مشاركة
همبرفان كوسه
صحفي كردي سوري، يكتب باللغتين الكرديّة والعربيّة، له مقالات وتحقيقات صحفية في عددٍ من المؤسسات الإعلامية الكرديّة والعربيّة.

بدأ الجيش التركي والفصائل الإسلامية التابعة لحكومة الائتلاف السوري المؤقتة بشن هجوم واسع على منطقة عفرين، إحدى الأقاليم الثلاثة في فيدرالية شمال سوريا، في 20 كانون الثاني/يناير من العام الحالي. وقصفت القوات التركية بالطائرات والمدافع أحياء في مدينة عفرين، إضافةً إلى قصف عنيف استهدفت قرى في ريف المدينة.

وأعلن المجلس الصحي في مقاطعة عفرين، عن مقتل 212 مدنياً وإصابة أكثر من 600 آخرين، سقطوا جراء الهجوم التركي والفصائل الإسلامية منذ 20 كانون الثاني/يناير الماضي. وأشار إلى أن حصيلة الضحايا قد تكون أكبر من ذلك، بسبب وجود عدد من المدنيين عالقين تحت الأنقاض في ريف المدينة، وذكر المجلس الصحي أن معظم الضحايا هم من الأطفال والنساء.

«لأننا علويون سيقتلون أطفالنا إن دخلوا إلى ماباتا، وسيسبون نسائنا. حتى بعد أنْ يقتلونا سيمثلون بجثثنا. نحن بالنسبة لهم كفار وغير مسلمين. لو دخلوا – إن بقي مدنيون أحياء – بكل تأكيد سيهجرون وتضيع أملاكهم ومنازلهم، ولا يمكن العودة إليها قبل أن يخرجوا. حتى الآن، هرب ثلثي سكان الناحية العلويون إلى المناطق المحيطة، ومن بقي لا ينام من قصف المدفعية والطائرات، ويمضيْ يومه في الخوف والرعب» يقول عبدو محمد، وهو من سكان ناحية ماباتا (معبطلي)، ومقيم فيها حتى اللحظة.

ويقوم محمد بتوثيق الدمار الذي لحق بالمنازل في القرية جراء قصف الطائرات التركية بعدسة موبايله. يقوم فيما بعد بإرسالها لأهله وأصدقائه في الخارج، ليتم تداولها على صفحات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العالمية.

المصير المجهول: العلويون في مواجهة التطرف الديني

من بين المشاهد التي وثقها محمد، كانت صورة لمنزل أحد أهالي الناحية تعرض للقصف قبل أسبوعين وقتل كل من كان بداخله. يرسل الصورة ويقول: «في هذا المنزل استشهد 7 أشخاص. بقيت العائلة داخل منزلها، ولم تستطع الخروج خوفاً من القصف، فرافقهم القصف إلى منزلهم».

ويتوجس الكرد العلويون من الفصائل الإسلامية التابعة لحكومة الائتلاف السوري المؤقتة، ومن الجيش التركي نفسه؛ إذ تردد تلك الفصائل خلال تسجيلاتها المصورة شعارات طائفية منها التي تصف الكرد بالملاحدة والمرتدين عن الدين.

بمثلها، نادت الجوامع في تركيا وجزء من سوريا إلى دعم العملية، ووصف أئمة المساجد ورجالات الدين المعركة بـ «فتح للمسلمين»، ويقصد بهم المسلمون السنة، ونشرت خلال الفترات الماضية فتاوى دينية تدعو للمشاركة في المعركة. كسب الجيش التركي بذلك المتطرفين من جنسيات أجنبية مختلفة، بصورة تشبه ما كان يفعله الذراع الإعلامي لتنظيم داعش، بحسب ما رصدت كاميرات وسائل الإعلام التركية استمارات لقبول الأفغان والأفارقة في المدن التركية للالتحاق بجبهات القتال في عفرين.

ويعلل إبراهيم إبراهيم، وهو إعلامي من ريف عفرين، ذلك بأن الفصائل التي تهاجم عفرين سلفية جهادية «تنتهج القتل والذبح بحق الآخر المختلف دينياً وطائفياً. زد على ذلك الاختلاف القومي»، ويذكر إبراهيم أن «هذه الفصائل، ومن بينها داعش، عملت على شن حرب إبادة جماعية بحق الأقليات الدينية المنتمين للقومية الكردية، فهي ذاتها من حاربت الإيزيديين في عفرين وغيرها. وشردت وقتلت ومارست الإجرام بحق الأقلية الدينية، لذلك تتخوف جميع الأقليات من مصير مشابه في عفرين، فيما لو تمكنت تلك الفصائل من احتلال قراها».

استهداف المزارات الدينية للعلويين

يبلغ عدد الكرد العلويون في منطقة عفرين حوالي 15 ألف نسمة، يقيم القسم الأكبر منهم في مركز ناحية ماباتا (معبطلي). وللمفارقة، فإن قسماً من سكان الناحية قدموا من المنطقة الكردية في تركيا، إبان المجازر العثمانية التي كانت تستهدف الكرد العلويون، ومنها مجزرة ديرسم التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين.

وتنتشر في منطقة عفرين عدد من المزارات المقدسة للكرد العلويين، ولا يزالون يقصدونها ويمارسون فيها الطقوس والشرائع الدينية. ومن أبرز تلك المزارات: ياغمور داده، أصلان داده، علي داده، مريم داده.

وقامت المدفعية التركية في 24 شباط/فبراير من العالم الحالي، بقصف مزار ياغمور داده في ناحية معبطلي الكردية العلوية بخمس قذائف دمرت أجزاء كبيرة منه. وتستمر في قصف الناحية رغم أنها لا تضم مقرات عسكرية لقوات سوريا الديمقراطية، وليست على خطوط الاشتباك.

وأظهر فيديو مصور على مواقع التواصل الاجتماعي مقاتلين من الفصائل الإسلامية، على قمة جبلٍ بريف مدينة عفرين وهم يغنون أنشودة تمجد حروب غروزني في الشيشان وتورا بورا في أفغانستان، والتي كانت من أبرز المعارك التي خاضها تنظيم القاعدة والفصائل الجهادية الأخرى في العالم.

يُخطَف العلوي مدنياً ويظهر أسيراً!

أظهرت صور على مواقع التواصل الاجتماعي مجموعة من مقاتلي الفصائل الإسلامية وهم يقومون بخطف امرأة كردية بريف مدينة عفرين ويقتادونها إلى جهةٍ مجهولة. ليتم فيما بعد تصويرها على أنها أسيرة وقعت بيدهم من وحدات حماية المرأة. وبعد التواصل مع أهالي ناحية ماباتا (معبطلي)، تبين أن المرأة هي فاطمة شعبنو، أم لأربعة أطفال، وكردية علوية، تم خطفها في ريف المدينة وتصويرها على أنها أسيرة وعسكرية، ما زاد من مخاوف العلويين.

ويؤكد إبراهيم أن المدنيين الذين تم اعتقالهم جرى تقديمهم كمقاتلين في وحدات حماية الشعب، وعملت على ذلك لتبرير الاعتقال. هذه السياسة تهدف لتخويف القرويين ليفروا من مناطقهم ويتخلوا عن منازلهم، ومن ثم توطين عناصر عربية محلهم. وهذا ما يشكل عملية إبادة جماعية وتغيير ديموغرافي لمنطقة عفرين.

وكان فصيل السلطان محمد الفاتح قد نشر الصورة، وقال إنها لمقاتلة في تنظيم (PYD) تم أسرها خلال تحرير قرية كوركان الكبير ضمن عملية ‹غصن الزيتون›.

يتألم محمد وهو يشاهد صور لامرأة من قريته وحولها مقاتلون من الفصائل الإسلامية، ويقول: «قبل أيام أيضاً وقع أحد أبناء القرية أسيراً بيد تلك الفصائل. تواصل وجهاء القرية مع بعض المصادر، وبعد عدة محاولات لمعرفة مصيره تبين أنه استشهد بالرغم من أنه مدني». ويتمنى أن لا يكون مصيرها مشابه لمصير الشاب.

الهروب من الموت… كالموت

ويضيف محمد: «أطفال ونساء البلدة العلوية خرجوا منها. قسم يتواجد بالقرب من معبر (زيارة)، القريب من بلدتي نبل والزهراء. الآخرون ينامون في سياراتهم في العراء، وأغلبهم من النساء والأطفال. وضعهم الإنساني في غاية السوء، لصعوبة تأمين الأكل والمستلزمات المعيشية وعدم توفر حليب للأطفال».

وكان معبر (زيارة) في عفرين قد تعرض لاستهداف من مدفعية الجيش التركي والفصائل الإسلامية التابعة له، أثناء مرور متضامنين مدنيين من أقاليم الإدارة الذاتية منه، قتل على إثرها شاب وجرح آخرون.

وعن صعوبات النزوح إلى حلب، قال عبدو محمد إن «قسم من المدنيين يدفعون مبالغ مالية كبيرة للوصول إلى بلدات نبل والزهراء. ثم يدفعون مبالغ إضافية للوصول إلى حلب. وأغلب هذه الطرق تتم بالتهريب، ويسلكها من يملكون المال. أما القسم الأخر فاتجه نحو مدينة عفرين، لكن هم أيضاً يلاقون صعوبة في تأمين أماكن للإقامة. خاصة ممن لا يملكون أقرباء فيها».

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد قال في 20 شباط/فبراير الماضي إن تركيا ستحاصر مدينة عفرين بالكامل، وتمنع دخول المساعدات الخارجية إليها، ما يهدد بكارثة إنسانية على المدنيين فيها، ويتطابق هذا التصريح مع شهادة عبدو محمد الذي يقر بسوء الأوضاع الإنسانية في النواحي التابعة لمدينة عفرين.

وأفاد تصريح لستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة لوكالات أنباء، أن أكثر من 126 ألف مدني نزحوا من عفرين، منذ انطلاق معركة ‹غصن الزيتون›، وأن أكثر من 300 ألف مدني مهددون بالنزوح. وأشار إلى أن أكثر من 60% من سكان عفرين يحتاجون إلى المساعدة.

يضيف إبراهيم على ذلك، أن «المدنيين بنسبة كبيرة لا يستطيعون الخروج من منازلهم بسبب القصف المستمر على القرى في عفرين، فقد لاقى العشرات منهم حتفهم نتيجة قصف مركباتهم، بل طال الموت حتى من حاول الفرار مشياً على الأقدام»، وينذر إبراهيم بمأساة وكارثة إنسانية جراء الحصار المفروض على المدينة والقرى الريفية.

وكانت الإدارة الذاتية في إقليم عفرين، قد افتتحت مركزاً لأبناء الأقلية العلوية في ناحية ماباتا (معبطلي). وبحسب القائمين عليه، فإن المركز يهدف إلى تنظيم شؤون المجتمع العلوي في عفرين فكرياً وثقافياً ودينياً، بموجب احترام كافة الديانات والطوائف. ويعتبر هذا المركز هو الأول في سوريا للكرد العلويين في تنظيم شؤونهم.

يشكل استهداف الأقليات في سوريا ممارسة واضحة المعالم لدى الفصائل الإسلامية، ويتم تنظيمها سياسياً ودينياً لتصير حالةً مستدامة، دون أن يتم حمايتهم بقوانين أو مواثيق دولية ومحلية. وهذا ما ينذر بإبادة جماعية على أساسٍ طائفي وعرقي في عفرين، خاصةً إن كانت تلك الطائفة الدينية أساساً جزءاً من أقلية قومية ثانية.

Leave a Reply