مشاركة
شيار خليل
صحفي وناشط حقوقي، عمل في المجال المرئي والالكتروني، له مقالات وتحقيقات باللغة العربية والفرنسية في عدد من المؤسسات الإعلامية المحلية والدولية.

مع بدء الهجمة التركية على مدينة عفرين شمال حلب، بدأت قوافل بشرية كبيرة تزحف باتجاه مناطق نبل والزهراء التابعتين لميليشيات النظام السوري، والمناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الشهباء، إلا أن تلك المناطق لم تكن جاهزة لاستقبال المرضى وكبار السن ومن يبحثون عن العيش بسلام وأمان، فكانت الوجهة حلب المدينة بطرق ‹غير شرعية›، وربما أحياناً كثيرة بطرق تشبه التنقل بين عدة دول واقعة بين قارات مكتظة بالأسوجة.

طريق نبل حلب… احتيال الأرواح

الظروف الصحية والاجتماعية السيئة، وآثار الحرب التي يسمع صداها من جياي كورمينج (جبل الأكراد)، مع خوف الانتظار من مصير مجهول قادم، كلها دفعت محمود نجار، أحد المجبرين على النزوح إلى نبل والزهراء، للتفكير بالنزوح من جديد باتجاه حلب مركز المحافظة مع عائلته الصغيرة المكونة من ثلاثة أطفال وزوجة تعاني من أمراض مزمنة في جسدها العليل.

لم يتحمل محمود الاستغلال الموجود من قبل الميليشيات التابعة للنظام في المنطقة، فقرر أن يسلك درب التهريب باتجاه المحافظة من خلال المهربين المتواجدين في نفس المنطقة، والذين لا يوفرون أي فرصة لاستغلال من يملك، كما يقول محمود، «ورقة خضراء».

«دفعت كل ما أملك من مال»، يقول محمود. «استمر الطريق 15 ساعة لمسافة تقدر بـ 23 كيلومتراً سيراً على الأقدام وفي ظروف جوية سيئة برفقة أطفالي وزوجتي، فالطريق الذي نستطيع أن نعبره خلال ساعة وصل إلى 15 ساعة إضافة إلى المعاناة البشعة التي واجهتنا. قرار النزوح أمر صعب علينا جميعاً، ولكن وسط هذه الفوضى وصوت المدافع لم أستطع العيش أنا وأطفالي هناك فقررنا النزوح».

نوايا المهربين في الاحتيال على أهالي عفرين

لكل شخص دخل أراضي حلب المدينة ‹بشكل غير شرعي› قصة سمسرة عانى منها ودفع ثمنها باهظاً، فليست قيمة المبلغ وارتفاعه مؤشراً على أمان الطريق وسلامته، إنما المهرب ونواياه وارتباطه مع الضباط التابعين للنظام السوري يحدد بأن تصل بخير وسلامة أم لا.

شيروان علي، شاب في الثلاثينيات من عمره، وقع ضحية تلاعب المهربين به واستغلال وضعه المادي الجيد، فبعد وصوله إلى منطقة نبل متجاوزاً الحواجز المتنوعة المجاورة لمدينة عفرين، تواصل مع أحد المهربين الذي طلب منه مبلغاً وقدره 3000 دولار أمريكي مقابل توصيله هو ووالده ووالدته إلى مدينة حلب. موافقة شيروان على الرحلة، كما يقول، كانت الخطوة الأولى نحو الهلاك واتخاذ قرار العودة بشكل تدريجي نحو عفرين.

يضيف شيروان: «لم أكن أعلم أن المهرب سيقوم بتركنا قبل الوصول إلى المدينة، إذ تركنا في مدينة حريتان بحجة أن هناك دورية تابعة للفرقة الرابعة تقوم بتفتيش السيارات بشدة وتدقق في هوية الركاب. تركنا هناك بين المنازل واختفى كالبرق، لنتفاجئ بعد عدة ساعات أننا تعرضنا لعملية نصب واحتيال كانت نتيجتها خسارة مبلغ مالي كبير».

يتابع شيروان الذي يحمّل نفسه نتائج قرار النزوح باتجاه حلب وإقناع والديه بذلك: «لم أكن أتصور أن نستغل إلى هذه الدرجة في ظرف إنساني كان يفترض أن يساعدنا أحد فيه لنكون بأمان، فالخيارات كانت محدودة ولا أمان في تلك المناطق، لكن بعد تعرضنا للاحتيال والنصب، قررت العودة باتجاه نبل من جديد سيراً برفقة والديّ، وبعد فترة من تكرار عملية التهريب باتجاه حلب ورؤية عمليات النصب والاحتيال المتكررة قررت التفكير بشكل جدي بالعودة إلى عفرين».

الجيرة الجغرافية مع نبل… وصندوق الباص المغلق

لم تشفع «الجيرة» الجغرافية والاجتماعية بين نبل وعفرين لتخفيف معاناة نازحيها، فاللاعب الأكبر هنا هو المال وسطوة المهرب وعنجهيته في توصيل المدنيين لحلب أم لا. حسن محمد، خمسيني العمر قرر هو وزوجته الأربعينية النزوح باتجاه حلب بمبلغ مالي قدره خمسة آلاف دولار أمريكي وثلاث ساعات فقط، إلا أن حظهما لم يكتمل، فكان مصيرهما الاعتقال من قبل فرع الأمن العسكري بحلب على حاجز بمدخل المدينة.

يقول حسن وهو يذرف دموعه بحذر: «لم أكن أتصور أن نصل إلى مدخل المدينة فنعتقل، بعد أن قام المهرب بتسليمنا للحاجز بأننا نريد الدخول للمدينة بطريقة غير نظامية. بقينا عشرة أيام في فرع الأمن العسكري بين تحقيق ومعاناة، وبعدها تم نقلنا من جديد إلى مخيم في منطقة تل رفعت التابعة للنظام وقسد، لكن ذلك لم يمنعني من المحاولة مجدداً للهروب من المعاناة والموت اليومي في تلك المخيمات».

يضيف حسن بابتسامة خجولة مرسومة على وجهه المجعد: «حاولنا مرة أخرى أنا وزوجتي، ولكن هذه المرة كانت المحاولة من خلال وضعنا في صندوق مخفي لحافلة نقل ركاب كبيرة (بولمان). تم وضعنا فيه بشكل سري لنصل بعد ساعة كاملة من الوقوف منحنين داخل ذلك الصندوق إلى مدينة حلب مقابل مبلغ مادي قدره 4500 دولار أمريكي، ومن ثم خرجنا من الأراضي السورية لإحدى الدول المجاورة بطريقة رسمية».

تجارة الأرواح والمحاصصة المالية

تتوزع شبكة المهربين على امتداد الحدود الإدارية لنبل والزهراء وبإشراف من قادة مختصين بهذه الأمور، حيث تتوزع المبالغ المادية التي يحصلون عليها بين الوسيط الذي يعد الحلقة الأبرز في هذه العملية، والحاصل على القيمة الأكبر ربما من الغنيمة، والمكاتب العقارية شبه العلنية التي تتفق مع الضباط، وسائقي الحافلات والسيارات على الطريق بين حلب ونبل.

‹أبو زينب› هو أحد السماسرة العاملين في هذا المجال، والذي يقول إنه يقدم العون للكثير من المدنيين القادمين من عفرين لإيصالهم إلى بر الأمان في مناطق تناسبهم، إلا أن أبا زينب يركز ويصر على أن الموضوع برمته هو «عبارة عن مساعدة وليس كما يقولون ابتزاز للمدنيين».

ويضيف قائلاً: «دوري هو استقبال العوائل النازحة من عفرين والبحث عن الذين يرغبون بالتوجه نحو حلب. بعد اللقاء مع العائلة ومعرفة عددهم اتفق معهم على السعر المناسب لنقلهم، ومن ثم الاتفاق مع المكتب العقاري أو الشخص المعني بالنقل، وهنا ينتهي دوري فأقبض على كل شخص 300 دولار أمريكي مع ضمان وصولهم إلى المدينة بأمان».

«أهالي عفرين أهلنا وأصدقائنا»، ويكمل أبو زينب: «ولكن الكل يعلم أن الوضع الحالي والميداني فرض علينا واقعاً جديداً، إما أن يجلسوا ويقيموا في مناطقنا داخل منازل مفروشة وجاهزة مقابل مبلغ مادي باهظ، أو الانتقال إلى حلب للبحث عن حياة تناسبهم، ودوري هنا أن أساعدهم في ذلك مقابل مبلغ مالي معين».

أما السائق فلديه، إضافة لهذه المهمة، طرق جديدة ومبتكرة للاحتيال والنصب على الأهالي، من بينهم يوسف، أحد سكان حي الأشرفية بعفرين، الذي حدثنا أنه في منتصف الطريق خيره السائق بين تسليمه للأمن السوري ومن ثم الاعتقال، أو إعطائه كل ما تملك زوجته من ذهب وما يملكون من مال، أي بين الموت أو التعرض للسرقة والوصول إلى حلب، فكان قرار يوسف منحه كل ما يملك من ذهب ومال ليتركه وعائلته على مدخل المدينة في حلب يبحث عن مكان ينامون فيه بعد رحلة طويلة من العذاب.

في حين يخبرنا السمسار حيدر أبو علي: «الطرق التي أحاول تأمينها لنازحي عفرين باتجاه حلب، هي طرق تؤمن من خلال الضباط والمختصين العارفين بوضع تلك الحواجز على الطريق، لذا المبلغ الذي أطلبه منهم هو لتأمين حياتهم وحياة أطفالهم، وعندما يصلون وسط المدينة وقتها استلم المبلغ بشكل كامل. لم يكن هذا قرارنا بل قرار الأهالي النازحين باتجاه مناطقنا، ثم إلى حلب المدينة».

ويكمل أبو علي: «بالطبع، القبض لدي يكون بالعملة الخضراء أي الدولار، لأن العملة السورية لم يعد لها قيمة وأهالي عفرين أغلبهم يملكون العملة الأجنبية التي تسمح لهم اجتياز هذه الحواجز».

برادات الموت على طريق حلب

لم تكتف طرق تهريب العفرينيين من نبل والزهراء إلى حلب بوسائل النقل المعتادة، بل تجاوز الحد ذلك، ليستعين المهربون ببرادات الشحن الكبيرة والصغيرة، حيث يخزن فيها عدد لا بأس به من المواطنين، وتستمر الرحلة ثلاث ساعات متنقلة بين الحواجز للوصول إلى حلب.

استعانت فاديا ووالداها بإحدى البرادات لينتقلوا للمدينة، وقالت لروك أونلاين: «كلفتنا الرحلة مبلغاً كبيراً من المال، والكثير من الأمراض، إذ بدأت من داخل مدينة نبل بجوار عفرين. كان عددنا يقارب 20 شخصاً بين أطفال ورجال ونساء داخل إحدى برادات الشحن الصغيرة التي أطفأت مكيفات التبريد داخلها، واختنق شخصان كانا بجوارنا نتيجة ضيق المكان وحالتهما الصحية السيئة».

أما رشيد علي مردني من عفرين فيقول: «كانت الخيارات محدودة جداً أمامنا، إما أن نقبل بعرض البراد، أو أن نتعرض للاعتقال والعودة من جديد لمشوار جديد من رحلة النزوح والعذاب. وافقنا على ركوب البراد مقابل أخذ سيارتي التي جلبتها معي إلى نبل. بالفعل، وصلنا إلى المدينة بعد مضي ثلاث ساعات ونصف، ولكن كاد الهواء أن ينقطع عنا داخل تلك المبردة المطفأة التي حبست كل أحلامنا هناك لنصل بها إلى مكان لا مكان لنا فيه».

قرار العودة إلى عفرين

لم تعد الفرص الممنوحة لأهالي عفرين بالنزوح اتجاه المناطق الأخرى آمنة أو كفيلة بتقديم ظرف أفضل لهم مما هو في مدينتهم، فأغلب المدنيين الذين تعرضوا لعمليات السرقة والاحتيال من قبل تجار البشر في نبل والزهراء قرروا العودة نحو عفرين بطرق شبيهة بتلك التي تتجه نحو حلب، ولكن هنا الرجوع يكون باتجاه المنزل الذي سلب وسرق بعد نزوحهم.

جوان الذي أصابته نكسة صحية بعد تعرضه للسرقة في نبل، لا يزال ينام على حاجز الزيارة بمدخل عفرين منذ عشرة أيام منتظراً الفرصة المناسبة لدخول منطقته، فيقول: «لن أتردد أبداً في موضوع العودة لمنزلي من جديد، فمهما كانت الظروف التي تنتظرني هناك هي بكل تأكيد ليست أبشع من عمليات الابتزاز التي تعرضنا لها في نبل. لقد نفذ كل المال الذي كان لدي، والظرف الصحي لي ولعائلتي في تراجع مستمر، وقرار العودة هنا هو الصواب لحفظ ما تبقى من كرامتنا».

أما ناز التي تفترش الطريق بمفرق الزيارة هي وولديها تذرف ما تبقى من دموعها لتقول: «لا وطن لنا هنا في هذه البلاد التي فصلتنا عن منازلنا، فالموطن الأصلي هو حيث ذكرياتنا وأحلامنا. الابتزاز الذي فرض علينا من قبل الميليشيات في مناطق النظام السوري لا يمت بصلة لأخلاق الجيرة والوطن الواحد، فحتى وجود أطفال صغار من دون أب معي لم يشفع لي عندهم للكف عن سرقتي وتعنيفي والسماح لي بالعودة من مفرق مدينة حريتان باتجاه مفرق عفرين».

ما زالت مأساة أهالي عفرين النازحين مستمرة، في ظل انعدام وسائل الأمان والحماية لهم ولأطفالهم حتى في مناطق النظام السوري، فالعفريني لديه خيارات معدودة لا غير، إما العودة باتجاه منطقته وانتظار المصير المجهول هناك حيث الفوضى والسرقات المتفشية، أو البقاء تحت رحمة تلك الميليشيات المتطرفة في نبل والزهراء والعيش على المساعدات الشحيحة المقدمة من قبل بعض الجهات التي  تؤمن السكن لهم في الحسينيات التابعة للمنطقة، أو اللجوء للخيار الصعب والأخير ومحاولة المجازفة بالوصول إلى مدينة حلب بطرق ربما تعرضه للقتل أو الاعتقال في ظل استغلالهم من قبل تجار البشر المنتشرين على مسافات فاصلة بين موطنهم الأصلي ومصير جديد لا يعلمون نهايته.

Leave a Reply