مشاركة

تزامناً مع سيطرة الإدارة الذاتية على مناطق واسعة شمال شرقي البلاد صيف 2012، اجتاحت الأسواق التجارية في مناطق سيطرتها سلع لم تكن موجودة قبل ذلك، وكانت من أبرزها دخول سيارات أوربية مستعملة أطلق عليها اسم «سيارات الإدخال» أو «سيارات التهريب».

حققت هذه التجارة حلم الكثير من أهالي المنطقة بامتلاك سيارة في بلد كان يعتبر شرائها «رفاهية» ويفرض ضرائب باهظة على استيرادها، إلا أن الكثير من الشهادات تظهر أن التورط بهذه التجارة ليست عملية مضمونة وسهلة، فلماذا انتشرت هذه التجارة وما هي أبرز المشاكل التي يواجهها الراغب بشراء سيارة إدخال؟

زبون سعيد وتجار سعداء ولا مشكلة لدى الإدارة

يملك فرحان سيارة إدخال من نوع BMW إكس5، ولا يخفي فرحته بامتلاكها، إذ كانت في السابق حلماً للكثير من الأهالي، أما مع سيارات الإدخال فقد باتت بمتناول شريحة أكبر بكثير، والفضل في هذا يعود إلى عدة عوامل منها انخفاض أسعار السيارات الأوروبية في بلد المصدر، إضافة إلى الغياب التام تقريباً للضرائب في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، ما ساهم بالحصول على أسعار لا تتجاوز أحياناً ربع أو ثلث سعر مثيلاتها في سوريا.

ويقول فرحان في حديث لروك أونلاين: «سيارتي حديثة اشتريتها بمبلغ ضمن المعقول، وهذا المبلغ لا يكفي لشراء سيارة من الطراز القديم إن كانت تحمل لوحات نظامية، فقد يصل سعرها إلى ثلاثين ألف دولار، بينما اشتريتها بعشرة آلاف دولار، فضلاً عن أن محركها يعمل على الديزل، أي أن مصروفها أقل من التي تعمل على البنزين».

فرحان ليس الشخص الوحيد السعيد هنا، إذ لا يخفي أبو علي، وهو تاجر سيارات يتعامل مع تاجر آخر من منطقة اعزاز، أنهم يحققون أرباحاً جيدة من هذه التجارة، ويقول: «نشتري السيارة من الداخل التركي بأسعار زهيدة على أنها <كوم حديد مكسر>، أي أنها لا تصلح للاستعمال، ومن ثم نقوم بترميمها وإضافة بعض الإكسسوارات الخارجية عليها ونبيعها في سوريا بربح لا يقل عن ألف دولار».

بداية العام 2012 كان بعض السوريين المقيمين في الدول الأوربية يقومون بشراء سيارات في تلك الدول بأسعار منخفضة، وغالباً ما تكون تلك السيارات غير صالحة للاستخدام في تلك البلدان، ومن ثم يقوم هؤلاء بإيصالها براً عبر تركيا حتى الحدود السورية حيث كانت تسجل ومن ثم تباع لتجار سوريين، دون الخضوع لأي إجراءات رقابية من الجهات الرسمية التركية أو نقاط العبور التي تمر منها تلك السيارات.

ويضيف أبو علي: «هناك بعض أنواع السيارات التي يكون عليها إقبال شديد من قبل الأهالي كسيارات الفان والجيب بأنواعها، وهذه تصل أرباحها إلى ثلاثة آلاف دولار بعد إخضاعها لعملية <تصفير العداد>، وهي تسمية شائعة بين التجار، وتعني إعادة السيارة إلى رونقها».

من جهتها، لا تعارض الإدارة الذاتية هذه التجارة، وكما يقول حسن محمد، مدير المواصلات في كانتون الجزيرة: «الإدارة لم تتدخل في كيفية دخول هذه السيارات ومن يقوم بإدخالها إلى مناطقنا، ولم تفرض قيوداً على العملية، لا بل أوجدت لها التسهيلات لتحقق أحلام الكثيرين في امتلاك سيارة بكلفة أقل من السيارات النظامية».

ونتيجة وصول عدد هائل من هذه السيارات، بادرت الإدارة الذاتية إلى تأسيس هيئة خاصة بتسجيل وتيسير أمور تلك المركبات وفرضت إجراءات وشروطاً واستحقاقات مالية وجمركية، بغية خلق إحساس بقانونية العملية ولتوجيه الناس إليها، فوجود المربعات الأمنية للنظام في مدينتي قامشلو والحسكة يخلق لدى الأهالي حالة من عدم الارتياح، إذ لا يزال النظام محتفظاً بحق مصادرة تلك السيارات إن أمكنه ذلك، بحسب ما قاله بعض التجار في مدينة قامشلو لروك أونلاين.

ويوضح مدير المواصلات: «حين أدركت الإدارة الذاتية عدد السيارات (المدخلة)، بادرت للسيطرة على الوضع، وقامت بإجراءاتها القانونية حفاظاً على أمن وسلامة المنطقة كي لا تحدث مستقبلاً مشاكل على خلفية عدم امتلاك تلك السيارات أوراقاً ثبوتية وما إلى ذلك».

احتمال التورط بصفقة دون أوراق مضمونة

يملك رفيق شيخموس معرضاً يضم سيارات نظامية تحمل لوحات لمحافظات سورية مختلفة في مدينة السيارات بقامشلو، وهو من التجار الذين يرفضون التعامل بتجارة سيارات الإدخال، وعند سؤالنا له عن السبب، أجاب فوراً: «لا لا دخيلكم. ابعد عن الشر وغنيلو».

و يقول: «لعلك تشاهد يومياً مئات السيارات تسير في طرقات المقاطعة دون أن تحمل أي لوحات ولا يعرف حتى إلى أي جهة تعود، وفي كثير من الأحيان تصبح هذه السيارات مبعثاً للشك»، ويتساءل: «فمن أين يتم الإدخال؟ ومن يقف خلف هذه التجارة المربحة للبعض والمضرة للبعض الآخر؟»

يسرد أحد أهالي قامشلو، فضل عدم الكشف عن اسمه، كيف أنه اشترى سيارة قبل نحو عام مرفقة بوصل هو عبارة عن ورقة لا تحمل أية تفاصيل في أجزاء السيارة سوى اسم المالك ولون السيارة، ولكن عليها ختم مكتب النقل في إيالة كركي لكي، مؤكداً أنه لم يتمكن حتى الآن من الحصول على لوحة من إدارة المواصلات، وأنه «عند سؤالي عن المالك الذي لا أعرفه شخصياً، تبين أنه قد سافر للخارج».

ويضيف قائلاً: «بعت السيارة لشخص آخر ولم أستلم من ثمنها إلا دفعة مبدئية كعربون. حاولت الحصول على مستمسك قانوني دون جدوى. كما أن الشخص الآخر الذي اشترى السيارة بدوره موقوف لدى الإدارة الذاتية نتيجة شجار عائلي وتم إصدار حكم بحقة لمدة عام».

ويضيف: «لوحاتها المقررة التي ينبغي أن يحصل عليها خلال ثلاثة أشهر كحد أقصى ما زالت لدى دائرة المواصلات. وعند كل مراجعة والسؤال عنها نقابل بالصد».

ويقول: «في هكذا حالة لا تفرُّغ المركبة حتى يتم الحصول على اللوحات والبطاقة الزرقاء. خوفي أن يقوم ذلك الشخص بتسجيلها مجدداً متحججاً بتلف الورقة والتجائه لطرق ملتوية ومن ثم يضيع حقي».

عمليات سرقة وتزوير

يتحدث تجارٌ وأهالي في منطقة الجزيرة عن عمليات سرقة وتزوير لثبوتيات السيارة المسروقة ويتهمون موظفين في دائرة المواصلات بتسهيل هذه العمليات.

لكن مدير المواصلات نفى ذلك بالقول: «لدينا خبراء لا يدعون المجال لهكذا عمليات، ولدينا آليات معينة لكشف عمليات التزوير ومحاسبة الفاعلين».

ويقول التاجر عباس أحمد إنهم سبق وأن شاهدوا حالات كثيرة يشتري فيها أحدهم سيارة ومن ثم يقطع الوصل الجمركي لدى إدارة الجمارك في مدينة منبج، ليتفاجأ أثناء إجراء الفحص لتسجيلها لدى الإدارة في مدينة قامشلو بأنها تحمل أرقاماً دقت بميناء طرطوس، فيتم حجزها لأنها سيارة نظامية سرقت وبيعت على أساس أنها سيارة إدخال.

ويقول أبو علي (تاجر): «الوضع يشوبه الكثير من الشكوك، فواقع البلد ليس على ما يرام والذين يقومون بإرسال هذه السيارات وبيعها للمواطن المسكين في منطقة الجزيرة لا يملكون أي وثائق تثبت قانونيتهم لمزاولة هذه التجارة، ولا يحملون أي مرجعية تبرر التعامل معهم».

ويضيف: «التعامل عبارة عن سوق سوداء، وليس هناك أي ضمان سوى أننا نتعامل ونعتمد على وصل جمارك الإدارة الذاتية المصحوب مع السيارة، وهو في الحقيقة لا يفي بالغرض عند مواجهتنا لأي مشكلة».

ويقرُّ مدير المواصلات، حسن محمد، بواقع أن النظام السوري لم يعترف بهذه السيارات، إلا أنه لا يتعرض لها في ذات الوقت. ويردف: «لا يمكننا التكهن بوضع هذه السيارات في المستقبل».

ويضيف: «لا يوجد أي ضمان في الوقت الحاضر، إلا أننا نحاول بذل ما بوسعنا لتدارك كل ما هو مضر بمصلحة المواطن، وكل الحلول مطروحة في الآونة الأخيرة لإيجاد ما هو مناسب، لكن الأولوية هي الحفاظ على الوطن والمواطن».

قوانين جديدة وزيادة الضرائب على سيارات الإدخال

فاجأت هيئة التجارة والجمارك التابعة للإدارة الذاتية المواطنين في 17 كانون الثاني/ يناير الماضي بإصدار قرار يقضي بزيادة التعرفة الجمركية الجديدة على كل الآليات، ومنها السيارات التي تسمح لها بالدخول لمناطق الإدارة، شريطة ألا يكون تاريخ صنعها قبل العام 2012، وبدأ العمل بالقرار الجديد اعتباراً من 22 من الشهر نفسه، في حين تم منح مهلة لآليات دخلت مناطقها قبل صدور القرار إلى 15 شباط/ فبراير الفائت حتى تتم تسوية أمورها لدى دائرة الجمارك.

وفي حديث مع تاجر للسيارات فضل عدم ذكر اسمه قال: «إن قرار زيادة التعرفة الجديدة لا يصب في مصلحة السوق بشكل عام، وهو قرار مجحف اتخذته الإدارة ومن خلاله سوف تصاب المنطقة وأسواقها بشلل تام».

وأضاف أن «الغاية من القرار هي تحصيل مزيد من الأموال لصالح الإدارة ودوائرها».

لكن نائب هيئة المالية للرئاسة المشتركة، عبدالله حسو، دافع في تصريحات سابقة عن القرار قائلاً: «الهدف من (القرار هو) التقليل من عدد السيارات والاكتفاء بالنوع الحديث منها».

وبالعودة إلى التعرفة الجديدة التي تسنى لنا الحصول عليها مؤخراً، فإن الضرائب والرسوم على سيارات الإدخال باتت تتراوح من 500 – 5000 دولار، في وقت كانت الرسوم السابقة لا يتجاوز سقفها 800 دولار.

Leave a Reply