الرئيسية رأي الانتخابات العراقيّة: السيناريو الكردي الأسوأ منذ 2003

الانتخابات العراقيّة: السيناريو الكردي الأسوأ منذ 2003

شورش درويش
كاتب كردي من سوريا يكتب في العديد من الصحف والمواقع العربية.
مشاركة

بعبارات مقتضبة، يمكن وصف واقع إقليم كردستان بالسيئ والمأزوم بينما هو مقبل على خوض الانتخابات البرلمانيّة العراقيّة، ذلك أنه خرج من العديد من المعارك مهزوماً ومنكسراً وفاقداً للإرادة السياسيّة والدعم الشعبي. ولعلّ معركة الاستقلال التي باءت بالفشل، ثم عدم تحوّل ورقة الاستفتاء إلى ورقة ضاغطة على بغداد بغية تحقيق بعض المكاسب لسكّان الإقليم، كانت كفيلة بأن تطيح بالطبقة السياسيّة الحاكمة، إلّا أن تعقيدات الوضع الداخلي الكردي حالت دون الإطاحة بالحكومة أو تهاوي الأحزاب، وعلاوة على ذلك شكّلت خسارة الأراضي الكردستانيّة المتنازع عليها، وفي مقدّمتها كركوك التي تمّ تحريرها بالدماء والجهد، والتي صوّرت على أنها الحدود التي «ترسم بالدم»، أكبر المشكلات التي سيعاني منها الإقليم نتيجة لما أظهرته تلك الخسارة – الهزيمة من مقدار كبير من الانقسام الكردي الداخلي ودأب الأحزاب للحفاظ على مكتسباتها الحزبيّة.

في الأثناء، تعاني كردستان من خلل في شبكة العلاقات الحزبيّة ومن سوء تفاهم عميق وخلافات لا تقاس بالخلافات السابقة التي كادت أن تكون منعدمة خلال الانتخابات البرلمانية العراقيّة 2014، إذ تأتي هذه الانتخابات في ظل تفتق عرى التحالف الاستراتيجي بين حزبي الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، وفي ظل بروز تيّارات سياسيّة جديدة كالتحالف من أجل الديمقراطية والعدالة بقيادة برهم صالح، وحركة الجيل الجديد التي يتزعمها شاسوار عبد الواحد، ولعل هذين التيارين سيساهمان إلى درجة كبيرة في ازدياد عمليات القضم الانتخابي والجماهيري من رصيد الاتحاد الوطني الكردستاني الذي سبق وأن عانى من تآكل شعبيته جرّاء خوضه تنافساً مع حركة التغيير (كوران). وعليه، قد تشهد هذه الانتخابات خسارة كبيرة ومتتالية للاتحاد الوطني الكردستاني جرّاء ازدياد خصومه في مناطق سيطرته التقليديّة (السليمانيّة وكركوك)، ونتيجة خسارته وشريكه الأسبق، الديمقراطي الكردستاني، السيطرة على المناطق المتنازع عليها، والتي يغلب الظن أن سكان تلك المناطق لن يندفعوا لاختيار مرشّحي الحزبين كما في السابق، وبالتالي قد تشهد هذه الانتخابات انخفاضاً في نسب التصويت للحزبين، وإن كان الضرر الذي سيلحق بالاتحاد الوطني أكثر فداحةً لاسيّما في كركوك التي خسر فيها الحزب ممثّله الشخصي وحضوره السياسيّ والأمني، وإن حاول قياديون في الاتحاد، كحال لاهور شيخ جنكي طالباني، إعادة ترتيب أوضاع حزبه بداخلها، إلّا أن الحكمة التي يمكن التذكير بها هو القول إن البكاء لا ينفع على اللبن المسكوب.

في إزاء الاتحاد الوطني، الذي تعرّض لانشقاقات كبيرة وكذلك المنقسم تنظيمياً بين تيارين متباينين منذ أن طوّق الجيش والحشد الشعبيّ كركوك وحتى اللحظة، ثمّة تقديرات تذهب إلى إمكانية احتفاظ الديمقراطي الكردستاني على قدراته التصويتيّة وعلى مقاعده السابقة، لا سيما في مناطق نفوذه التقليديّة في أربيل ودهوك وزاخو، وقد يحالفه الحظ في جني بعض الأصوات داخل كركوك التي برع في مغازلة مواطنيها الأكراد إبّان أزمتها السابقة، بالإضافة إلى تماسك البارتي تنظيمياً على الرغم من غياب الرئيس الأسبق مسعود البارزاني عن تصدّر المشهد ليتم تعويض الكاريزما من خلال تولّي نجله مسرور، ورئيس الوزراء نجرفان البارزاني، مهمّة قيادة الماكينة الدعائيّة للانتخابات، وبالتالي الإبقاء على ما يمكن تسميته بـ «كاريزما السلالة»، وفق تعبير للمفكر العراقي حسن العلوي . ربما يضاف إلى قوّة الديمقراطي في هذا السياق قدرته على الحفاظ على شبكات الولاء العشائريّة والزبائنية وقطع الطريق على التعدّدية الحزبية في الكثير من معاقله التقليديّة.

الغالب على الظن أن الانتخابات ستؤثر على الواقع الكردستاني في المرحلة اللاحقة، أي بعيد عملية الفرز وتحديد المقاعد التي حازتها الأحزاب والكتل، وإن كان تراجع عدد المقاعد الكردية متوقّعاً، إلّا أن الأسوأ هو أن يتوقف الأكراد عن لعب دور رمّانة الميزان المرجّحة لكفّة هذه الكتلة البرلمانية أو تلك، كما حصل في انتخابات 2014 حين عمدت الكتلة الكردستانية الموحّدة إلى ترجيح كفّة نوري المالكي النيابيّة في مقابل منافسه إياد علّاوي، الأمر الذي سمح للإقليم حينها بجني بعض ثمار الدور الذي قادوه في بغداه، لكن والحال هذه، قد يصار إلى دور كردي أكثر هشاشة داخل بغداد نتيجة الانقسامات الحادة، وتراجع دور الأحزاب الرئيسيّة، بالإضافة إلى الصيغة الجديدة التي بدأت تمارسها أغلب الأحزاب الكردستانية، وهي صيغة موالاة بغداد، بل واستقواء البعض بها بالضد من خصومهم المحليين، لذا قد نشهد في الفترة اللاحقة خلافات سياسيّة حادّة وصدامات بين تيارين كرديين أحدهما كردستاني الهويّة، والآخر عراقيّ الهوى، على الرغم من أن المصلحة تقتضي أن يكون الأفرقاء الكرد متفقين حتى نخلص إلى كتلة واحدة تكون كرديّة الهويّة وعراقيّة الهوى في الوقت عينه، وإلّا فالأوضاع السياسيّة للإقليم قد تسير وفق سيناريو هو الأسوأ منذ العام 2003.

Leave a Reply