مشاركة
حمزة همكي
صحافي مقيم في قامشلو له العديد من التحقيقات والتقارير المنشورة في الصحف والمواقع المحلية.

أتت الإدارة الذاتية المعلنة من قبل مجموعة أحزاب سياسية منضوية في حركة المجتمع الديمقراطي (TEV- DEM) عقب اندلاع الحرب في البلاد كظرف طارئ لملأ الفراغ الذي حصل جراء انسحاب النظام السوري ومؤسساته بالسلم أحياناً، نتيجة تأزم وضعه مع معارضي الداخل، وأحياناً أخرى أتت هذه الانسحابات بعد مواجهات مع وحدات حماية الشعب.

لكن، وعلى مدى السنوات التي أعقبت هذا الإعلان، لم تتمكن السلطات المحلية من سد الفجوة بينها وبين مواطنيها، وبصورة خاصة الشريحة المدنية المعارضة للسلطات على أساسٍ أيديولوجي بالدرجة الأولى، وتزداد هذه الفجوة اتساعاً كلما أقرت مؤسساتها التشريعية قانوناً جديداً، لا سيّما إذا لامس هذا القانون الوضع الاقتصادي أو المعيشي للسكان.

وتتميز علاقة السلطة المحلية مع مواطنيها بوجود ثغرات يصعب سدها في كثير من الأحيان ما يؤدي إلى خلق مشكلات تتعلق بقضايا سياسية وأيدولوجية وأخرى تتعلق بمتطلبات الحياة اليومية والخدمات وفرض الضرائب.

مواطن لا يشارك في صنع القرار المحلي

تميل آراء شريحة واسعة من المواطنين والمراقبين في منطقة الجزيرة إلى عدم قدرة المواطن على المشاركة في صنع القرارات المحلية في مختلف الشؤون، والتي تصدر عن الإدارة الذاتية بين الحين والآخر.

يقول أبو أحمد، وهو صاحب محل لبيع الألبسة النسائية، في حديث لروك أونلاين إنه كـ «فرد» في ظل هذه الإدارة «غير مقتنع بما تصدره مؤسساتها من مراسيم».

ويعلل أبو أحمد نظرته تلك بالقول: «كيف لي أن أشعر بمشاركتي في صنع القرار في ظل سيطرة غالبية أشخاص فاسدين على الكومينات، والتي من المفترض أن تكون رسول المواطن إلى هيئات الإدارة الذاتية ومسؤوليها».

في الثاني والعشرين من أيلول/سبتمبر من العام الماضي، نظمت المفوضية العليا انتخابات لتشكيل لجان الوحدات الصغيرة في القرى والبلدات وأحياء المدن والتي تطلق عليها الإدارة الذاتية مصطلح الكومينات.

وانتقد مراقبون هذه الانتخابات بالقول إنها افتقرت إلى العديد من مقومات العمليات الانتخابية المعروفة في العالم، في وقت رأت فيها شريحة واسعة أخرى أنها كانت حلماً مقارنة بـ «مهازل الانتخابات» أيام سلطة دمشق بالنسبة لمواطني الإدارة الذاتية، وبشكل خاص الكرد على الرغم من بعض الخروقات.

ويرى حسام إسماعيل، وهو خريج جامعي يقيم في مدينة قامشلو، في حديث لروك أونلاين أن «قضية مشاركة المواطنين في صنع القرار في ظل الإدارة الذاتية تعاني غياباً واضحاً وشديداً».

ويقول: «فما لم يكن هناك ممثلون عن أفراد الشعب وبكل أطيافه وانتماءاته، حتماً ستكون المشاركة مشلولة ومفروضة، وبالتالي انعدامها، وما لم تكن السلطة خارجة من رحم الشعب لن تستطيع أن تجعلهم يمارسون دورهم الحقيقي في المشاركة الفاعلة في صنع القرار وإنتاجه».

اعتراف رسمي

لا ينفي الرئيس المشترك للمجلس التشريعي في مقاطعة الجزيرة حكم خلو وجود هوة بين السلطة والمواطن، ويشرح ذلك قائلاً: «عانينا من هذه المشكلة لدى تشكيلنا للإدارة الذاتية لأننا حينها لم ننطلق من القاعدة، لم ننطلق من تشكيل المجالس والكومينات، وإنما جاءت الإدارة من الأعلى (من فوق)».

ويتابع خلو: «وبعد أن أكملنا تشكيل هيكلية الإدارة بتشكيل مؤسساتها ومديرياتها الفرعية، استهلك ذلك الكثير من الوقت».

لكنه يرى أن المواطن مشارك في صنع القرار من خلال تمثيل كل المكونات في هذا المجلس.

وهنالك لجنة قانونية في المجلس التشريعي منوط بها إعداد مسودات القوانين والنظر فيها بناء على مقترحات لجان الهيئات المختلفة واتحاداتها، بحسب خلو.

مؤسسات تعاني سوءاً في التخطيط

تشكلت على إثر إعلان الإدارة الذاتية عشرات المؤسسات المدنية والأمنية شملت معظم مناحي الحياة، حتى أنها تخطت في تشكيلاتها المؤسسات الحكومية المعروفة في الدول، إذ ابتكرت العديد من الهيئات الخاصة بالمرأة، ونظاماً قضائياً ضم محاكم وأساليب لم يكن السكان المحليون قد سمعوا بها سابقاً.

إلا أن الكثير من هذه المؤسسات والهيئات تواجه انتقادات شديدة من قبل نشطاء ومواطنين، وتتهم بسوء الإدارة وعدم نضوج خططها وارتجاليتها في كثير من الأحيان.

ويعتقد الصحافي جوان تتر أن «الفجوة بين هذه المؤسسات والمواطنين موجودة بوضوح». ويشرح قائلاً: «من أهمّ أسباب هذه الفجوة هي أن أغلب القرارات الصادرة فيما يخصّ المعيشة اليومية وتكوين الحياة اليوميَّة من الجهات المختصَّة تكون ناتجة عن النظر بعين ناقصة إلى الاحتياجات، أو ربمّا التخطيط يكون ناقصاً، ما يؤدي في طبيعة الحال إلى خطأ القرار وبالتالي نتائج ناقصة».

ويزيد الصحافي: «ثقافة الشكوى نادرة لدينا في المنطقة بشكل مرعب، وإن وجدت هذه الثقافة فتكون في منحاها الخاطئ حتماً، أعني أن المواطن الذي يشتكي في أغلب الأحيان يتوجّه بشكواه إلى الكائن الخطأ في الهيئات، إن افترضنا أن هناك كائنات خاطئة بطبيعة الحال ولحداثة التجربة في أماكن غير صحيحة تتولّى مهامّ معينة».

ويرجئ حسام إسماعيل سبب الهوة إلى الآليات التي يقوم بها المعنيون من خلالها بتنظيم شؤونهم وعملهم الرسمي، في ما يخص «العمليات الديمقراطية في اختيار صنّاع القرار بشكل عام».

ويتهم إسماعيل هذه المؤسسات بـ «الاستناد على الجانب الشمولي في الإدارة».

عدم القدرة على احتواء المعارضين

تواجه الإدارة الذاتية شريحة عريضة من المعارضين السياسيين من أنصار المجلس الوطني الكردي، أكبر كتلة سياسية مناوئة للإدارة، واعتلقت السلطات المحلية مراراً كوادر وأعضاء من المجلس على خلفيات سياسية، ولا يزال عدد من كوادر المجلس يواجهون السجن بتهم غير واضحة بحسب نشطاء المجلس.

وتعالت أصوات نشطاء ومثقفين كرد مراراً بإيجاد حلٍّ يرضي الطرفين، لكن إلى هذه اللحظة لم تتمكن الإدارة الذاتية من إغلاق هذا الملف الذي يعتبر أكثر الملفات الشائكة.

وينتقد أنصار المجلس الكردي ويعارضون معظم قرارات مؤسسات الإدارة إذ يعتبرونها أحادية الجانب.

يقول الصحافي جانو شاكر: «لا يبدو أن مؤسسات الإدارة الذاتية مهتمة أصلاً بكسب شريحة المعارضين وفق ما تظهره ممارساتها خلال السنوات الماضية، ذلك أن المحسوبية والانتقائية في تقديم الامتيازات والخدمات لمناصريها أمر واضح للعيان».

و يرى شاكر أنه «على الرغم من أن الواقع يظهر وجود جهد كبير تقوم به الإدارة لصالح المنطقة، وهو ما قد يساعدها على كسب هذه الشريحة إن أرادت ذلك»، مستدركاً: «إلا أن عمل مؤسساتها لم يرقَ بعد إلى سوية العمل المؤسساتي، كما أن الطابع الحزبي والعقلية الحزبية لدى بعض الفئات ضمن مؤسسات الإدارة تعيق حصول هذه الإدارة على دعم مختلف شرائح الشارع الكردي بالدرجة الأولى».

لكن السيد حكم خلو لديه رؤية مختلفة، إذ يشرح وجهة نظره بالقول: «المعارض نوعان، فهناك معارض ينطلق من أمور سياسية، وهذا النوع لا يمكن أن تقنعه ولا بأي شكل من الأشكال، فمثلاً لو أتيت له بالشمس من المشرق سيقول يجب أن تأتي لي بها من المغرب».

ويقول: «هناك معارضون يقبلون بالإدارة الذاتية لكنهم يشعرون بالغبن في بعض قراراتها، ونحن منفتحون على هذه الشريحة من خلال تعديل بعض القوانين ورصد الواقع، وبالتالي سد هذه الهوة».

منظمات مجتمع مدني مغيبة

تنشط في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية عشرات المنظمات المدنية، لكنها تواجه انتقادات جمة من قبل نشطاء محليين من حيث ضعف عملها واقتصار العديد منها على تنظيم محاضرات وندوات يقول عنها البعض إنها «لا تسمن ولا تغني من جوع».

ويأخذ المنتقدون لعمل هذه المنظمات عليها عدم قدرتها على التأثير في بعض قرارات السلطة المحلية الخاصة بأمور المعيشة والاقتصاد التي يرونها مجحفة في كثير من الأحيان، كما قانون الضرائب الذي أثير حوله الكثير من الجدل الشعبي.

يؤكد الرئيس المشترك للمجلس التشريعي حكم خلو على أن المواطن يشارك في صنع القرار «عبر مشاركة لجان المجتمع المدني التي سبقت وأن تدخلت في إعداد مسودات القوانين أو بعد صدور القانون وإبداء النقد والملاحظات التي يأخذها المجلس التشريعي بعين الاعتبار».

ويشرح بيروز بريك، وهو إداري في منظمة شار للتنمية، المسألة بالقول إن «المنظمات التي ترى نفسها معنية بالمسائل الخدمية والتنموية وتجد من المفيد أن يكون للمواطنين دور في صنع القرار هي المنظمات المحلية».

لكنه يؤكد على غياب دورها: «المنظمات شبه مغيبة عن صنع القرار لأسباب تتعلق بكون الإدارة الذاتية من طيف سياسي واحد ولا ترى من المفيد إشراك فئات من خارج هذا الطيف في صنع القرار، هذا إن لم تكن ترى في المنظمات أذرعاً لتنفيذ مخططات سياسية أو حتى استخباراتية، كما يدور في كثير من الأوساط المقربة أو الداخلة في جسم الإدارة».

وينتقد المنظمات قائلاً: «ينبغي التذكير بالعوامل الذاتية أيضاً لدى المنظمات من ضعف في الحوكمة ومأسسة الأقسام ورتابة في أداء معظمها وصعوبات في توفير الدعم مما ينعكس على فعاليتها وأداءها».

حلول ممكنة

يرى الصحافي جوان تتر أن الأمر الذي سيردم الفجوة هو «الإعلام وتشجيع ثقافة الشكوى كي تكون الأمور في نصابها ومكانها الصحيحين، فمتى تكوّنت ثقافة الشكوى لدى المواطنين سيكون بالإمكان اتخاذ قرارات صائبة».

ويعتقد حسام إسماعيل أن مشكلة الإدارة الذاتية تكمن في جدلية علاقتها مع المواطن المعارض لها، متسائلاً: «كيف يمكن لها أن تتجاوز محنتها معه، كيف لها أن تقنع هذه الشريحة الواسعة التي تنطلق من تبني أيدولوجية سياسية مختلفة مع الأحزاب التي تهيمن على الإدارة الذاتية».

ويبدي السيد حكم خلو تفاؤله: «حال الانتهاء من المراحل الثلاث للانتخابات التي بقيت منها المرحلة الأخيرة وانتخاب مجلس للشعوب أن هذه الهوة ستتلاشى».

بينما لا يعتقد الصحافي جانو شاكر أن مؤسسات الإدارة الذاتية وصلت إلى سوية تجعل من المواطن والإنسان يشعر بها على أنها مؤسسات وطنية ، «والسبب في ذلك العقلية الحزبية».

في وقت يرى بيروز بريك أنه «يبقى تعاطي الإدارة مع ملف المنظمات ولا سيما المحلية منها رهين قناعات الأشخاص القائمين على هذا الملف ومدى اقتناعهم بجدوى عمل المنظمات من عدمه»، مؤكداً على أن الجدوى «خاضعة لاعتبارات سياسية وأيدولوجية، والهامش الصغير الذي تستطيع فيه التأثير في صنع القرار هو ضمن مجالات خدمية أو تنموية بسيطة ليس إلا».

وإلى حين إيجاد حلول مرضية يرى فيها المواطن المعارض بنوعيه نفسه فيها وفي قوانين الإدارة الذاتية، تبقى الهوة على حالها إلى حين جسرها يوماً ما.

Leave a Reply