الرئيسية رأي الكرد خسروا عفرين إعلامياً قبل خسارتها عسكرياً

الكرد خسروا عفرين إعلامياً قبل خسارتها عسكرياً

فريد إدوار
صحفي كردي مُقيم في قامشلي، يحمل إجازة في الإعلام من جامعة دمشق ويمارس العمل الصحفي منذ عام 2009، عمل مدرباً إعلامياً ومراسلاً صحفياً ومحرراً ورئيس تحرير لدى عدة مواقع إخبارية محلية، فضلاً عن تقديم برامج وأخبار إذاعية.
مشاركة

«اكذب حتى يصدّقك النّاس»… العبارة الأشهر لجوزيف غوبلز، وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر الذي تمكّن من الهيمنة على الحكم في ألمانيا سنة 1933، ونجح في شحذ الروح القومية والعرقية لدى الشعب الألماني، بغية السيطرة على إرادته وتسييره في اتجاه أهدافه النازية عبر الدعاية والترويج التي تولّاها غوبلز أحد أبرز أفراد الرايخ الثالث وإحدى أساطير الحرب الإعلامية.

 اليوم يحاول الرئيس الثاني عشر للجمهورية التركية اتباع الأسلوب ذاته لفرض نفسه بالقوة كحاكمٍ وحيد قادرٍ على إحياء أمجاد الإمبراطورية العثمانية، فنفّذ حملة اعتقالات طالت كل منتقديه ومعارضيه، ومن أسماهم بـ «أعداء تركيا» وأودعهم السجون، عدا عن تسريح آلافٍ آخرين.

طموحات زعيم حزب العدالة والتنمية الحاكم لم تتوقّف في الداخل فقط، بل تخطّت حملة تطهير البلاد أسوار الوطن التركي، ووصلت إلى الشمال السوري لمطاردة مقاتلي حزب العمال الكردستاني، حسب زعمه، وكل ذلك بمساندة ماكينةٍ إعلامية مهّدت الطريق لقذائف المدفعية وسلاح الجو.

نجح الجيش التركي وفصائل المعارضة من دخول عفرين، بعد شهرين من إعلان حربٍ إعلامية ضد الكرد  قبل أن تكون عسكرية في مدينةٍ لا تتجاوز مساحتها 2 % من مساحة سوريا.

إبان دخول القوات الأميركية العاصمة العراقية بغداد 2003، لم يبق أمام الجنود الأميركيين سوى مطار بغداد الدولي لإعلان سيطرتهم على كامل عاصمة الرشيد، بدأت حينها وسائل الإعلام بالتّرويج على أن المعركة الحاسمة هي معركة المطار، فصارت كل التشكيلات والقطعات العسكرية العراقية تترقّب الواقعة الكبرى، وعندما نجح جنود بوش الابن من دخول المطار؛ شعر العراقيون بأن بلدهم كله بات تحت سيطرة أميركا، فانهارت روحهم المعنوية، برغم أن المطار وحده سقط حينها.

الحرب الإعلامية ذاتها لعبها أردوغان، باعتماده الدعاية في عدوانه على عفرين، وباعتبار أن وسائل الإعلام تتبع سيّدها، فإن ماكينة الإعلام العربية التي تتزعمها دول الخليج وتفريخاتها الإعلامية التابعة للمعارضة السوريّة وظّفت نفسها في خدمة الحرب التركية، وأظهرت معركة عفرين على أنها آخر معارك المسلمين ضد الكفار، ما جعل من سقوط المدينة بمثابة كسر عظم الكاهل للكرد الذين بدأوا يتخوّفون على مستقبل باقي المدن المدرجة ضمن مشروعهم الفيدرالي في الشمال السوري.

قدّمت وسائل الإعلام العربية صورة الجيش التركي وبقايا مسلحي المعارضة على أنه جيشٌ دخل عفرين لنشر الأمن والأمان، وتخليص المدنيين من إرهاب حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي.

تلك الوسائل التي باعت متابعيها على مدى سنوات دروساً في الموضوعية، الشفافية والمصداقية، روّجت لمسلحي المعارضة ما لم تروّج لأي ملفٍ إنساني آخر في بلدٍ يشهد نزاعات مسلحة منذ نحو سبع سنوات، فأظهرتها (أي فصائل المعارضة) رغم تعدادها الذي تجاوز /90/ فصيلاً مسلحاً، على أنه الجيش الوطني الحر، في مقابل إطلاق توصيفاتٍ على قوات سوريا الديمقراطية بعيدةٍ عن المهنية الإعلامية، على نحو (مسلحين- إرهابيين- ميليشيات) برغم وجود فارقٍ كبيرٍ بين الاثنين، أقلّه أن القوات الديمقراطية تمتلك قائداً وقراراً عسكرياً واحداً.

 بعكس (الجيش الوطني الحر) المعروف بتعدّد قياداته وحتى قراراته، وما حصل في عفرين من اشتباكات بين فصيلي الحمزة وأحرار الشرقية التابعين لدرع الفرات غداة فرض سيطرتها على المدينة، خير شاهدٍ على تفكّك بنية ذاك الجيش الذي روّجت له وسائل الإعلام على أنه وطني وحر، مع أنه لا يخفى على أحد أن إرادته مسلوبة من الدولة التركية وداعميه من دول الخليج، ولا يملك حرية إطلاق رصاصةٍ واحدة.

كما حرصت آلة الحرب الإعلامية العربية عامة والتركية والمعارضة السورية بخاصة، على اعتبار حرب عفرين استهدافاً «للإرهاب الوافد من جبال قنديل» التي تحتضن مقاتلي حزب العمال الكردستاني، واكتملت حلقات مسلسل «محاربة إرهاب الحزب»، عندما بدأت وسائل الإعلام التركية والمعارضة بنشر مقاطع فيديو على أوسع نطاق لسجنٍ في ناحية راجو بريف عفرين  يدعى (السجن الأسود).

 روايتان مختلفتان روّج لهما الإعلام التركي والسوري، الأولى كانت على شاشة (TRT Kurd) حينما أظهرت أن السجن مكانٌ لاعتقال وتعذيب مدنيي عفرين، أما الثانية فكانت رواية إعلام المعارضة، التي جاءت مغايرة، بعد أن ادّعت أن ذلك السجن كان لتعذيب مقاتلي درع الفرات.

 فشل إعلام حزب الاتحاد الديمقراطي من جانبه في الدفاع عن نفسه ومبادئه في الحرية والديمقراطية التي ينادي بها منذ تولّيه إدارة المناطق الكردية في الشمال والشمال الشرقي من سوريا، ولم ينجح في تكذيب ما اتّهم به.

فمشاهد الدهاليز المظلمة التي لا تتجاوز مساحتها ثلاثة أمتار مربعة، أعطت الجانب التركي مصداقيةً أكبر في ادعاءات حربه على «إرهاب »حزب العمال الكردستاني والاتحاد الديمقراطي.

في وقتٍ غابت عن شاشات التلفزة العربية ومواقع المعارضة، عبارة «لا نعلم من أحرق روما… أما جنديرس فنحن أحرقناها» التي كتبها أحد الجنود الأتراك على جدار منزلٍ كردي في ناحية جنديرس التابعة لعفرين.

 مثلها مثل مشهد جنديّ آخر وهو يلتقط صورة سيلفي مع الجثة التي أحرقها، فيما لن يغيب عن البال الجريمة التي ارتكبها مسلحو المعارضة «الأحرار» بحق المقاتلة الكردية بارين كوباني بعد التمثيل بجسدها وسحلها وهي جثة هامدة.

 الانتقائية المتعمّدة في نشر أخبار معركة عفرين لصالح الجيش المهاجم، كانت القيمة البارزة في الإعلام العربي، فالطرف الآخر لم يظهر في تلك المنابر الإعلامية إلا كـ «مدان»، أما الصور والمشاهد التي نشرت، كان لابد لها أن تكون نظيفةً من أية ممارساتٍ تكشف عن تجاوز الجيش الغازي الأعراف الإنسانية والدولية.

فوسائل الإعلام التي سخّرتها تركيا بصورةٍ مباشرة وغير مباشرة لخدمة حربها لم تصوّر قوة النيران التي نشرت الخوف والرعب على المناطق التي لم تصلها مدافع الجيش وأزيز رصاصه، ولا طائراته التي لم تغادر سماء المدينة، وتجنّبت كشف أعداد القتلى والجرحى وتصوير حجم الجريمة التي ارتكبت بحق الأهالي.

وأكبر إنجازٍ حققته عدسات المصوّرين، التي أفلتت من الرقابة العسكرية، هو بعض المشاهد التي تدين ممارسات مسلحي المعارضة من نهب وسرقة ممتلكات المدنيين؛ كتلك التي التقطت من قبل مصور وكالة فرانس برس، وهي أيضاً ربما نشرت عمداً خدمةً لمصلحة المعارضة على أنه الحادث الوحيد الذي أدانته الأخيرة، وأعلنت أنها عاقبت الفاعلين.

في حين أن شبكات التواصل الاجتماعي، امتلأت بمشاهد أكثر مأساوية لممارسات مسلحي المعارضة بحق أهالي عفرين، وغيّبها الإعلام عن منابره، استهلالاً بتعذيب المدنيين وإهانتهم قبل قتلهم، وليس انتهاءً بالسخرية من طقوس أبناء دياناتٍ أخرى كالإيزيدية وتدمير دور عبادتهم.

إخفاء تجاوزات وممارسات مسلحي المعارضة من جانب الإعلام التركي والعربي الخليجي، سواءً بطريقةٍ متقصدة أو غير ذلك، وتلميع صورهم وإظهار مساعدتهم للعائلات الفارة من المعارك، كانت الصور المختارة  لإظهارها أمام الرأي العام على أنه جيشٌ منقذ، وليس غازياً، وعلى أنه يتحلّى بأخلاق الحرب، كتلك المشاهد التي روّجت لها وكالة الأناضول التركية الرسمية، واقتبس منها فيما بعد معظم إعلام المعارضة، والمتمثّلة بصورة مسلح وهو يحمل طفلاً بدلاً عن والدته التي كانت تتأبط بعضاً من أمتعتها. أيضاً مشهد بعض المسلحين وهم يوزّعون علب المياه المعدنية على الفارين، وإظهار آخرين يداوون المصابين المدنيين جراء القصف التركي.

 في المقابل، بقي الإعلام الكردي (الحزبي والمستقل) رغم تنوع منابره وعدد صحفييه وناشطيه، مراوحاً في مكانه، وفشل في تدويل مأساة عفرين، وتأليب الرأي العام العالمي ضد الحرب التي استهدفت الوجود الكردي، بغض النظر عن وجود اتفاقٍ مسبق لتسليم المدينة إلى تركيا.

كل هؤلاء لم يحسنوا التعامل مع الحدث، وأفضل مستوى قدّموه، كان عبارة عن منشورٍ فيسبوكي كتبه أحدهم على صفحته الزرقاء المتابعة من آلاف الأشخاص، كتب يقول: «وحدات حماية الشعب تحاصر طائرة تركية في سماء عفرين».

Leave a Reply