الرئيسية رأي البحث عن حل روسي في شرق الفرات

البحث عن حل روسي في شرق الفرات

حسين جمو
كاتب كردي من سوريا متخصص بالشؤون الكردية في الشرق الأوسط، له العديد من المقالات في المواقع والصحف الكردية والعربية، كما نشر عدة أبحاث حول القضية الكردية في تركيا وسوريا
مشاركة

يحصي الرئيس الأميركي دونالد ترامب تكاليف انتشار القوات الأميركية في سوريا والعراق وأفغانستان ويخرج بعملية حسابية منطقية – بديهية ومخادعة بأن الانسحاب سيقلل التكاليف على الميزانية الأميركية.

لم تكن خطة الانسحاب الأميركي متوقعة خلال الجدول الزمني المتوقع (بين ستة شهور إلى سنة كحد أقصى)، ذلك أن وزارة الدفاع الأميركية نفسها لم تكن تعلم بذلك بحسب ما صدر من مسؤولين عقب التصريحات المتكررة لترامب، والتي ستستمر حتى يتم إنجاز الانسحاب كاملاً.

كردياً، ما الذي يبقى بعد الانسحاب؟ يبقى الكرد بدون سياسة إذا لم تقم القوى الرئيسية بإحداث تحول سريع في تموضعها، سواء في إقليم كردستان العراق أو في روجآفا – شمال سوريا. فالفراغ الناجم عن «الإخلاء الأميركي» أكبر من أي قوة كردية على ملئها. وما يزيد الوضع سوءاً أن لا أحد من حلفاء واشنطن، على مستوى الدول، قادر على ملء المساحات الاستراتيجية الفارغة، أما خصوم واشنطن فعلى أهبة الاستعداد.

مع جدية الانسحاب الأميركي من سوريا، بات من المستبعد تفجر الخلافات بشكل سريع داخل أركان الحلف الروسي الذي يضم كلاً من إيران وتركيا، في حال بقيت «الروح الرياضية» قائمة بين هذه الأطراف عبر إهداء رصيد مجاني للطرف الآخر، مع احتمال حدوث مواجهة واسعة بين إيران وإسرائيل.

سيتكرس هذا التحالف ليس فقط في سوريا بل في مناطق أخرى من العالم. تحل خريطة علاقات دولية جديدة محل القديمة في أكثر مناطق العالم حساسية، وعلى وجه الخصوص في آسيا الوسطى، حيث يدور صراع شرس على خطين للغاز، ويبدو أن النصر في المرحلة الحالية قد كتب لخط (تابي) الذي ينقل الغاز من تركمانستان إلى أفغانستان ثم باكستان فالهند وتصدير الفائض منها، بينما تعرض الخط الآخر إلى هزيمة وهو الخط الإيراني الذي ينقل الغاز إلى باكستان ومنها إلى الأسواق العالمية.

لكن الخط الأول الذي تستثمر فيه السعودية بقوة، يتوقف نجاحه النهائي على موقف حركة طالبان الأفغانية التي وافقت مبدئياً على ضمان أمن الغاز المنقول مقابل مطالب سياسية، من بينها الانسحاب الأميركي من أفغانستان. السؤال هنا: من لديه تأثير مباشر على القرار في حركة طالبان؟ باكستان وروسيا. ولدى كل من تركيا وإيران أوراق للتأثير لصالح إفشال المشروع المدعوم أميركياً وسعودياً.

المثال السابق عيّنة، الهدف من إيرادها الخروج من القراءات المثيرة للشفقة والرائجة كردياً هذه الأيام، وهو اعتبار أي انسحاب أميركي وكأنه مؤامرة على الكرد، فيما الوقائع التي يمكن معاينتها عن قرب تكشف عن صورة أوسع وأكثر خطورة، وهو أن الكرد خارج لائحة الحسابات كلما اتسع نطاق الصراع. وما يحدث للكرد يقترب من منطق «القضاء والقدر» نظراً لاستحالة القيام بتغيير كبير في المسارات القائمة. فحتى تركيا التي سيكون الانسحاب الأميركي من سوريا بالنسبة لها انتصاراً، تطالب واشنطن بتوضيح سياستها الملتبسة بشأن سوريا.

هناك ملفات لدى التحالف الثلاثي تجعل من إمكانية ملء الفراغ الأميركي من قبل فرنسا أو دول أوروبية أخرى غير عملية. فبينما حصد الرئيس التركي تنازلات كبيرة من الدول الأوروبية بخصوص عفرين بسبب ابتزازه أوروبا بملف اللاجئين السوريين، فإنه حتى لو تمت إعادة كل السوريين المقيمين في تركيا إلى المناطق التي احتلها الجيش التركي فهناك ملف آخر للاجئين بدأ يتحرك.

يتكدس 17 ألف أفغاني وبنغالي حالياً في مدينة أرضروم التركية، وهذه المدينة هي مركز إدارة العمليات الخاصة للاستخبارات التركية. هذا مجرد تحذير بسيط. في حال أراد هذا المحور إلحاق ضرر أكبر بأوروبا، على خلفية موقف فرنسا من الاعتداءات التركية، يمكن أن نجد تدفق مليون لاجئ أفغاني خلال فترة قصيرة.

في السابع من نيسان/ أبريل 2018 قالت وزارة الداخلية التركية إنها سترحّل ما يقرب من 600 مهاجر أفغاني غير شرعي في شرق تركيا إلى كابول. هذا التصريح ينظر إليه كلفت نظر للأوروبيين بما قد تفعله تركيا بأوروبا في حال قررت الأخيرة التخلي عن الالتصاق بحائط الرصيف في طريق السياسات التركية. وفي حال لم تستخدم أنقرة هذا الملف، فهناك ملف الموانئ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي ومساعيها في أن تكون حلاً وسطاً في ظل التنافس الشرس على الموانئ بين الصين من جهة وأميركا وحلفاءها من جهة أخرى.

في ظل هذه المعطيات، ما الذي يمكن فعله كردياً؟ لا يمكن المراهنة على استعراض بعض الدول الأوروبية في سوريا طالما أن النظامين الإيراني والتركي يمكنهما تخصيص آلاف الحافلات لنقل اللاجئين من مخيمات شرق إيران إلى السواحل الغربية لتركيا، ومن هناك تمول تركيا عملية نقل هؤلاء عن طريق <مهربين> هم في الحقيقة رجال أمن بشكل أو بآخر، وإيصالهم إلى اليونان، أو عبر الخط الجديد في البلقان. هل أوروبا لديها الإمكانية لإفشال مثل هذا السيناريو البسيط جداً بالنسبة لطهران وأنقرة؟

لقد سبق وراهن الكرد، بمختلف قواهم، على أن التناقص التركي الإيراني بات أكبر من استفتاء الاستقلال في إقليم كردستان. فشل هذا الرهان في استثمار التناقض التركي الإيراني مثلما فشل في عام 1930 خلال ثورة آغري (آرارات)، ليس لأن التوافق بين الدولتين كبير، بل لأن هناك لحظات في التاريخ يتم فيها تعطيل المسار المتعاكس في العلاقات، ولا يمكن التنبؤ متى يتم فيها هذا التعطيل، وهذا يعني أنه في ظل انحسار خيارات الدعم الغربي للكرد في روجآفا وباشور فإن استفادة أي طرف كردي من إيران يكون ضمن الإطار المرحلي القصير، وكذلك الأمر بالنسبة لتركيا التي تعتاش، دولياً، على موقعها الجغرافي وليس على قوتها المحدودة من كافة النواحي. فانهيار تركيا سياسياً من الداخل كابوس لأوروبا قد يؤدي إلى انهيارها أيضاً. لذا، مهما تناقضت السياسات الأوروبية التركية فإن بقاء تركيا متماسكة – وحتى سلطوية – أولوية لأوروبا حتى لو كان الطرفان في حالة حرب.

رغم مرارة الأحداث الأخيرة باحتلال عفرين والدور الروسي الأساسي في تمكين تركيا من احتلالها عفرين وتشريد سكانها، لن يكون من الحكمة رفض أي دعوة روسية – في حال وُجِدت – لمناقشة مستقبل «شرق الفرات» وحسم ذلك بشكل سريع حتى في ظل وجود الأميركيين الحالي. فكما يقال في مراسم العزاء: الحي أبقى من الميّت.

في مسيرات الأمم الساعية للتحرر، هناك دائماً ما هو أسوأ من الهزائم التي هي عادة أكثر من الانتصارات. الأسوأ فقدان طريق العودة إلى النقطة صفر: البقاء الاجتماعي.

Leave a Reply