مشاركة
همبرفان كوسه
صحفي كردي سوري، يكتب باللغتين الكرديّة والعربيّة، له مقالات وتحقيقات صحفية في عددٍ من المؤسسات الإعلامية الكرديّة والعربيّة.

لم تكد علامات العنف الجسدي قد زالت من وجه همرين (اسم وهمي) بعد زواجها الأول، حتى أجبرتها عائلتها أن تتزوج مرة أخرى، وهي لم تبلغ الثامنة عشر من عمرها بعد.

تزوجت همرين في المرة الأولى وهي بسن 15 من عمرها. كان زوجها يكبرها بـ 16 عاماً. أُجبرت على الزواج بعد أن توفي والداها، ونزحت من سوريا مع عائلة جدها إلى إقليم كردستان العراق، فسكنت في إحدى مخيمات اللجوء بمدينة دهوك. زوّر زوجها حينها أوراقها الثبوتية، بعدما رفضت المحكمة تثبيت عقد الزواج لصغر سن الفتاة، رغم محاولاتهم لأشهر عدة مترددين على المحكمة دون جدوى.

ليس من السهل التحقق من الدوافع وراء زواج همرين ورفيقات جيلها، وتحويل القاصرات إلى أمهات صغيرات داخل مخيمات اللجوء في إقليم كردستان العراق، لأنك ستصطدم بمعوقاتٍ عدة، أقلها الظروف الاجتماعية غير المستقرة للاجئين، والموافقة الدينية عليه، مدعوماً بقاعدة مجتمعية وعادات وتقاليد تساعد في تنامي هذه المفاهيم، التي من شأنها أن تنهي أجيالاً كاملة.

إضافة إلى ذلك، فإن البحث عن ظاهرة مجتمعية تزايدت أثناء اللجوء، وازداد تقبل المجتمع لها، يواجه إشكالية ثانية، وهي غياب الدراسات والأبحاث والإحصائيات الحكومية الرسمية عن الظاهرة، وتبرير الأطر السياسية للظاهرة باعتبارها إحدى الظواهر المتفاقمة في ظل الحرب. زد على ذلك الثقافة العشائرية السائدة لدى الأطر السياسية والمجتمعية قبل أهالي الأطفال أنفسهم.

من البداية…

كانت أغلب العوائل التي نزحت إلى إقليم كردستان العراق من غربي كردستان وسوريا، تعاني من ظروف مادية ومعيشية سيئة، دفعت بغالبيتهم إلى السكن ضمن مخيمات اللجوء في محافظات الإقليم، رغم أن الطريق كان مفتوحاً أمامهم للعيش ضمن المدن مثل أهالي الإقليم نفسهم، زد على ذلك التسهيلات المقدمة من حكومة الإقليم حينها.

«ولأسبابٍ عدة، أولها خوف الأهل على الفتيات من الضياع والانحراف، والتخلص من المسؤولية، وفقاً لطبيعة التفكير السائدة في مجتمعاتنا الشرقية، كما الظروف المادية وفقر الحال، وعدم القدرة على تحمل المصاريف وتخفيف العبء على العائلة، كلها أسباب دفعت الأهل لتزويج بناتهم في سنٍ صغيرة». يقول محمد أحمد، وهو نازح من مدينة قامشلو، زوج ابنته في سنٍ صغيرة، ويعيش في مخيم دوميز للاجئين.

يضيف أحمد: «المجتمع لا يفكر بالعواقب التي يمكن أن يخلفها الزواج المبكر، وإذا كانت هناك مشاكل وأذية للفتاة أو لا. الأهم هو أن الفتاة في بيت زوجها، وخففت عبئاً على عائلتها». ويشير إلى أن قسماً من العوائل التي توفي معيلها في الحرب، ولم تقدم لهم الرعاية الكافية من الأقارب، تزوجوا، وهو كان السبب المباشر خلف ذلك.

بلغت أعداد اللاجئين السوريين في إقليم كردستان العراق، حتى الأشهر الأولى من عام 2016، إلى أكثر من (241) ألف نسمة وفق إحصائيات رسمية وإحصائيات المنظمات الإنسانية الموجودة ضمن المخيمات. وتركز وجودهم في (9) مخيمات بمحافظات الإقليم، وفق الآتي:

  • دهوك: تضم مخيمات:

-دوميز1: ويقطنه أكثر من 26 ألف نسمة

– دوميز2: ويقطنه أكثر من 7 آلاف نسمة

– كويلان: ويقطنه أكثر من 7 آلاف نسمةأكري: ويقطنه أكثر من ألفي نسمة.

  • هولير: وتضم مخيمات:

– قوشتبه، كوركوسك، دار شكران: ويقطنهم أكثر من 13 ألف نسمة

– مخيم بأسرما: ويقطنه أكثر من 3 آلاف نسمة.

  • السليمانية: وفيه مخيم وحيد، وهو مخيم باريكه ويقطنه أكثر من 10 آلاف نسمة.

ويتوزع الباقي ضمن محافظات الإقليم، ولم يدخلوا مخيمات اللجوء، وهؤلاء يشكلون أكثر من 60% من نسبة اللاجئين السوريين الموجودين في إقليم كردستان، إضافةً إلى قسم آخر لم يقدم طلبات لجوئه إلى المفوضية العليا للاجئين والتابعة للأمم المتحدة.

وقلت نسبة سكان المخيمات خلال عامي 2017 – 2018، بعد موجات الهجرة إلى أوربا، والتي سلكها أكثر من نصف اللاجئين السوريين في إقليم كردستان العراق، زاد هذا الأمر قلة في الاهتمام بشؤون اللاجئين ضمن المخيم، خاصة أن أغلب قاطنيها عاطلون عن العمل بحكم الظروف الاقتصادية والسياسية التي تمر بها محافظات إقليم كردستان. وهذا ما فعل نشاط زواج القاصرات و«التخلص من أعباءهم المعيشية» بالنسبة للعوائل الفقيرة مادياً.

ولا توجد إحصائية رسمية من حكومة إقليم كردستان العراق حول نسبة المتزوجات بسن مبكرة في مخيمات اللجوء، ولم تقدم المنظمات العاملة في هذا الشأن أي أرقام توضيحية حول ذلك. لكن التقديرات تشير إلى وجود مئات الحالات، وقسم كبير منهم تعرضوا للعنف وطلقوا بعد فترةٍ من الزواج، كما أجبر عدد منهم للسفر إلى أوربا جراء ذلك.

الزواج «سترة للبنت»!

أثناء إعداد التحقيق داخل مخيم دوميز للاجئين في مدينة دهوك، صادفت مجموعة نسوة يتحدثن عن الزواج. اقتربت منهن واستفسرت عن سبب هذا الاهتمام الكبير من قبلهن بتزويج بناتهن، فقالت إحداهن: «الزواج سترة يا ابني. الدنيا خربانة، وما فينا نحمي حالنا، لنقدر نحمي بناتنا».

وأردفت الثانية: «والله لو يصير عمر بنتي 15 سنة، راح دورلها ع عريس. بيقول المتل اسعى لبنتك، قبل ما تسعى لابنك»!

ويؤمن بوجهة النظر هذه طيف واسع من النازحين السوريين الموجودين في مخيمات اللجوء بإقليم كردستان العراق. ورغم أنها تراجعت نسبياً خلال السنة الماضية، إلا أن العوائل التي تزوج ابنتها في سن مبكرة تعتبر الأمر مصدراً للتباهي والزهو. وهذا ما يشكل خطراً على مستقبل الفتيات، لما له من تبعيات صحية ونفسية واجتماعية، ناهيك عن الجانب القانوني للمسألة. وحالات الإجهاض المستمر لمبكري الزواج، ونسب الطلاق المرتفعة ليست إلا شيئاً من هذا الواقع المستدام حتى الآن.

تضيف همرين: «أتذكر جيداً حجم الضرب الذي تعرضت له آخر مرة، وذهبت لمنزل عائلتي وعلامات الضرب بادية على جسدي، استطعت بذلك أن اقنع أهلي بالطلاق، لأنهي عامين من السجن الإجباري والإهانات اليومية». وأشارت إلى أنها بدأت بعد الطلاق بالذهاب إلى معالج نفسي، استجابة لنصيحة إحدى صديقاتها، التي لاحظت عليها تصرفات خوف وبكاء غريبين، إلى أن عادت إلى حياتها الطبيعية.

لكن، بعدها بعدة أشهر توفيت جدتها، وجاءها عريس، فتزوجت للمرة الثانية وهي لم تدخل الثامنة عشر من عمرها لأنها بقت دون عائلة، وانتقلت مع زوجها إلى خارج المخيم، وبات المخيم بالنسبة لها مقصداً للزيارات العائلية. تردف همرين: «الزواج الثاني كان برغبتي، لأنني لم أعد أملك عائلة أستطيع أن أعيش معهم. زوجي يعاملني بلطف، لكن أنا الآن اقتربت من دخول الثامنة عشر من عمري، ولم أكمل تعلمي، ولم أهنأ بصباي. كانت صديقاتي يرونني الفتاة الناجحة المتعلمة، التي أمامها مستقبل مشرق. يبدو أن مستقبلي هو أن أنجب الأطفال، وأخدم منزلي ومن فيه».

مطلقات صغيرات بسبب شيبس

يروي أحد قاطني مخيم دوميز، وهو موظف سابق في المنظمات الإنسانية، قصة لإحدى القاصرات المطلقات: «القصة هي أن فتاة صغيرة في السن من عائلة عدد أفرادها من الفتيات كبير بالمقارنة مع الشباب، فاضطرت عائلتها قبول تزويجها من شاب ضمن المخيم، وكان يعمل في البناء. مع مرور الأيام بعد زواجهما، طلبت الفتاة من زوجها، أن يحضر لها أثناء العودة للمنزل شيبس وشوكولا ومكسرات، ولم يمانع زوجها الأمر، لكن أثناء العودة من العمل نسي أن يحضر ما طلبته زوجته منه. وكانت النتيجة أن الفتاة طلبت الطلاق وبالفعل طلقت بعد ساعات من البكاء، وتدخل لجان الصلح بين العائلتين لحل الخلاف».

الكوميديا السوداء والواقعية التي حدثت في هذا المخيم، والتي هي مثال عن حالات الطلاق بين المتزوجين تحت السن القانونية (وهي بنسب عالية ومستمرة)، تبين مدى عدم فهم الأزواج للحياة المشتركة والمسؤوليات الملقاة على عاتقهم.

الإجهاض بسبب الضرب: مساوئ جسدية ونفسية إضافية

تروي همرين مأساتها: «بعد أيام من زواجي الأول، اكتشفت أن زوجي يعاني من مشاكل نفسية، ويمر باضطرابات مستمرة، حتى تحولت حياتي إلى جحيم، فلم يمض يوم واحد دون أن أتعرض للضرب والإهانة والشتائم منه».

أرغمت همرين، على ارتداء الحجاب والقمصان الطويلة والتنقل ضمن المخيم وخارجه لوحدها. وأجهضت مرتين من الاعتداء المتكرر عليها. حتى أنها كانت تتعرض للعنف الجنسي والإجبار على الجماع.

وحاولت أن تطلب الطلاق وأصرت على ذلك، إلا أنها لاقت رفضاً من أهلها تحت حجج العادات والتقاليد المجتمعية التي ترفض طلاق الفتاة وتعتبره شيئاً من المساس بشرف العائلة. تقول: «حتى إنني هربت في إحدى المرات من المنزل، وحين وصلت إلى منزل عائلتي، أعادوني إليه في اليوم التالي، وأحضرت لهم الغداء، وهم يتبادلون النكت ويضحكون بصوتٍ عال».

المصائب لا تأتي فرادى

ليلاف (اسم وهمي)، نزحت من مدينة قامشلو مع والدها إلى إقليم كردستان العراق، وبعد أن مكثوا في مخيم دوميز بمدينة دهوك، أجبرها أهلها على الزواج من شاب تقدم لها، وكان يعمل مع والدها على بسطة. تقول ليلاف: «كنا 7 أخوات، ولم يستطع أبي أن يصرف علينا جميعاً، خاصة أننا لا نملك إخوة شباب، فتزوجت بناء على رغبته وأنا في سن 14 وزوجي كان قد بلغ 19 من عمره».

تضيف ليلاف: «ولأن المصائب لا تأتي فرادى، بعد عامين من زواجي، قام زوجي بخطف فتاة ضمن المخيم وهرب معها، إلى مكانٍ حتى الآن لا نعلمه وليست لدينا أخباره، وأنا الآن (لا معلقة ولا مطلقة)».

القانون في إقليم كردستان

تقول المادة الثانية من قانون مناهضة العنف الأسري في إقليم كوردستان العراق، أنه يحظر على أي شخص يرتبط بعلاقة أسرية أن يرتكب عنفاً ومنها العنف البدني، وتعتبر الأفعال الآتية على سبيل المثال عنفاً: الإكراه على الزواج، زواج الشغار وتزويج الصغير، التزويج بدلاً من الدية، الطلاق بالإكراه، قطع صلة الأرحام، إكراه الزوج للزوجة على البغاء وامتهان الدعارة، الإجهاض إثر العنف الأسري.

وتنص المادة 9 من القانون ذاته، أن مرتكب العنف الأسري «يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على ثلاث سنوات وبغرامة لا تقل عن مليون دينار ولا تزيد على خمسة ملايين دينار أو بإحدى هاتين العقوبتين».

وتضمن المادة الثالثة توفير مراكز إيواء لضحايا العنف الأسري، وتأمين الرعاية الصحية وإعادة تأهيل المتضرر من العنف الأسري. كما تخصص المادة إنشاء قسم خاص في سلك الشرطة قوامها الأساسي من الشرطة النسائية للتعامل مع قضايا العنف الأسري.

وترفض (د. ع)، وهي فتاة تزوجت في عمر 16، وتعرضت أكثر من مرةٍ للعنف الجسدي، والجماع بالإكراه، أن ترفع قضية ضد أهلها الذين زوجوها دون رضاها، أو ضد زوجها لأن «المجتمع يرفض هذا الأمر، وعيب أن تقوم أي فتاة برفع دعوة قضائية ضد أهلها أو زوجها بسبب الخلافات العائلية. أتحمل العنف كي لا أكون سبباً في تعاسة والدي وهو في هذا السن».

إلى ذلك، يؤكد المحامي محمد ملا، إن قوانين إقليم كردستان العراق، تقف إلى جانب الفتاة القاصر، ويقول إن «المحاكم تشدد على مسألة زواج القاصرات، بحيث لا يمكن قبول الزواج لأي فتاة دون سن الثامنة عشر». إلا أنه يشير إلى وجود تعديلات وتخفيض لقبول سن الزواج إلى السادسة عشر، لكن وفق ظروف وشروط معينة.

ويبين ملا أن عقد القران في حالات الزواج تحت السن القانونية يتم خارج المحاكم، فمثلاً يتم اللجوء إلى شيوخ الدين، غير الممانعين للزواج المبكر، لكن لا يتم تسجيل ذلك ضمن سجلات المحكمة.

المنظمات المدنية جزءٌ من مشكلة

أثناء لقائنا مع أحد موظفي المنظمات الإنسانية، والذي فضل عدم الكشف عن اسمه، كشف لنا أن «عدد من المنظمات الإنسانية التي عملت على توثيق حالات الزواج المبكر وتقديم الدعم الكافي لهم وتوعية الأهالي، وظفوا أفراداً أعمارهم لم تتجاوز 18 عاماً، أي أن الموظفين أنفسهم أحياناً كانوا أصغر سناً من الفتاة المتزوجة مبكراً».

وأشار إلى أن «قسم آخر من هذه المنظمات عمل بشكلٍ خاطئ في المسائل المتعلقة بالمرأة والطفل، حتى إنهم كانوا سبباً في طلاق الكثيرين، في الأعمار فوق 18 ودونه، فقط بسبب حاجتهم إلى <حالات مطلقات> ضمن المخيم لتقديمها للمنظمات الدولية المانحة والحصول على الدعم. أي أن المجتمع والأهل والمنظمات وغياب القانون كله كانت سبباً في تزايد هذه الظواهر السلبية في المجتمع».

أمام حال مخيمات اللجوء في إقليم كردستان، والتي تحولت إلى صالة كبيرة لأعراس الفتيات الصغيرات، لا يبدو أن الجهات المعنية تبذل جهداً مناسباً لمكافحة هذه الظاهرة المتزايدة والمدمرة لجيل كامل من الأطفال-الآباء، إذ يستمر غض النظر عن مخالفة قوانين إقليم كردستان الخاصة بالعنف الأسري والتزويج تحت السن القانونية، كما أن المنظمات المدنية والإنسانية أثبتت أن تأثيرها محدود جداً دون أن تقوم بتغيير في خططها بالتوعية بحقوق الطفل وتوفير فرص العمل وظروف إنسانية ملائمة تحمي الأسر من الاضطرار لتزويج بناتهم والتخلص من أعبائهم الاقتصادية.


ملاحظة: قامت روك أونلاين بتغيير تواريخ وأماكن عددٍ من هذه القصص التي تبين ظروف المتزوجات بسنٍ مبكر، احتراماً لخصوصية الفتيات وعوائلهن الذين فضلوا مشاركة قصصهم ضمن التحقيق دون إظهار هوياتهم الحقيقية.

Leave a Reply