلم جيداً حجم شعبية حزب الاتحاد الديمقراطي في مختلف المدن الكردية على حدودها، لكنها لم تفكر يوماً بالدخول إليها من ديريك وصولاً لعفرين، وكان من المنطقي أكثر أن تفكر بإنشاء منطقة آمنة في مناطق سيطرة المعارضة السورية بإدلب حيث خطوطها الحمر التي هددت بها أكثر من مرة للرد على النظام السوري. إلا أن انشقاق العميد طلال سلو الناطق باسم «قوات سوريا الديمقراطية» مؤخراً والتجائه لتركيا، وبناء على الإحداثيات ومناطق النفوذ والقوة التي كانت بحوزته، ربما ساهم في تغيير الخطة التركية ووضع الخطة البديلة بمهاجمة عفرين.

ما يبدو هو أن جميع القوى الداخلة في الحرب السورية تتحرّك استخباراتيّاً، والمؤكد أن جميعها مخترقة من جواسيس الأطراف الأخرى، رغم الاتهامات المتبادلة دولياً وإقليمياً وزيادة حدتها عند كل اجتماع للأمم المتحدة ومجلس الأمن، كالتي على سبيل المثال قيلت إن عفرين مقابل إدلب ضمن الاتفاقات الروسية – التركية، التي سيبدو هدفها واضحاً في الأيام القادمة من خلال المباحثات واللقاءات التي تجري بين ممثلي الإدارة الذاتية والنظام، أي أن عفرين تنتهي كإقليم معلن كردياً عند الاتفاق على تسليمها للنظام، وهذا ما يسعد الأتراك عملياً، لأن الدول الأربعة الغاصبة لـ«كردستان الكبرى» لم تتفق يوماً سوى على القضية الكردية التي كانت وما تزال تجمعهم دائماً، ووضع حد لكل الالتباس الحاصل حول عفرين بين وجودها كجزء من سوريا والفدرلة والانقسام.

في الطرف الآخر؛ فإن الصمت الروسي رغم تواجده الصريح في عفرين، وانسحاب الشرطة العسكرية الروسية من نقاط محددة، يمكن إرجاعه لسيناريوهين، الأول تعمدها توريط تركيا في معركة خاسرة رغم فارق القوة، والثاني حدوث حرب إقليمية تؤدي لوقوع الجميع بالمستنقع ذاته، أو القبول بالحل السياسي وفق سلّتي (الدستور، والانتخابات) فقط؛ على أن يتم وضع الدستور بالتعاون مع الروس، وإجراء الانتخابات بمراقبة دولية وإشراف أمريكي، وبموافقة جميع الأطراف، بمن فيهم الائتلاف السوري المعارض الذي التقط صورة له في قرية ليست كردية فقط، بل وإيزيدية أيضاً، ليضع مصداقيته على المحك، بقبوله المحتل بصفة محرر؛ والتي كانت مهزوزة من قبل بسبب سياساته وخياراته الخاطئة تماشياً مع أجندات الدول الداعمة له، والتي قضت على آمال وتطلعات الشعب السوري الذي نزل إلى الشوارع سلمياً أملاً بالتغيير الحقيقي المنشود، ورغم التضحيات الكبيرة التي قدمها على مذبح الحرية، فإن المعارضة بهذا الفعل لم تقرأ الفاتحة على انتهاء صلاحية الثورة السورية كردياً وإنما سوريّاً أيضاً، والتفاهمات القادمة والمحاصصة الدولية أمريكياً وروسياً والإقليمية تركياً وإيرانيّاً ستثبت ذلك على حساب «الذبيحة» سورية!

Leave a Reply