مشاركة

تحقيق : آلان حسن – جاندي خالدي

«مشروع Nûdem كان حلماً بالنسبة لي منذ أن درست الإعلام، كان صعب التحقيق في ظل نظام أمنيّ ودكتاتوريّ كالنظام السوريّ. عملنا جميعاً بشكلٍ طوعيّ، لكن للأسف توقف المشروع لأسبابٍ عدّة، منها غياب الدعم الماديّ».

بهذه الكلمات يسرد الصحفي مسعود حامد قصة مشروع Nûdem غير المكتمل، وهي أول صحيفة مستقلّة في مناطق الإدارة الذاتيّة، بدأت العمل في مطلع العام 2013 وتوقفت عن الصدور بعيد سنويتها الأولى، لتصبح تجربة ماثلة للاحقاتها من وسائل إعلام محليّة اختارت العمل باستقلاليّة.

قلّة الدعم تعني عدم المهنيّة

شكّل العامل الماديّ السبب الرئيسي لوأد عدد من المشاريع الإعلاميّة في المنطقة، ومنها صحيفة Nûdem التي يقول مديرها العام مسعود حامد أنّه رفض محاولات عديدة لشرائها حفاظاً على استقلاليتها، ويضيف: «رفضت الدعم من أية جهة خارجيّة، وفضّلت الدعم الكرديّ، لكن -للأسف- كانت لديهم صراعاتهم الحزبيّة».

ويوافقه الرأي الصحفي فريد إدوار، وهو الرئيس السابق لهيئة تحرير مؤسسة Bûyer، الذي يضيف: «ما تسمى وسائل الإعلام الخاصّة تتلقّى دعماً من تحت الطاولة لعدم فتح ملفات تناهض سياسات تلك الجهات».

تأسّست صحيفة Bûyer عام 2014، وأطلقت إذاعة محليّة عام 2017، وتمّ اللقاء بإدوار لهذا التحقيق حين كان قائماً على رأس عمله في المؤسّسة.

وعن تأثير المادة على مهنيّة العمل، يرى إدوار أنّه مؤثر بالفعل: «فالصحفي بحاجة لعمل ومرتّب جيد كي يعيش، لكن على حساب جزء من مهنيّته، والتي قد يتنازل عن بعض منها ليكسب عملاً مؤقتاً، لحين الحصول على عملٍ أفضل في وسيلة إعلاميّة أخرى».

تعمل بعض الإذاعات المحليّة بما يشبه العمل الفصليّ، في فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر في بعض الأحيان، وتتوقف عن البثّ لفترة مقاربة، بسبب وقف الدعم الماديّ، وما تلبث أن تعود بعد ذلك لسيرتها الأولى.

يرى خوشمان قادو، المدير التنفيذي لإذاعة VON، أنّ التمويل يؤثر على كميّة الإنتاج «فوجود الدعم الماديّ يعني قوة في التقنيات، وإمكانيّة تدريب أفضل للكوادر، ورواتب جيدة».

وVON هي إذاعة محلية تأسّست عام 2017، وتبثّ برامج إذاعيّة ومرئيّة عبر شبكة الإنترنت.

يضيف قادو: «حالة عدم وجود الدعم الماديّ تؤدي إلى عدم التخصّص، لو كان هناك دعم كنّا خصّصنا في الإذاعة موظفين ليشغلوا كافة الأقسام».

أما دلشاد عبدو، وهو المدير التنفيذيّ السابق لإذاعة WELAT FM والذي التقيناه حين كان قائماً على رأس عمله، فيقول إنّ المهنيّة لا تصبح ضعيفة في حالة غياب الدعم الماديّ «فأيّ وسيلة إعلاميّة ضعيفة ماديّاً تستطيع الحفاظ على قدرٍ من المهنيّة، حتى ولو عملت بوسائل بسيطة».

وتأسّست WELAT FM عام 2014 في مدينة قامشلو.

تخوّف من طرح المواضيع الإشكاليّة:

تركّز معظم وسائل الإعلام المحليّة الكرديّة، بما فيها الإذاعات، على المواضيع الخدميّة بعد استلام الإدارة الذاتيّة لمعظم مفاصلها منذ إعلانها في 2014. وتكون هذه الإشكاليّات الخدميّة إنتاجاً وافراً ومهيأً لأغلبها، وهي مواضيع من داخل الصندوق، على عكس الإشكاليّات السياسيّة التي يتخوّف الأغلبيّة من طرحها.

الصحفي فريد إدوار يعتقد أنّ المجتمع غير مهيّأ لاستقبال القضايا الإشكاليّة، فهو «مجتمع عشائريّ لا يقبل التطرّق لقضاياه على وسائل الإعلام»، ويضيف أنّ هناك صحفيّين قادرين على طرح قضايا إشكاليّة، لكن لا يوجد تعاون من موظفين يكشفون لهم عن ملفاتٍ مهمّة، معتبراً أنّه «لا يوجد لدينا إعلام بنّاء؛ بل إعلام فتنة».

ويرى محمد حسن (صفقان) المدير التنفيذيّ لإذاعة ARTA FM في عامودا أنّ «المواضيع الخدميّة يتمّ طرحها بشكل جيد، لكن هناك كسل وعدم مهنيّة»، كما أنّه يتحفّظ على الأساليب المرنة التي يتمّ فيها طرح هذه الإشكاليّات مع السلطة الموجودة في أغلب الإذاعات المرتبطة بشكلٍ أو بآخر مع الإدارة الذاتيّة، ويقول: «في ARTA نركّز على الأمور الخدميّة أكثر من الإشكاليات السياسيّة، وخاصة بعد أحداث حريق الإذاعة».

وكان مركز إذاعة ARTA FM في عامودا قد تعرّض لحريق في نيسان من عام 2016، وتمّ تهديد صفقان والاعتداء عليه من قبل مجموعة أعلنت أسايش الإدارة الذاتية فيما بعد أنّها ألقت القبض عليهم، وأنّهم حوكموا على ذلك، لكن دون إعلان أسمائهم أو انتماءاتهم.

فيما لا يخفي دلشاد عبدو صعوبة طرح الإشكاليات السياسية في المجتمع ويقول: «لا نستطيع القول إنّ هناك حرية إعلام تامّة في المنطقة الكرديّة، لذا من الصعب على أيّ وسيلة إعلاميّة محليّة طرح كافّة الإشكاليّات حتى النهاية دون أن تتعرض لمشاكل».

الأمر الذي يجعل كلال كاساني، مدير تحرير القسم الكرديّ في إذاعة FM One يطالب بحصانة الصحفيين، ويقول: «نحن لا نعيش في دولة القانون في الوقت الحالي، نحن وسيلة إعلامية مستقلة، ونمارس عملنا بحياديّة وتوازن في الأمور الخدمية والسياسية، قدر الإمكان».

غياب الصحافة الاستقصائيّة

تغيب التحقيقات الاستقصائيّة عن جميع وسائل الإعلام المحليّة الكرديّة، وتكاد تنحصر بعددٍ قليلٍ جداً من الصحفيين المستقلين في المنطقة.

ويعتقد صفقان أنّ التحقيقات الاستقصائيّة تحتاج إلى كادر مدرّب ومتخصّص، وأنّهم توقفوا عن العمل بها في إذاعة ARTA FM بعد حادثة الحريق.

بينما يرجع الصحفي فريد إدوار غيابها لعدم وجود المتخصّصين، بالإضافة للخوف من فتح ملفات تؤذي الحكومات أو الإدارات، ويضيف: «لم أر أي تحقيق استقصائي يفتح ملفات ساخنة، رغم عدم وجود اعتداء على أحد، لكن هناك خوفٌ من المجهول».

وترتبط الصحافة الاستقصائيّة بهامش الحريات الصحفيّة في المنطقة التي يرى خوشمان قادو أنّها جيدة، لكنه يعقب: «لا توجد جرأة كافية لدى أغلب الوسائل الإعلاميّة بسبب وجود هاجس وخوف لدى الكثيرين من طرحها».

ويؤكّد أكرم بركات، الرئيس المشارك لاتّحاد الإعلام الحر، أنّه «يوجد تقرير سنويّ عن الانتهاكات بحقّ الصحفيين، وكذلك تقرير لتقييم الوضع العام للإعلام في روجآفا وشمال سوريا ومستواه، والصعوبات، وضرورات تطوير العمل الصحفيّ».

واتحاد الإعلام الحر الذي تأسّس عام 2013 هو «مؤسسة لحماية حقوق الصحفيين، ومراقبة الانتهاكات بحقّهم، سواء من مؤسّساتهم الإعلاميّة، أو من الإدارة الحاكمة، أو من القوى العسكريّة الموجودة، وتسهيل عملهم»، بحسب بركات.

ورفض الرئيس المشارك للمجلس الأعلى للإعلام في مقاطعة الجزيرة (أعلى سلطة إعلاميّة في الإدارة الذاتيّة) الإجابة على تساؤلات تخصّ التحقيق.

اللامأسسة

تسعى المشاريع الإعلاميّة في المنطقة الكرديّة لإرساء اللبنة الأساسيّة لها، لكنّها فشلت في بناء مؤسّسات إعلاميّة حقيقيّة، رغم أنّها تتجه إليها، أو تتشبّه بها على أقل تقدير.

يقول خوشمان قادو: «لو كان لدينا مأسسة لأخذت جميع أنواع وأقسام الصحافة مكانها في هذه المؤسسات من جهة، وأثّرت على المجتمع من جهة أخرى، مما كان سيقود الإعلام إلى أن يؤدّي رسالته».

وتعاني غالبيّة الإذاعات المحليّة التي تكون إداراتها في الخارج من تخبّط في عملها المؤسساتي، خاصةً إن كان هناك تفرّد في القرارات المتخذة.

وتقتصر أدوار المشرفين أو نواب المدراء العامين لهذه الوسائل على التنسيق بين الموظفين والمدير العام، دون منحهم أيّ صلاحيات في التوظيف أو رسم السياسة التحريريّة أو التصرّف بموارد الوسيلة.

ويفرّق صفقان بين نوعين من الإدارات؛ إدارة تريد كسب المال وحسب، وأخرى تطوّر من مؤسستها وتزيد العمل والانتاج.

بينما يلخص دلشاد خالد سلبيات وجود الإدارة العامّة في الخارج بكونها لا تستطيع متابعة العمل اليوميّ بشكل تامّ، وإيجابياتها بأنّها (أي الإدارة) تكون على تواصل مع الجهات المانحة، وتؤمّن الدعم والعلاقات، ويضيف: «نحن نهتم بالشكل والأمور التنظيميّة أكثر من الإنتاج، وحالياً يجب التركيز على الإنتاج».

غياب التأثير

يصبح من المسلّم به بعد غياب الدعم المادّي والبناء المؤسّساتي للتجارب الإعلاميّة المحليّة الموجودة في مناطق الإدارة الذاتيّة وقلّة المتخصّصين أن تكون غير مؤثّرة؛ ما يفقدها أهمّ هدف من أهداف الإعلام.

يذهب الصحفي فريد إدوار أبعد من ذلك فيقول: «أعتقد أنّه يوجد تأثير، لكنه سلبيّ على المجتمع في حالة الإعلام الحزبيّ»، وعن الإعلام الخاصّ أو المستقل يؤكّد إدوار: «لا أرى إعلاماً خاصّاً ومستقلاً، فالدعم الماديّ هو الذي يوجّه السياسة الإعلاميّة».

برامج الإذاعات المحليّة تكون أحياناً نسخة طبق الأصل، فهي تقدّم برنامجاً صباحيّاً ذو محتوى متشابه، فيه نفس الأبراج، والأخبار الطبيّة، والمنوعة، بالإضافة لبرنامج فنيّ يقدمه فنان ذو شعبيّة؛ فيصبح البرنامج متابعاً من خلاله.

يتابع إدوار: «لا توجد منافسة بين وسائل الإعلام المحليّة، كون المحتوى الإعلاميّ غير موجود… لعلّهم يتنافسون بأخذ كوادر أو فكرة برامج الوسيلة الإعلاميّة الأخرى».

ويدعو صفقان إلى أهمية وجود التنافس، ويعتقد أنّهم يسعون لخلقها بين الإذاعات الأخرى كي «تخفّف الضغط والتركيز» على ARTA FM، معتبراً أنّه لا توجد منافسة إلا في البرامج الترفيهيّة.

ويؤكّد صفقان أنّ «الظروف التي نعيشها والمؤهلات المحدودة فيها لا تجعل من أي وسيلة إعلاميّة في كل الشرق الأوسط تستطيع تكوين رأيٍ عام في المجتمع».

فشلت وسائل الإعلام المحليّة الكرديّة أن تصبح مصدراً لوسائل الإعلام العربيّة والدوليّة على الرغم من الأحداث المكثّفة التي تمرّ بها المنطقة، ويعزو خوشمان قادو سبب ذلك إلى «الاصطفافات، فالمنطقة طالما هي كرديّة لن يتمّ الاعتماد عليها كمصدر للأخبار، نحن أيضاً نعمل الشيء ذاته فنعتمد على بعض المواقع ولا نعتمد على الأخرى، حسب ما تمليه علينا سياسة تحريرنا».

ويضيف: «بالنسبة لنا، الجمهور العربيّ في الخارج يتابع برامجنا أكثر من العربيّ في الداخل».

لا مؤسّسات حقيقية

يتندّر مسعود حامد على الواقع الإعلاميّ القائم في مناطق الإدارة الذاتيّة، ويقول إنّه «مثير للشفقة»، مضيفاً أن «الساحة الإعلاميّة الآن هي في حال يرثى لها، طبعاً أستثني بعض الزملاء الذين لهم أقلام محترمة؛ وهم يعانون أيضاً من الصعوبات».

الإذاعات المحليّة الكرديّة متخبطة في سياسات التحرير وأغلبها تعمل دون رسالة واضحة، ويرجع فريد إدوار سبب ذلك إلى «عدم وجود الخبرة اللازمة للاستفادة منها لتمرير أهداف وإيديولوجيا معينة، كما أنّ المصطلحات تتغير من يوم إلى آخر»، ويضيف: «هذا سببه خلل عند رؤساء ومدراء التحرير».

يشكّل هاجس البقاء سبباً لمشاكل عديدة تتعلق بالعمل النوعيّ لأية وسيلة إعلاميّة، وأصبح هذا سبباً كي تطلق عدد من وسائل الإعلام المحليّة الكرديّة على نفسها اسم «مؤسّسة»، وهي في حقيقة الأمر لا تملك سوى موقعاً إلكترونيّاً لا يقوم بصناعة الخبر سوى مرة في الأسبوع ربما؛ ما يجعل بناء مؤسّسات إعلاميّة حقيقيّة من الضروريّات والأولويّات.

يلخّص الصحفيّ فريد إدوار الواقع بقوله: «لا توجد مؤسّسة إعلاميّة حقيقيّة في المنطقة».

Leave a Reply