الرئيسية رأي هزيمتنا الكبرى هي في الشمولية

هزيمتنا الكبرى هي في الشمولية

باز بكاري
صحفي كردي، من مدينة عامودا بريف الحسكة، مدير سابق في القسم الكردي في وكالة قاسيون للأنباء، وينشر مقالات باللغتين الكردية و العربية عبر مجموعة من الصحف العربية والكردية.
مشاركة

«لا نعلم أين هو. سنبحث عنه عند الرفاق»!

هكذا أفادت الجهات الأمنيّة التابعة للإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة في الجزيرة عن اختطاف قادة سياسيين تابعين للمجلس الوطنيّ الكرديّ، وتعود نفس الجهة وتقول إنّ المعتقلين السياسيين مقدمٌ بحقهم شكوى من مؤسسة عوائل الشهداء. تلك الّتي تصفي باسمها الإدارة الذاتيّة حساباتها مع الآخر المخالف لها سياسيّاً.

وكانت الإدارة الذاتية قد اعتقلت أولاً المنسق العام لحركة الإصلاح الكرديّ، فيصل يوسف، ومن ثم اعتقلت سكرتير حزب المساواة الكرديّ في سوريا، نعمت داوود. طلبت الأسايش من عائلة يوسف إحضار حاجيات خاصة به من ثياب ودواء، نظراً لكبر سنه ومعاناته من مرض في القلب، في حين أن مصير داود لا يزال مجهولاً حتى الآن والأسايش ترفض تقديم أي معلومات عنه.

التهمة المتداولة ضدهم هي أنهم سبب في خسارة عفرين. كيف ذلك؟! والإدارة ذاتها استمرت في نفي وجود شيء اسمه المجلس الكردي على مر سنوات مضت، وقدمته على أنه شكل فارغ المضمون، فهل للهياكل الفارغة الهشة أن تساهم في أي حدث، سلبية كانت نتائجه أم إيجابية؟! ودائماً وفق منظور القائمين على الإدارة الذاتية نفسها.

جلّ التكهنات الّتي بدت في حديث المهتمين بالشأن العام الكرديّ في سوريّا، ومن غير الكرد، بأن النكسة الأخيرة في عفرين ستكون مفصلية في البرامج السياسيّة للسلطة الكردية في شمال سوريّا، وسيكون في الحدث الأخير شيء من الفرصة في إعادة النظر والتصور في الممارسة السياسية والسلطوية والنهج الّذي تتبناه تلك السلطة، وهذا ما لم يحدث.

الحال أنّ خسارة عفرين وسقوطها بيد الفصائل الإسلامية الراديكاليّة المدعومة من أنقرة زاد من اعتباطية الإدارة الذاتية، وبدأت بالاختطاف السياسي سبيلاً لتلافي مواجهة خساراتها السياسيّة والعسكريّة، مرافقة العملية بحملة إعلامية ضد الخصم المتمثل في المجلس الوطني الكردي، والذي هو بدوره غض النظر عن «تخريفات» رفاقه في إسطنبول، العاملين كممثلين عنه في المعارضة السورية، بأن برر لهم وقدمهم كوطنيين، مع العلم أن تصريحاتهم بعيدة كل البعد عن توجهات المجلس الكردي، والمجلس نفسه يعرف أنهم لا يعيرونه اهتماماً، وهم أصلاً وجهوا دفة سفينتهم عن مسار المجلس المعلن، لا بل أخرت تلك المواقف بلورة الموقف النهائي للمجلس من حدث عفرين.

وفقاً لهذه الإشكاليّة، فإن المنطقة الكردية في سوريا صارت باحة لتراكم أخطاء كل الأطراف السياسية، وسبباً لزيادة الفجوة بين الفرقاء السياسيين. المفارقة هنا أن تلك الخسارات الّتي أفرغت القضية نفسها من مضامينها اعتبرت نصراً، ولم يعترف أحد منهم بالهزيمة، زد على ذلك أنهم صاروا يعتبرونها شيئاً من الزهو الدال على الانتصار، وإن كان من اعتراف بهزيمة فيلقى بالذنب على الخصم المقابل.

الديمقراطيّة الكرديّة تشبه الديمقراطيّة البعثيّة الّتي تلد العبثيّة من رحم فرض الأمان، مع سوق مبررات وتهم من قبيل الخيانة وإفساح المجال أمام العدو المتغول، وتحوّل الأمر إلى ثقافة تراهن على وجود الأمان مقابل فرض الفكر والأيديولوجيا وإقصاء المختلف سياسياً، حتى وتحويل ضحاياها إلى أداة لتصفيّة السياسيين والأحزاب. وربط كلّ ما هو موجود بها وبثقافتها الفكريّة، حتى مصير الشعب.

الإدارة الذاتيّة لا يمكنها تجاوز حالتها الشموليّة أو الخروج من أطر الخلاف السياسيّ والحرب العسكريّة، لأنّ أساس ولادة هكذا تيارات مبنيّ على الصراع، وإن حدث وانتهى الصراع مع العدو، أياً كان العدو، ستخلق آخراً مع الشعب، فالشعبويّة بطبعها تؤسس على ذلك، ونهايّة الصراع يعني نهايّة وجودها وضرورتها.

وبغض النظر عن أن أعضاء المجلس الكردي يُعتقلون على يد من يفترض أنهم رفاق ضد ذات النظام الذي أمعن في قمعهم، كما أن المشكلة ليست في فعل الاعتقال طبقاً لقوانين الإدارة الذاتيّة، بل في أن هذه الإدارة نفسها لا تطبق قوانينها، وتخالفها في ممارساتها السياسيّة، وتجعلها عرضة لعبث ميليشيات يتوافق مزاجها مع مزاج القائمين على السلطة ذاتها، مثل كلّ الأنظمة الشموليّة، فيصير الاعتقال خطفاً في التفاصيل.

على ذلك أُسِّست الإدارة الذاتيّة، وكانت هي السلطة التي هجرت فيما بعد فئات معينة يمكن أن تكون رادعاً لعملها في المستقبل، وأسّست بدورها كلّ المؤسسات التقليديّة الّتي تربط المدنيين بها، واحتكرت العمل السياسيّ، وأنهت وجود مخالفيها، على الأقل في المنطقة الكرديّة، ونجحت في تسخير الإعلام فقط لما يعبر عن أفكارها، وبدأت الآن بدورها المتوقع في محو مؤسسات المجتمع المدنيّ، ليكون حزب الاتحاد الديمقراطي هو الحزب الوحيد، القائد للدولة والمجتمع، وجميع المؤسسات المسموح لها بالعمل يجب أن توافقه في الفكر، ويفضل أن يكون هو من رسم ملامحها وقدمها بصيغ مختلفة.

الإدارة الذاتيّة ترنو نحو كمّ أكبر من القمع، وباستخدام أدوات جديدة وأسباب محدّثة لتلافي فقدان الثقة الشعبيّة، وهذا ما تبيّنه ممارساتها الأخيرة، حتى يصل بنا هذا اللهو في السياسيّة إلى القعر، بعدما توقّعنا أنّنا صرنا في علو القضيّة ومكسبها، لكن طالما أنّ الهزيمة الأخيرة لم تصر كما تعريفها الأدق، فنحن سائرون بأريحية مطلقة في الطريق نحو الهزيمة الكبرى، الّتي من شأنها أن تعيدنا إلى ما قبل الثورة، إن لم يكن إلى ما هو أسوأ كحال باقي المناطق السورية.

Leave a Reply