مشاركة
آريا حاجي
من مواليد ديريك، تحمل إجازة في علم الحياة ،عملت سابقاً معدة ومقدمة برامج في إذاعة هيفي إف إم، كما عملت سابقاً مراسلة لوكالة قاسيون للأنباء.

يقف فلاح وينظر إلى أرضه الزراعية بحسرة دون أن يتجرأ على الاقتراب منها لزراعتها. يضطر راعٍ أن يرعى قطيع غنمه ضمن مساحة محددة خوفاً من أن تصيبهم طلقات بندقية. يلتقط أحدهم صورة له داخل قريته وفي قلبه خوف من أن يصاب برصاصة قناص.

تلك مشاهد تتكرر بشكل يومي في قرى الجزيرة الواقعة على الحدود مع تركيا.

بالرغم من أن منطقة الجزيرة تعتبر من المناطق الآمنة في ظل الحرب القائمة في سوريا، إلا أن معظم القرى الواقعة على الخط الحدودي مع تركيا تعيش حالة قلق وخوف دائمين بسبب اعتداءات الجيش التركي بشكل متكرر لكل من يمر بتلك المنطقة.

وكانت قد سجلت انتهاكات عديدة للجيش التركي في معظم القرى الحدودية التابعة لمدينة ديرك والتي أدت إلى حالة من عدم الاستقرار وعدم الشعور بالأمان لدى أهالي هذه القرى، خصوصاً أن حالات كثيرة من الإصابات والقتل قد حدثت فعلاً في تلك المناطق، وحتى الدواب لم يسلموا من رصاصات الجيش التركي.

عين ديوار  باتت خطراً حتى على ساكنيها

قرية عين ديوار المعروفة لكل أهل المنطقة أنها وجهة سياحية، بأرضها الخصبة التي جعلتها مصدراً لمختلف المنتجات الزراعية، منها الخضار التي كان يصل إنتاجها إلى حلب وإقليم كردستان، تعيش منذ ما يقارب السنتين حالة غير مستقرة بسبب انتهاكات الجيش التركي وإطلاقهم الرصاص على كل من يقترب من الخط الحدودي.

فقد أهالي عين ديوار أكثر من ألف هكتار من الأراضي الزراعية الخاصة بهم نتيجة استهداف الجيش التركي لهم حين اقترابهم منها. يقف حسين سعيد ويوجه يده الى الحدود بحسرة قائلاً: «أملك عشرة هكتارات خلف الخط المائي الذي قاموا بإنشائه وقد حرمت منهم، في إحدى المرات بقيت في أرضي مختبئاً خلف حجر كبير لمدة خمس ساعات نتيجة إطلاق النار علينا من قبل الجيش التركي ونجوت بصعوبة إلى أن وصلت لمنزلي».

يضيف سعيد أن الجيش التركي أضرم النار في الأراضي الزراعية الصيف الماضي واستهدف كل من حاول الاقتراب لإخماد النار، كما كان شاهداً على إصابة شاب أتى من قرية أخرى لرش المبيدات الحشرية على أراضي القرية وقاموا بإسعافه نتيجة إصابته بالساق.

كان الجيش التركي قد بنى جداراً على طول الخط الحدودي بدءاً من ديرك وحتى مدينة كوباني، وقد أوضح حسين حجي حسن أحد المزارعين من القرية أنه اعتباراً من الجدار وعلى بعد 200 متر هو «خط أحمر» يمنع على القرويين الاقتراب منه، ومن تقع أرضه ضمن هذه المسافة فقد خسرها.

بعد أن فقد أهالي قرية عين ديوار كل هذه المساحة من الأراضي الزراعية، لم يبق أمامهم خيار سوى أن يقوموا باستئجار أو شراء الأراضي في قرى أخرى من المدينة، إذ بدأوا بالزراعة في كل من قرى (جم شرف، زهيرية، مزرة وخانكي)، وهو ما أكده عبد الرحمن حجي قاسم أيضاً.

وأضاف حجي قاسم أن اعتداءات الجيش التركي قد أثرت سلباً على اليد العاملة، مؤكداً أنه قبل بدء هذه الاعتداءات كان يعمل يومياً أكثر من مئة عامل في أراضي عين ديوار، «الآن لا أحد يجرؤ على ذلك».

الجسر الروماني: الوجهة السياحية باتت في الأراضي التركية

رغم النداءات المتكررة لإنقاذ أهم معالم المنطقة من الضم للأراضي التركية، إلا أنه ومنذ ما يقارب السنة قامت الدولة التركية بتغيير مجرى نهر دجلة ما أدى الى اقتطاع جزء من أراضي المنطقة وضمها إلى تركيا، وكان من ضمن هذه الأراضي الجسر الروماني الذي كان يعتبر وجهة سياحية، ويعود تاريخ بناءه عام 1164 ميلادي.

وعن ذلك قال مدير المقصف السياحي في القرية إن «القرية كان وجهة سياحية سورية، ومنتزهاً لأهالي المدن والبلدات كافةً. وكان يعج بالناس. لكن أكثر من مرةً حين كان الناس يتجمعون، كانت الطائرات التركية تحوم فوقهم لمعرفة أسباب التجمع. فقل الناس يوماً بعد يوماً، خوفاً من استهداف الطائرات التركية لهم».

وكان الجيش التركي قد فرض إجراءات وقيود عسكرية على المنطقة، ولا تسمح لأحد بالاقتراب حتى لو كان بقصد التنزه، إذ تقوم باستهداف كل من يحاول الاقتراب من الأراضي، وحتى المنتجع، فقل عمل المنتجع بشكلٍ كبير، وتوقفت السياحة في المنطقة، خاصة من ازدياد حالات استهداف المدنيين.

شهادات حية ممن أصيبوا بطلقات الجيش التركي

الساعة الثانية ظهراً، غادر خورشيد عزم منزله للعمل في حرث الأراضي الزراعية في قرية عين ديوار. أثناء حرث الأرض، تقدم نحو الأسلاك الحدودية لإنهاء الحراثة والعودة إلى منزله، فاستهدفه الجيش التركي برصاص قناص، أسعف على إثرها إلى مشفى المدينة.

كان خورشيد عزم على وشك أن يفقد حياته لولا أن الجرار تحرك في الوقت المناسب فتلقى إصابة في الانف وخضع لعمل جراحي على إثر الإصابة.

قرية (حاجي مطري) أيضاً نالت نصيبها من تلك الاعتداءات، كما أوضح محمد سعيد أحد أهالي القرية أنه حين بدأت تركيا ببناء الجدار، أطلق الجيش التركي النار على قطيع أغنامه وقتل ستة منهم على الرغم من أنهم كانوا على بعد كيلو متر من الحدود، لكنهم منعوهم حتى من أخذ تلك الأغنام وذبحها، كما أنهم قاموا بتهديد أهالي القرية أن من يقترب من الجدار لزراعة أرضه سيكون هدفاً لرصاصاتهم.

هذا أيضاً ما أكده معتصم سيد أحمد الذي خسر أكثر من خمسة دونمات من أرضه القريبة من الحدود، كما تحدث عن خسارة إحدى العائلات لخمسة رؤوس من الأغنام نتيجة إطلاق النار عليهم على الحدود.

تقارير لمنظمات دولية وثقت انتهاكات الجيش التركي

وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقريرها السنوي الخاص بالوضع في سوريا لعام 2018، حالات إطلاق الرصاص الحي من قبل قوات الجيش التركي على المدنيين ممن أرادوا العبور إلى تركيا بطريقة غير شرعية، وأكد التقرير على سعي تركيا لكبح جماح التدفق الجماعي للاجئين السوريين عبر إنشاء عوائق غير شرعية إدارية وقانونية، إضافة إلى العوائق المادية.

و أشار التقرير إلى وجود تقارير إضافية عن إطلاق حرس الحدود التركي النار على السورين خلال محاولتهم دخول تركيا، منها حالة استهداف طفل عمره 3 سنوات في سبتمبر/أيلول عام 2017.

و كانت المنظمة قد أصدرت تقريراً حول انتهاكات الجيش التركي بحق اللاجئين السوريين، أفادت من خلاله أن تركيا تمنع دخول المئات من المدنيين إلى أراضيها كما أنها تقوم بطردهم إلى الداخل السوري.

و بين غيري سيمبسون، مساعد برنامج حقوق اللاجئين في منظمة هيومن رايتس ووتش، أن «الجنود الأتراك يملؤون الفراغ على الحدود التركية ويستهدفون مئات السوريين على الحدود، ويطلقون النار عليهم. وأن الجنود الأتراك قتلوا 9 أشخاص حاولوا الدخول إلى تركيا»، وطالب سيمبسون الاتحاد الأوربي بعدم غض البصر عن الانتهاكات بحق اللاجئين والضغط على تركيا لفتح حدودها أمامهم.

Leave a Reply