مشاركة
همبرفان كوسه
صحفي كردي سوري، يكتب باللغتين الكرديّة والعربيّة، له مقالات وتحقيقات صحفية في عددٍ من المؤسسات الإعلامية الكرديّة والعربيّة.

يرى أطفال ونساء عفرين أنفسهم عالقين في قراهم بين جبالٍ وعرة تحت قصفٍ الطائرات والمدافع التركية، منذ اليوم الأول من معركة ‹غصن الزيتون›، والتي أطلقها الجيش التركي مع فصائل إسلامية تابعة لحكومة الائتلاف السوري المؤقتة. ولا يجد المدنيون هناك سبيلاً للخلاص من الموت، بعد أن حاصرت تركيا منطقة عفرين من ثلاث جهات، والرابعة تصل إلى مناطق النظام السوري في بلدتي نبل والزهراء، والتي لا يستطيع قسمٌ كبير من المدنيين أن يسلكها لأسباب جمة. ومن يستطيع تعيده نقاط التفتيش التابعة لميليشيات النظام إلى داخل الحدود الإدارية لمنطقة عفرين.

دفع الخوف من الفصائل الإسلامية المهاجمة على مدينة عفرين (م. ع)، من ترك عيادتها في مدينة عفرين، والتوجه مع أطفالها الصغار إلى بلدة نبل ومنها إلى مدينة حلب. دفعت أكثر من 1200 دولار أمريكي لتصل إلى مكان «لا تمر فوقه طائراتٌ تركية».

كانت (م. ع) قد اشترطت عدم الكشف عن اسمها للرد على الاستفسارات التي وجهتها لها. خوفاً على عائلتها من الأفرع الأمنية التابعة للنظام السوري، مثلما الخوف من مهربي البشر، الذين أوصلوهم من عفرين إلى حلب.

وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن آلاف المدنيين يهربون من القصف التركي على منطقة عفرين الكردية في شمال غربي سوريا. وأشار المرصد إلى أن قوات النظام السوري تمنع النازحين القادمين من عفرين من عبور نقاط التفتيش التابعة لجيش النظام السوري والميليشيات الشعبية الموالية له، للوصول إلى الأحياء التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب ضمن مدينة حلب.

بداية الرحلة: من عفرين إلى بلدة نبل

كانت نقطة تجمع مهربي النازحين إلى حلب أشبه بالسوق الشعبي. أسعار مختلفة وكل طريق لا يشبه الأخر. منها تقضيه مشياً على الأقدام، وآخر تمر على حواجز النظام وميليشياته دون أن يتم اعتراضك أو منعك من دخول مناطق نبل والزهراء، وفق ما بينت (م. ع).

وقضت (م. ع) مع أطفالها ساعات طويلة مشياً على الأقدام بين قرى مدينة عفرين القريبة من مناطق النظام في نبل والزهراء. كانت أصعب لحظات التهريب التي مرت بها في جبل الأحلام وكيمار وبرج القاص، حتى الوصول إلى نقاط ليتسنى لها أن تكمل طريقها بشاحنات صغيرة إلى نبل.

وأشار تصرح للأمم المتحدة إلى نزوح أكثر من 126 ألف نسمة عن عفرين، منذ بداية العملية التركية للسيطرة على المدينة، وأن أكثر من 300 ألف نسمة مهددون بالنزوح. وبين ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أن أكثر من 60% من أهالي عفرين هم بحاجة للمساعدات اللازمة.

تضيف (م. ع): «دخلت مع أطفالي شاحنة صغيرة تابعة لشركة خاصة، وحملت هوية شخصية مزورة كان المهرب قد أعدها لنا. لأن حواجز النظام تعيد كل من في هويته قيد عفرين أو إحدى قراها». وتشير إلى أنها دفعت مبلغ إضافي للمهربين لتصل إلى أحد أحياء مدينة حلب التي تقع تحت سيطرة وحدات حماية الشعب.

إلى ذلك، قامت قوات النظام السوري بنشر قوات من الحرس الجمهوري التابع لجيش النظام على الحدود الإدارية لبلدتي نبل والزهراء جنوب مدينة عفرين، لتمنع بذلك أي تقدم محتمل للقوات التركية والفصائل الإسلامية التابعة لحكومة الائتلاف السوري المؤقتة.

حواجز النظام هي طريق الخروج من عفرين

بعد رحلة طويلة استغرقت نحو خمسة أيام، وصلت (م. ع) إلى حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، واستطاعت أن تخلص أطفالها من جحيم الطائرات التركية وقصف المدفعية. حسبما تروي هي بصوتها الذي لا زال يضج بالقلق.

تروي (م. ع) مأساتها: «وصلنا إلى حاجز لميليشيات تابعة للنظام السوري. ترجل المهرب الذي كان يجلس في الكرسي الأمامي للسيارة. سلم على عناصر الحاجز، ودفع لهم مبلغاً من المال، لنستطيع المرور دون تفتيش» وسمعت حين قال العنصر للمهرب: «زيد الرزقة بالمرة الجاية».

يتقاسم المهربون مع حواجز ميليشيات النظام السوري الأموال التي يتلقونها لدخول المدنيين إلى نبل ومن ثم حلب. القسم الأكبر من هذه المبالغ تذهب لضباط من النظام السوري المشرفين على الحواجز الأمنية.

عدد من العوائل القادمة من مدينة عفرين إلى مداخل بلدة نبل القريبة من مدينة عفرين، يتم منعهم من الدخول والمرور على نقاط التفتيش، ومن يتم السماح لهم بالدخول هم من يتفقون مع المهربين ويدفعون مبالغ مالية ضخمة لعناصر النظام السوري.

معبر زيارة.. مخيمٌ في العراء تحت القصف!

تعرض موكب لمدنيين متضامنين قدموا من إقليمي الجزيرة والفرات لاستهداف من المدفعية التركية في معبر قرية زيارة، قتل على إثرها شاب وجرح آخرون. وتستمر الطائرات التركية بالتحلق فوق المعبر، وقامت باستهدافه أكثر من مرة.

يفكر (أ. ش) باستئجار منزل في القرية بعد أن وصل إليها قادماً من قريته بريف مدينة عفرين. مر بمناطق اشتباك خطرة جداً، وبعد أن وصل إلى جبل الأحلام، سلك طريقاً جبلياً يوصله إلى معبر زيارة، ليقضي يومه الأول مع زوجته المسنة داخل سيارته بالقرب من الحاجز.

يروي (أ. ش) قصته: «رفضت كثيراً الخروج من القرية. لي فيها كل ما أملك، فيها منزلي وذكرياتي وأشجار الزيتون. لكن عندما بدأ القصف على القرى المحيطة، رضخت لرغبة أبنائي بالخروج، وخوفاً على زوجتي المسنة. وصلت في البداية إلى عفرين، وقضيت عدة أيام في منزل لأقرباء لنا هناك، حتى طلب مني أبنائي أن أذهب إلى حلب، لأنني أملك منزلاً هناك. فغادرت عفرين أيضاً».

ودخلت أول قافلة مساعدات إنسانية لـ اللجنة الدولية للصليب الأحمر إلى مدينة عفرين في 1 أذار/مارس من الشهر الجاري. القوافل التي عبرت من قرية زيارة قادمةً من بلدتي نبل والزهراء، ضمت 29 شاحنة من الأغذية والأدوية ومستلزمات غيرها. وكانت عدة قذائف مدفعية أطلقها الجيش التركي قد سقطت بالقرب منها، وطالب الهلال الأحمر السوري الحصول على ضمانات دولية لإيصال المساعدات إلى مدينة عفرين وريفها.

يضيف (أ. ش) على ذلك: «تواصلت مع عدد من المهربين الذين طلبوا مني مبلغ 2500 دولار أمريكي لي ولزوجتي لنصل إلى حلب. رفضت المبلغ، وسلكت الطريق بمفردي حتى وصلت إلى معبر زيارة بعد يومين من المعاناة بين الجبال والطرق الخطرة. الآن أفكر في البقاء في قرية زيارة، باعتبارها بعيدة عن خطوط الاشتباك ومدينة عفرين».

ونزح عشرات الآلاف من المدنيين إلى مركز مدينة عفرين قادمين من القرى الحدودية التي دخلها الجيش التركي والفصائل الإسلامية السورية المرافقة له. قسمٌ من النازحين لجأ إلى معبر قرية زيارة التابع لناحية شيراوا، لكن حواجز النظام تستمر في منعهم من تجاوز نقاط التفتيش التابعة له، ما دفعهم للنوم في العراء وداخل سياراتهم بالقرب من الحاجز وضمن الأراضي الزراعية التابعة للقرية.

وأظهرت مشاهد فيديو مصورة مقاتلين من الفصائل الإسلامية وهم يتوعدون الكرد ويصفونهم بـ «الملاحدة» والكفار. ومشاهد غيرها للقتل الميداني لفلاحين كرد، وسرقة منازل المدنيين في القرى التي دخلوها، ما زاد من مخاوف المدنيين؛ فنزحوا إلى مركز مدينة عفرين ومنها إلى مناطق النظام للخلاص من الموت.

واتهم مسؤول مكتب علاقات قوات سوريا الديمقراطية ريدور خليل، الجيش التركي بتوطين عوائل تركمانية وعربية في قرى عفرين. وأشار إلى عملية تغيير ديموغرافي ضخمة في منطقة عفرين، وأضاف خليل لوسائل إعلام محلية أن الجيش التركي هجر أهالي القرى التي احتلتها ودمرت منازلهم، وتقوم الآن بتوزيع ممتلكاتهم على المستوطنين الجدد.

وكانت صفحات موالية لعملية ‹غصن الزيتون› قد دعت مدنيي الرقة وغيرها من المناطق للقدوم إلى عفرين واستلام منازل القرويين الفارين من المعارك، كما أظهرت مشاهد مصورة تدعو لذلك.

لا يجد نازحو عفرين الهاربين من قصف الطائرات التركية والفصائل الإسلامية التابعة لها أمامهم سوى حواجز للنظام السوري تمنعهم من مغادرة المنطقة للوصول إلى مناطق أكثر أماناً، فيلجأ بعضهم إلى طرق التهريب التي يدفعون لها أموالاً كبيرة لا يستطيع المدني الذي لا يملك المال أن يسلكها. وفي الوقت ذاته، يتهم المدنيون النظام السوري وروسيا بالتواطؤ مع الجيش التركي والمعارضة لتهجير واحتلال عفرين وتغيير الديموغرافية السكانية لها.

Leave a Reply