الرئيسية رأي عفرين إذ تفاضل بين سيّئ وأسوأ

عفرين إذ تفاضل بين سيّئ وأسوأ

شورش درويش
كاتب كردي من سوريا يكتب في العديد من الصحف والمواقع العربية.
مشاركة

منذ أن قرّر الجيش التركي شنّ حربٍ على عفرين بذريعة القضاء على وحدات حماية الشعب، أو المسمّى الذي تفضّله تركيا، أي حزب العمال الكردستاني، إيهاماً للرأي العام التركي والعالمي بوجود خطر محدق يحيق بتركيا، بات يرشح من مواقف الحكومة التركية حول عفرين ما يتجاوز موضوع ضرب المسلّحين الأكراد، إذ دار الحديث جهاراً عن وجوب إحداث تغيير ديموغرافي يطاول الوجود الكردي، وما تصريحات الرئيس التركي أردوغان حول إعادة اللاجئين السوريين (ثلاثة ملايين ونصف على حد تعبيره) إلى عفرين بعد القضاء على المسلّحين الأكراد إلّا دليلاً دامغاً على رغبة تركيا في إنهاء كابوس الوجود الكردي جنوب حدود تركيا. لم يقف الأمر عند هذا الحد، أي التلاعب بالتركيبة السكانية، بل تعدّاه إلى الحديث العلنيّ عن وجود «وثائق تاريخيّة» تفيد بأن عفرين هي جزء من تركيا بموجب (الميثاق الوطني) أو ما يسمّى (الميثاق الملّي)، والذي يحدّد بموجب آخر جلسة لمجلس المبعوثان (المجلس النيابي) 1920 أن تركيا لم تخسر عفرين في حرب الاستقلال 1919 – 1920.

أيّاً يكن من أمر، فإن النهج التركي الرامي إلى تتريك عفرين، أو تحويلها إلى موطن جديد للاجئين السوريين المقيمين في تركيا، بات يتجاوز بذلك المخاطر العسكريّة إلى أخرى تتمثّل بإحلال سكان مكان السكان الأصليين وطردهم وتنفيذ سياسات أقرب إلى السياسات الاستعمارية الاستيطانية الغربية خلال العقد الثاني من القرن العشرين، ما يعني أن مخاطر الحرب التركيّة تنطوي على جانب أشد عتمة تتمثّل بإبادة أو تهجير الأكراد وتعريض وجودهم للخطر، أو لنقل إنه احتلال إحلالي موصوف.

وفي سياق هذه السياسات التركيّة العارية تجاه المواطنين الأكراد، طفت إلى السطح مسألة تحوّل ‹الجيش الحر› إلى ذراع برّية للجيش التركي، وتوعّدهم الأكراد بالقتال والقتل وانتزاع مساكنهم وقراهم من أيديهم، وفق ما نشر في العديد من المقاطع المصوّرة، دع عنك مشاهد الاعتداء على المدنيين المتهمين بانتمائهم أو مناصرتهم لوحدات حماية الشعب. أمّا ما شكّل الطعنة النجلاء لمعظم الأكراد، فقد كانت زيارة رئيس الائتلاف المعارض رياض سيف رفقة لفيف من زملائه في الائتلاف لقرية قسطل جندو التي احتلّها الجيش التركي في وقت سابق، ووصف ما حدث بأنه زيارة لمناطق «محرّرة». هذه المشاهد وسواها ضاعفت من خيبة الكرد في عفرين وباقي المناطق الكردية من مواقف الائتلاف الذي بات في واقع الأمر شريكاً في قتل الكرد إن لم نقل في مشروع إبادتهم.

في مقابل هذه السياسة التركية والسوريّة المعارضة، لم يكن أمام وحدات حماية الشعب إلّا خيار التصدّي لهذا المخطّط الكبير، ولعلّ ما جرى خلال الأيام الطويلة من الحرب المستمرة بدّل من يوميات الحرب التي بدت قبيل اندلاعها حرباً سهلة أقرب إلى «النزهة» منها إلى الحرب الفعليّة، وإلى درجة بعيدة يمكن القول إن الجانب التركي صعق من إرادة القتال التي تبديها وحدات حماية الشعب، لذا بات في سباق مع الزمن يسارع إلى انتزاع الكثير من المساحات قبل أن تطفو إلى السطح متغيّرات جديدة، من قبيل دعوة الوحدات للنظام السوريّ بالتدخل، وهو ما حصل بالفعل، إذ إن المفاوضات بين وحدات الحماية والنظام السوريّ حصلت وبدأت نتائج التفاوض تظهر إلى العلن.

وبمعزل عن جديّة النظام حول قيامه بمهمّة حماية الحدود، وكذلك بمعزل عن دور الإعاقة الروسي لمثل هذا الاتفاق، إلّا أن المعطيات تشير إلى أن النظام متخوّف من توسّع نفوذ تركيا في شمالي سوريا وفي المنطقة الممتدة من أقصى لواء الاسكندرون وحتى غربي نهر الفرات على وجه التحديد، الأمر الذي يؤدي إلى تحوّل هذه المناطق إلى كيانٍ جديد محمّي من تركيا ويحوي الآلاف من مسلّحي الكتائب الإسلاميّة، وهذا الأمر إن تحقّق، فإنّ من شأنه وضع الأتراك في موقعٍ أقوى على طاولة المفاوضات السوريّة بعد أن أوشك الدور التركي على التراجع والاضمحلال.

ما فرضته وقائع المعركة ومشاركة المعارضة عسكرياً وسياسيّاً أفضى إلى دفع الأكراد للجوء والاحتكام إلى المفاضلات مجدداً بين سيئ ارتكب الفظائع والمجازر بحق شعبه، وبين أسوأ يطمح إلى ارتكاب فظائع موازية، لكنها في المقابل مفاضلة بين النظام الذي لا يهمّه التغيير الديموغرافي وإبادة الأكراد بقدر ما تهمّه مسألة البقاء على الحكم دون منازعة أو شراكة، وبين تركيا التي باتت تطمح إلى ارتكاب حملات إبادة جديدة تحت غطاء مكافحة الإرهاب المزعوم.

بين السيئ والأسوأ هذين لا يملك الكردي الكثير من الخيارات التي تنجيه من التهلكة التي تنتظره، فهذه المرّة، وفي عفرين تحديداً، فاق واقع العنف التركي والقصف المستمر للمدنيين واجتياح القرى كل إمكانية للتحمّل، هذا الأمر معطوفاً على لا مبالاة المجتمع الدولي، أودى بالوحدات للاستغاثة بالسيئ تخلّصاً من الأسوأ، وفي مطلق الأحوال ليس هذا تبريراً لما بلغته الوحدات من جنوح نحو دمشق إبعاداً لشبح أنقرة، بل هو قراءة لواقع تبدو فيه مسألة المقاومة المفتوحة إلى ما لا نهاية، بما تحمله من أكلاف مهولة، خياراً صفرياً أقرب إلى الشعر الملحميّ منه إلى المقاومة الواقعيّة.

والحال، ألا يحقّ للأكراد تدوير الزوايا والاستنجاد بعدو الأمس في حين أن هذا الأمر مسموح لتركيا التي أبدعت في هذا المضمار؟ فتراها الآن صديقةً لروسيا وأمريكا وإيران وجبهة النصرة وكل طرف يمكن أن تستخدمه في سبيل تقويض الوجود الكردي، ومن يدري، قد نرى التركيّ يسابق الجميع بالارتماء في أحضان النظام السوريّ!

Leave a Reply