مشاركة
Avatar
صحفي كردي

«لا زلت أذكر المشهد جيداً كيف قامت ميلشيات الجيش الحر باقتحام المنازل وجمع الرجال وسط البلدة وقتلهم». يروي عمر نازو النازح من مدينة الباب قصة تهجيرهم على يد عناصر من الجيش الحر وفصائل إسلامية حليفة لهم منتصف عام 2013.

عمر نازو، 67 عاماً، ذكر لروك أونلاين أنه مع سيطرة ميليشيات الجيش الحر على منطقة الباب وريفها ومناطق تل عرن وتل حاصل، قامت أولاً بتصفية العوائل الكردية الموالية للأحزاب الكردية عبر اعتقال أو تصفية أفراد منها، أو منحهم مهلة ساعات لمغادرة المنطقة.

وتقع مدينة الباب ضمن ما يطلق عليها مناطق الشهباء وهي تمتد من جرابلس شرقاً، مروراً بمنبج والباب، وحتى جبل ليلو واعزاز غرباً، وصولاً لمنطقة جبل سمعان جنوباً.

الوجود الكردي في مناطق الشهباء

يقول الأكاديمي الكردي علي صالح ميراني إن الوجود الكردي في مناطق الشهباء قديم، مؤكداً أن «هذه المنطقة هي جزء من كردستان».

ورجّح ميراني في حديث لروك أونلاين أن «عدد الكرد في المنطقة يقارب حوالي 400 ألف نسمة، لكن عمليات التعريب طالتهم منذ القدم»، مضيفاً أن «هذه الحملات ارتفعت وتيرتها في عهد نظام البعث».

ويقول الكاتب علي مسلم، وهو ابن مدينة الباب، في كتابه «الكرد في منطقة الباب» إن الأنظمة السورية المتعاقبة على حكم البلاد، وآخرها نظام البعث، فرضت سلسلة من القرارات بهدف الصهر القومي للكرد وتعريب المنطقة وتهجير سكانها على غرار المناطق الكردية الأخرى.

ويضيف مسلم: «بعد استحواذ البعث السياسي على مقاليد الحكم في سوريا، عمد كما في باقي المناطق إلى تفضيل العنصر العربي على باقي المكونات من جهة تعيينهم في الوظائف وتبوء المناصب في دوائر ومؤسسات الدولة، وكان يتم استبعاد أبناء القومية الكردية بشكل خاص بحجة خطرهم على أمن الدولة وارتباطهم بجهات معادية، في صورة إجراء سياسي منهجي طويل الأمد، يحقق من خلال ذلك طمس ما يمكن من معالم خاصة لمجموعات قومية عريقة سكنت المنطقة منذ آلاف السنين وساهمت في بنائها والدفاع عنها، وتحقيق تجانس قومي عروبي زائف في الشمال السوري، وقد نجحت هذه السياسة العنصرية في بعض المواقع والمناطق الكردية، خصوصاً في مراكز المدن والتجمعات الكبيرة والمواقع القريبة منها، كما جرى في مدينة حلب، ومراكز مناطق الباب واعزاز» .

وبحسب بعض المصادر التاريخية، فإن تهجير الكرد في مناطق الشهباء يعود للعهد العثماني، فعشيرة الديدان على سبيل المثال كانت تضم أكثر من 36 قرية تحت حكم آل جنبلاط تم تهجيرهم مع عشائر أخرى مثل الهسكي، الدومللي، القره كجي، البرازي والكيتكان، من مناطق الشهباء إلى منطقة حارم وجبال الشوف في جبل لبنان، من بينها عائلة جنبلاط التي حكمت المنطقة حتى العام 1760.

التهجير القسري والمجازر في ظل المعارضة وداعش

سيطرت ميلشيات إسلامية من الجيش الحر، مثل حركة أحرار الشام وجبهة النصرة، على المنطقة في تموز 2012 بعد انسحاب النظام منها، وقامت بعمليات تطهير عرقي وتصفية المكون الكردي عبر عمليات الاعتقال وإخراج العائلات الكردية من المنطقة قسراً، بالإضافة إلى قتل العشرات من المدنيين بحجة التعامل مع الأحزاب الكردية، بحسب ما أفاد به أهالي من تلك المنطقة.

يقول غالب نور، من بلدة تل عرن ومقيم بأربيل حالياً مع عائلته: «أكبر مجزرة ارتكبت في بلدتي تل عرن وتل حاصل كانت في مطلع شهر آب/أغسطس 2013، حين اقتحمت فصائل المعارضة منازل الكرد واعتقلت المئات منهم، ونتج عنها استشهاد 50 مدنياً غالبهم نساء وأطفال واعتقال أكثر من 350 تم تصفية أغلبهم»، مضيفاً: «إنها حقبة سوداء مرت علينا وما لبثنا أن فتحنا أعيننا حتى رأينا واقعاً جديداً أمامنا».

ويلتقط نور أنفاسه مستذكراً أصوات المآذن التي كانت تنادي الكرد بالخروج من البلدة وإلا «سنقتلكم ونأخذ نسائكم»… «هذا ما هددونا به، نسائنا»! يقول نور مسترسلاً.

ونشرت وكالة هاوار في أكتوبر/ تشرين الأول عام 2013 مقطع فيديو يظهر ما قالت عنه إنها شهادات من أهالي تل عرن وتل حاصل عن المجازر التي طالت الكرد في المنطقة.

وليد نوح، من بلدة قباسين بريف الباب التي كانت يوماً من الأيام ذات غالبية كردية، والذي فقد شقيقه أثناء عمليات التطهير العرقي في البلدة، روى لروك أونلاين بالتفصيل عن عمليات تهجير الكرد من البلدة منذ سيطرة داعش عليها أواخر 2014، وقال: «منذ بدايات سيطرته، كان داعش يستفسر عن الكرد الذين كانوا يتعاملون مع لواء جبهة الأكراد والأحزاب الكردية وكان يقوم بتصفيتهم».

نوح وهو جالس على الرصيف أمام منزله في كوباني ويحمل مسبحته، بدت على وجهه ملامح الحزن، يتذكّر اليوم الذي فقد شقيقه فيه: «شن التنظيم حملة مروعة بتاريخ 13 يناير/ كانون الثاني 2016 على الكرد في البلدة، حيث قام بتهجير أغلب العوائل الكردية باستثناء العوائل الموالية، وقتل الشباب منهم، ومن بينهم أخي طلال نوح، إذ جمعوا الشباب في الساحة العامة بالبلدة وقاموا بتصفيتهم عدا عن إخفاء العشرات منهم».

وكان المجلس المحلي في مدينة الباب قد ناشد في أواخر 2015 المجتمع المدني والقوى الكردستانية للتدخل لوقف عمليات التهجير التي تطال الكرد في المدينة على يد تنظيم ‹داعش›.

والمجلس المحلي لمدينة الباب كان قد تشكل عام 2012 من جميع مكونات المدينة بهدف تقديم الخدمات بعد الفراغ الأمني الذي تبع انسحاب النظام من المنطقة، واضطر أعضاؤه إلى اللجوء لعفرين بعد سيطرة داعش عليها.

‹درع الفرات›… توطين التركمان وتحركات لداعش

بعد سيطرة فصائل ‹درع الفرات› التابعة لتركيا على أغلب مناطق الشهباء بدعم بري وجوي ومدفعي تركي، قامت بدورها بتهجير ما تبقى من الكرد وإسكان التركمان فيها، بحسب تقارير وشهود من المنطقة.

يؤكد ياسر كوكو وهو من منطقة الباب، أن التشكيلات التركمانية الحمصية التي خرجت مع عائلاتها من حمص في وقت سابق، أعيد تشكيلها تحت راية لواء السلطان مراد الذي يتخذ من قرية نعمان الكردية، شمال الباب، مقراً له بقيادة أبو وليد العزي، مضيفاً أن «هؤلاء المقاتلين استولوا على منازل الكرد بالتحديد، في حين أن القرى العربية لا يتم فيها توطين أي حمصي».

وذكر كوكو أسماء بعض القرى الكردية التي استولى عليها لواء سلطان مراد التركماني وهي: «نعمان، سوسنباط، تلبطال، كعيبة، شدود، قعركلبين، تلتانة، باروزة، دوير الهوى، شيخ جراح، البرج، عبلة، برشايا وتلجرجي، بالإضافة إلى هضبات مازجي».

وتحدث كوكو عن نشاط لعناصر من تنظيم داعش في المنطقة، مستطرداً بالقول: «لوحظ مؤخراً نشاط عناصر داعش، وهم معروفون من قبل الجميع بأنهم من العناصر الأمنية التابعة لداعش ومن طواقمه الطبية ومن شيوخ وخطباء مساجد داعش الذين بايعوا حينها الخلافة… كل هؤلاء أعيد تنظيمهم تحت اسم السلطان مراد من جديد».

مشيراً إلى أن معظم عناصر داعش الذين ينحدرون من بلدة السفيرة، غرب الباب، والذين كانوا يسيطرون على منبج والخفسة ودير حافر انتقلوا إلى القرى الكردية ويقومون بالاستيلاء على المنازل، مضيفاً: «الشرطة المدنية في مناطق درع الفرات لا دور لها في تنظيم الأوضاع وإعادة حقوق المواطنين، هم مجرد عناصر يلبسون لباساً أزرق دون أن يكون لهم تأثير على عناصر السلطان مراد الأمنيين الذين يتلقون أوامرهم مباشرة من القاعدة العسكرية التركية المقامة شمال قرية حزوان، وهي تمثل دور الحاكمية الفعلية لقوى الاحتلال العسكري التركي شمالي الباب وفي وسط القرى الكردية».

وتابع: «تحدث العديد من المواطنين معنا عبر وسائل التواصل، ومعظمهم أشخاص معروفون من قبلنا ومصدر ثقة بالنسبة إلينا، أن عسكريين من حمص والوعر ودواعش فارين من الرقة ومسكنة ودير حافر ودير الزور يتم استقدامهم إلى المنطقة، إضافة لعناصر من دير الزور ينحدرون من عشيرة الشعيطات ومعظمهم أميون فوضويون يقومون بالاعتداء على المدنيين»، لافتاً إلى أن «العديد من حالات الخطف والقتل وإلقاء الجثث على الطرقات وبين البساتين في القرى الكردية لوحظت في الفترة الأخيرة، إلا أن دوافع القتلة مجهولة لأن الجثث يتم العثور عليها مع ما تملكه من مال وأغراض شخصية، وهو ما أشاع حالة من الذعر وسط الكرد الباقيين في مناطق الشهباء وريف الباب واعزاز».

كوكو تحدث عن مشاريع تتريك المنطقة قائلاً: «المخابرات التركية شرعت مؤخراً بإحياء فكرة العشائرية وتنصيب عملاء ومرتزقة لها شيوخاً ووجهاء للعشائر ليصار إلى شراء ولاءاتهم واستخدامهم في مشاريع تتريك المنطقة التي بدأت مؤشراتها بالظهور بالفعل».

مردفاً بالقول: «لم تقم تركيا بافتتاح مدارس في القرى الكردية عقب احتلالها المنطقة، كما تم صرف المعلمين المتطوعين الذين تطوعوا لتدريس أطفال تلك القرى، إذ تذرعت المجالس التابعة لتركيا بأن المدرسين ليسوا مع الثورة، وأنهم مرتبطون بحزب الاتحاد الديمقراطي»، لافتاً إلى أن «أغلب مدارس القرى الكردية تم تدميرها بالقصف المدفعي أثناء المعارك الوهمية مع داعش بحجة طرده من المنطقة وتركز الدمار في معظمه في القرى الكردية الأمر الذي يثير التساؤلات حول تنسيق تركيا وداعش معاً لجهة طرد وتدمير البنى التحتية في القرى الكردية».

بدوره، وثق الصحفي الكردي مصطفى عبدي قيام ميلشيات ‹درع الفرات› بتهجير العشرات من العوائل الكردية من قرية النعمان وإسكان عوائل نازحة من بلدة داريا بريف دمشق فيها واعتقال أكثر من 20 مدني رفضوا إخلاء منازلهم وتم تصويرهم في مقطع فيديو على أنهم مسلحون تابعون للأحزاب الكردية. كما – وبحسب عبدي- تم إسكان 200 عائلة في قرى تابعة لبلدة السنباط. وسجلت حالات تهجير أخرى موثقة.

ومن أسماء العوائل التي تم تهجيرها من قرية النعمان: (عائلة محمود الجاسم، عائلة كميران الأحمد، عائلة شيرو الحمدك، عائلة عمر المحمود، عائلة حسين الجاسم، عائلة فريد الحمدك، عائلة أحمد الحمدك، عائلة محمد الحمدك، عائلة ماجد الحمدك، عائلة عثمان الأحمد، عائلة نوزت الأحمد، عائلة مدحت الحنش، عائلة ياسر الحنش، عائلة بغداد الأحمد، عائلة أحمد الأحمد، عائلة زكور الأحمد)، وفق ما وثقه الصحفي مصطفى عبدي.

وقال عبدي لروك أونلاين: «واجهنا الكثير من المصاعب عندما قمنا بتوثيق عمليات التهجير التي طالت الكرد في تلك المنطقة، فالمعلومات التي كانت تأتينا من هناك كانت ضئيلة جداً، كما كان الكثير من الناس يتحفظون في البداية على تزويدنا بالمعلومات خوفاً على حياة أفراد عائلاتهم ممن تم اختطافهم».

تهيئة إقليم تركماني إسلامي

كانت الناشطة سلام الغزال قد ذكرت في وقت سابق لروك أونلاين، أنه بمجرد سيطرة تركيا على جيب جرابلس – الباب – إعزاز، جلبت التركمان اللاجئين لديها من اللاذقية وحمص وأرياف دمشق وباقي المحافظات السورية وبدأت بإسكانهم في هذا الجيب، كما أنها منعت نازحي قرى الباب الكرد، وهي 40 قرية، بالإضافة لبلدتي الراعي وقباسين، من العودة لمناطقهم بعد تهجيرهم من قبل تنظيم داعش.

مضيفة أن «تركيا تعمل بشكل علني لجمع التركمان في هذه المناطق لإنشاء إقليم تركماني بنكهة إسلامية على حساب السكان الحقيقيين لهذه المناطق، والمشروعات السكانية التي يقودها الأتراك في المنطقة هي لتأمين السكن لهؤلاء التركمان».

ويتألف ‹درع الفرات› من العديد من الفصائل التابعة لتركيا، وهي فصائل ذات إيديولوجية إسلامية ويسيطر التركمان عليها بنسبة كبيرة، ومن أبرز القوى العسكرية التركمانية فيها: الحزب الإسلامي التركستاني وفرقة السلطان عبد الحميد وفرقة الحمزة وفرقة السلطان مراد، إضافة إلى العديد من الفصائل التركمانية الأخرى.

ويقول ماهر، من مدينة الباب ومقيم حالياً في كوباني، إن فصائل ‹درع الفرات› منعت منذ سيطرتها الكرد من العودة إلى قراهم ومناطقهم، مضيفاً: «خلال اتصالاتنا مع جيراننا العرب، فإن المنطقة حالياً بيد التركمان، إذ تقوم هذه الميلشيات بجمع التركمان في هذه المنطقة تمهيداً فيما يبدو لإعلان منطقة تركمانية إسلامية».

تتحسر ايسي جمعة (60 عاماً) على ذكريات طفولتها في بلدة الراعي شمال الباب، مردفة: «أتذكر جيداً كيف كان الزي الكردي والعادات الكردية هي الغالبة في المنطقة، لكن الصبغة الشعبية للمدينة بدأت تتغير رويداً رويداً حتى أصبحت الراعي حالياً خالية من الكرد».

وأضافت: «جميع معالم الراعي تغيرت، فالنظام كان يقوم بتعريبها، وتركيا قامت بتحويلها إلى مستوطنة تركمانية يحكمها مشايخ وأئمة مرتبطون بالأتراك… لقد فقدنا بلدتنا ولا أتوقع أن نستطيع العودة إليها مرة أخرى».

المخطط التركي يتجاوز مناطق الشهباء

ويؤكد الخبير بالشؤون التركية عادل ديلي، أن المخطط يتجاوز فقط إفراغ مناطق الشهباء من الكرد، مضيفاً: «تركيا بدأت بسري كانييه عبر زج العشرات من الكتائب العسكرية لمهاجمة المدينة عام 2013 لإفراغها من الكرد، كما حصل ذلك في تل أبيض وريفها، والتي تم إفراغها من الكرد من قبل الفصائل الإسلامية أولاً، وقام تنظيم داعش بإكمال المهمة، كما قامت تركيا بدفع داعش نحو كوباني وتدميرها وتهجير سكانها، والآن أتى دور عفرين وهي تقوم بالمهمة نفسها».

وتابع ديلي: «تركيا كانت تعلم جيداً أن الكرد سيستفيدون من الفراغ في سوريا لنيل حقوقهم، فقامت بمخططها بإفراغ كردستان سوريا من سكانها وهذا ما حققته نسبياً في مناطق الشهباء وكوباني وتل أبيض، والآن عفرين».

مناطق الشهباء هي نموذج لكردستان صغيرة، كل قصة تروى عن هذه المنطقة هي نموذج لمئات الآلاف من القصص التي حدثت في أغلب المناطق الكردية في سوريا، فالصورة الحالية للتركيبة الديمغرافية لمناطق الشهباء مختلفة كلياً عن تلك الصورة ما قبل الحرب السورية، يقول أهالي المنطقة.

Leave a Reply