الرئيسية رأي تفشي خطاب الكراهية بين الكرد والعرب أمر واقع والحل ليس بتجاهله

تفشي خطاب الكراهية بين الكرد والعرب أمر واقع والحل ليس بتجاهله

باز بكاري
صحفي كردي، من مدينة عامودا بريف الحسكة، مدير سابق في القسم الكردي في وكالة قاسيون للأنباء، وينشر مقالات باللغتين الكردية و العربية عبر مجموعة من الصحف العربية والكردية.
مشاركة

بات أمراً اعتيادياً أن يتحول أي حدث يطرأ على المشهد السوري، إلى مسبب لانتشار سيل من الشتائم والاتهامات المتبادلة بين مختلف مكونات الشعب السوري، سواء كان على أسس أثنية أم طائفية، أو حتى بين مريدي التيارات السياسية السورية معارضة كانت أم موالية.

ويمكن اختزال هذه الظاهرة في مصطلح خطاب الكراهية بين مكونات الشعب السوري، وكانت آخر محطات الشعب السوري مع هذه المعضلة هي الصدام الدامي بين لاجئين عرب سوريين ولاجئين كرد في مخيم ميتليني للاجئين السوريين في اليونان، فبمجرد انتشار الخبر على صفحات التواصل الاجتماعي، بدأ سيل الشتائم المتبادلة بين العرب والكرد.

تبين بعد يومين أن القضية هي اعتداء جماعي لمجموعة من اللاجئين العرب السوريين المنحدرين من المحافظات الشرقية لسوريا (دير الزور والرقة) على مجموعة من اللاجئين الكرد المقيمين في ذات المخيم. هنا انبرت مجموعة أخرى من السوريين، كرداً وعرباً، لتهدئة الوضع عبر تصوير القضية على أنها مجرد شجار بسيط بين مجموعة من اللاجئين ليس إلا، وأن لا أبعاد قومية أو مناطقية لها.

هذه المقاربة تذكرنا بما حدث من تبريرات إبان انتفاضة قامشلو عام 2004، حينها أيضاً اعتدت مجموعة من مشجعي نادي الفتوة القادمين من دير الزور على مشجعي نادي الجهاد لكرة القدم، وكان الأمن السوري قد سهل لهم إدخال أسلحة بيضاء وعصي وحجارة إلى أرض الملعب، حينها تعالت أصوات مجموعة من المقربين للنظام كرداً وعرباً لتقديم القضية على أنها شجار ملاعب ليس إلا، وأنه لا يوجد أي أساس قومي أو عنصري للقضية.

بطبيعة الحال، من المريح وجود أصوات تنبذ العنصرية والكراهية اليوم في سوريا، خاصة مع وجود كم هائل من الأحقاد نتجت عن سنوات سبع من الحرب أتت على ما كان موجوداً من القيم في المجتمع السوري، لكن ما لا يبعث على الارتياح مطلقاً هو تجاهل السبب ومحاولة تسفيه الواقع، و«حجب الشمس بالغربال»، فما حدث قبل أربعة عشر عاماً وما حدث قبل أسبوعين آتيان من ذات المنطلق ولذات الأسباب، والتنكر للشيء لا يعني بالمطلق انتفائه أو عدم وجوده.

ولكن أيضاً، معالجة  قضايا بهذا التعقيد والتأثير لا يكون بتهويدات تشبه تهويدات الأمهات لأطفالهن الذين يأبون النوم. قضية الكراهية تحتاج الوقوف على مسببات انتشار هكذا خطاب، ومغذيات انتعاشها واستمراريتها والاعتراف بوجودها وتشخصيها، ومن ثم البدء بمعالجتها، وليس تسفير القضايا لآجال غير مسماة، وهنا يمكن البحث عن أسباب وجود هذا الكم من الكره بين العرب والكرد خاصة عرب الجزيرة السورية وكردها، أي المكونين الجارين جغرافياً والمتداخلين اجتماعياً.

إرجاع السبب وراء هذا الكره إلى النظام السوري ليس بالأمر الخاطئ، لكن من نافلة القول أيضاً إن النظام السوري خارج اللعبة في هذه المنطقة منذ أكثر من خمس سنوات، وإن عمر الثورة السورية سبع سنوات وحمل نشطاءها في بداياتها شعارات من قبيل «الشعب السوري واحد» والداعية إلى ترسيخ مبادئ العيش المشترك واحترام الآخر، ما يطرح تساؤلاً: ألم يستطع هؤلاء النشطاء أن يجبّوا ما كان قبل الثورة؟ أم أنه يجب الاعتراف اليوم أن ثورة أولئك النشطاء كانت للمطالبة بالسلطة بغطاء مهترئ من الشعارات الداعية إلى أهداف نبيلة، والذي سرعان ما تمزق وأخذته رياح التبعية للعسكر والقوى الإقليمية؟ أظهرنا على حقيقتنا أننا لم نكن واحداً، بل ألف واحد وواحد؟

للمتابع أن يأخذ عينة عشوائية من منشورات السوريين على صفحات التواصل الاجتماعي حيال أي حدث كان، خاصة الأحداث الدائرة في الشمال والشمال الشرقي من سوريا، ليجد أنه مع أي طارئ جديد كان خطاب الكراهية يتصدر المشهد، فمع طرد قوات سوريا الديمقراطية لتنظيم داعش من المدن الحدودية مع تركيا، ومن ثم طرده من الرقة، تعالت الأصوات التي تقول إن الكرد احتلوا مدنناً عربية ويجب طردهم منها، وحتى وصل الأمر بالبعض للقول إنه لا فرق بين القوة الجديدة وداعش، ومن ثم كانت قضية عفرين التي كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، فالغالبية المطلقة من الكرد اعتبروها قضية احتلال تركي لأراضيهم ومدنهم، فيما برر العرب حينها أنها قضية تحرير، ومنهم من ذهب إلى أبعد من ذلك وقال إنها ثأر من وحدات حماية الشعب جزاءً على احتلالها مدناً عربية مثل تل رفعت والقرى المحيطة بها.

وبالطبع لا يزال الصراع محتدماً خاصة مع الأنباء التي تشير إلى مصادرة الفصائل العسكرية المعارضة لأموال وممتلكات المدنيين في عفرين وريفها وإحلال مهجرين من الغوطة الشرقية مكان العفرينيين الفارين من أتون الحرب التي عصفت بمنطقتهم.

إذاً، لا يمكن أن تحل قضية خطاب الكراهية بمحاولتنا تجاهلها أو تسفيه وجودها وتأثيرها على المجتمع، خاصة مع وجود أسباب قوية تشجع هكذا خطاب وتغذيه يوماً بعد آخر، فأهم نقطة للتخلص من هذه الآفة هو التخلص من مسبباتها وقطع الطريق أمام المروجين لها، سواء كانوا شخصيات عامة أم وسائل إعلامية، أو أياً له تأثير على المجتمع.

في ظل الحالة التي نعيشها من فوضى في البلاد، تغيب السلطات الحاكمة القادرة على نبذ هذا الخطاب قانونياً، ففي البلدان التي عايشت الحروب وتفشت فيها آفة الكراهية والعنصرية، استطاعت أن تحاربها إلى حد مقبول عبر قوانين صارمة مفروضة على الأفراد والمنظمات والمؤسسات العامة والخاصة، وهذا ما لا يمكن تطبيقه اليوم في سوريا، لكن أضعف الإيمان أن يكون هناك فكرة ومحاولة للفرقاء القائمين على المجتمع السوري، كل في حيزه السلطوي، لنبذ هكذا خطاب، أقله حتى لا يتطور المرض ويكون سمة للسوريين لعقود قادمة.

1 تعليق

  1. كيف سينتهي هذا المرض اذ كان حتى الان العرب يغذون عقول ابنائهم اجيال ورا اجيال بالكره بينهم و بين الاكراد
    ( أخذت أفكر فيما تفعله العنصرية فينا .. وكيف تشوه الأوطان في أعيننا بلا ذنب ترتكبه الأوطان)
    ستنتهي العنصرية عندما نتوقف عن الحديث عنها

Leave a Reply