الرئيسية رأي الشريط الكردي في سوريا: آخر خطوط حماية العمق العربي

الشريط الكردي في سوريا: آخر خطوط حماية العمق العربي

حمزة همكي
صحافي مقيم في قامشلو له العديد من التحقيقات والتقارير المنشورة في الصحف والمواقع المحلية.
مشاركة

لا جرم أن منطقة الشرق الإسلامي تنطوي على مشروعين سياسيين مصبوغين بالدين وبمذهبيه الرئيسيين، السني والشيعي، هذان المشروعان متناقضان جذرياً من حيث البنية الفكرية بالدرجة الأولى، وتسعى القوتان الإقليميتان، تركيا وإيران، بحكم أنهما حاملتين للفكرتين بحسب خطاب الدولتين المنطوق والمفهوم، إلى الاستحواذ على مقدرات المنطقة وزعامتها بالترويج على أساس عاطفي لكسب الحواضن الشعبية لغايات سياسية أولاً وآخراً.

ويبدو من خلال الخارطة الجيوسياسية، أن المشروع الإيراني أكثر حظوظاً من المشروع التركي الذي كان قبله مشروعاً سعودياً، والذي أثبت عدم قدرته على مواجهة الند الإيراني، فبرزت تركيا بعد ظهور رجب طيب أردوغان الذي وصف في الإعلام الغربي بـ «رجل تركيا القوي». نعم ازدادت حظوظ إيران في المنطقة بعد أن عملت الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 على معاقبة المشروع السني بإفساح المجال لطهران وإطلاق يدها، ولو بصورة محدودة، على حساب تحجيم الدور السعودي، مسقط رأس زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.

وبرؤية تركيا نفسها قادرة على استلام المهمة من السعودية في ندية المشروع الإيراني، بدأت رويداً رويداً ملامح دولة يمكن لها أن تجتاح العمق العربي من البوابة السورية ونظام الأسد الابن وسحب البساط من تحت أقدام ملالي طهران، لكن اندلاع الحرب في البلاد حطم السياسات التركية نحو سوريا، وبدأت سياسة التهجم على النظام القائم وكسب التيار الإسلامي السياسي في سوريا.

رغم ذلك، لم يتوقف الحلم التركي عند هذا الحد، وبالتزامن عملت تركيا على تخطي الجغرافيا وانشاء تحالفات استراتيجية مع دول عربية بخطى حثيثة، فدخلت الخليج العربي منتهزة الخلافات بين بعض دوله مع قطر إلى أن كسبت الأخيرة إلى جانبها.

وفي هذه الآونة تتعالى أصوات في أوساط ثقافية عربية لا تكاد يلقى لها أحد بالاً، تحذر من المشروع التركي على غرار المشروع الإيراني الذي بات يتحكم بمصير عدة دول عربية. تتخوف هذه الأوساط من أن تنهار المنظومة القومية العربية بنجاح المشروعين في المنطقة.

فاحتكار تركيا لقرار المعارضات السورية ـ الحلقة الأضعف عربياً ـ يشكل خطراً حقيقياً في المستقبل، و من جهة أخرى فإن قدرة تركيا على القفز فوق البوابة السورية والوصول إلى العمق العربي في الخليج، ومؤخراً السودان، ومسألة منحها جزيرة سواكن على الساحل الغربي للبحر الأحمر تلك الجزيرة التي تزخر بإرث عريق، والتي كانت من قبل تحت سيطرة الدولة العثمانية زمن السلطان سليم الأول، له دلالات تحاول تلك الأصوات إيصالها للشارع العربي.

ولكن كيف لأكراد سوريا أن يكونوا منقذين لما تبقى من المشروع العربي في المنطقة؟

كي تنجح تركيا في مشروعها السلطاني يجب أن تكون الجغرافيا مفتوحة أمامها وباب هذه الجغرافيا هو الشريط الحدودي مع سوريا والتي هي مناطق كردية، ولحظ تركيا العاثر، فإن هذا الباب باتت تسيطر عليه قوة كردية، وهي ما تعتبرها أنقرة عدوة استراتيجية.

وأمام الواقع العربي الضعيف والمعقد، أدركت الولايات المتحدة الأمريكية أن إيقاف المشروع التركي يجب أن يتم من خلال دعم هذه القوة وطرد أية قوة أخرى من الممكن أن تنجح تركيا في كسبها إلى جانبها وتفتح الباب أمامها في المستقبل، خاصة إذا كانت هذه القوة تنظيمات متطرفة يمكن لها أن تقض مضاجع الغرب في عقر داره مستقبلاً.

لعل بوسع هذا تفسير سبب بقاء الولايات المتحدة في المناطق الكردية في سوريا «إلى أجل غير مسمى»، وهو ما سيكون بالفعل لأن أمريكا ليست على استعداد لصرف مليارات الدولارات، ثم تخرج خالية الوفاض من المعادلة، لذا فإنها باقية في مناطق شرق الفرات لتوطيد الحكم الكردي فيها برعايتها، ليس لأن استراتيجية الولايات المتحدة حريصة على ما تبقى من المشروع القومي العربي المتهالك أساساً، بل لأنها حريصة على ألا تكون تركيا هي من تجهز على ما تبقى من ذلك المشروع وتتزعم الشرق الإسلامي.

تلك الأوساط الثقافية العربية تدرك وتشعر بخطر المشروع التركي القادم على القومية العربية، وهو ما قد يفسر وقوف الإعلامين المصري والإماراتي بالضد من عملية الجيش التركي على مناطق عفرين الكردية، شمال غربي البلاد.

من جهتها، تركيا أيضاً تدرك جيداً المرامي الأمريكية بهذا الصدد، لكنها لم تسطع أن تحرك ساكناً أمام الجبروت الأمريكي الذي هو من يضع الخطوط الحمر في المنطقة إن جدت القضايا. لذا فإن صرخات المسؤولين الأتراك لم تمل أو تكل خلال السنوات القليلة الماضية بخصوص التصرف الأمريكي حيال الشريط الكردي في سوريا، حتى بدا أن العلاقات بين الدولتين وصلت إلى أفق مسدود، وهو ما حصل بالفعل، فكيف يمكن لأمريكا إذاً أن تغضب حليفاً قوياً مثل تركيا وتضحي به من أجل شريط حدودي لا يقارن، ولا بأي شكل من الأشكال، مع تركيا من جميع النواحي؟

وتدرك الدول العربية أيضاً حقيقة المشروع التركي، لكنها تفضل النأي بالنفس في ظل وجود المارد الأمريكي. رغم ذلك لم تتمالك نفسها، ولو سياساً، أمام جدية تركيا في المضي بمشروعها والبدء بعملية عسكرية في عفرين، فأدانت جامعة الدول العربية هذا التدخل، الأمر الذي أثار سخرية المسؤولين الأتراك، وهو ما يشير إلى أن الدول العربية باتت في موقف لا تحسد عليه فعلاً وسط خلافات وتحالفات جانبية وتشتت في القدرات الدبلوماسية وضعف عسكري، وهي تدرك تماماً أن سقوط الشريط الحدودي الكردي في سوريا بيد تركيا أو قوة حليفة لها هي رصاصة الرحمة بالنسبة للقومية العربية.

Leave a Reply