الرئيسية رأي الإعلام السوري البديل: لكل المهجرين إلا الكرد

الإعلام السوري البديل: لكل المهجرين إلا الكرد

همبرفان كوسه
صحفي كردي سوري، يكتب باللغتين الكرديّة والعربيّة، له مقالات وتحقيقات صحفية في عددٍ من المؤسسات الإعلامية الكرديّة والعربيّة.
مشاركة

شكلت عمليات التهجير في حمص ودمشق وعفرين، أولى مسارات الحل وفق المفهوم الروسي- التركي- الإيراني، المؤسس له ضمن مذكرة التفاهم الثلاثية في أستانا. ففرغت روسيا والنظام السوري الغوطة الشرقية وهجرت سكانها، وفرغت القلمون وغيرها من مناطق ريف دمشق، وبدأت عمليات التفريغ والتهجير في حمص وريفها، وتتوالى عمليات التفريغ، وفقاً لمذكرة التفاهم ذاتها، على يد تركيا التي احتلت عفرين وهجرت سكانها وبدأت بتغيير تركيبتها السكانية.

خلال الشهر الماضي، حفلت الكلمات المفتاحية للمواد الصحافية للإعلام السوري البديل بمرادفات: التهجير، التهجير القسري، التغيير الديموغرافي في سوريا. كل تلك الصنوف اقتصرت على مناطق ريف دمشق وحمص، دون الإشارة لمدينة عفرين، رغم أنه مورست بحق عفرين كل أشكال العنف المفرط والمجازر وعمليات التطهير العرقي، وشهدت تهجير أكثر من 200 ألف كردي، وإحلال عوائل عربية وتركمانية محلها.

رافقت عملية احتلال عفرين، استهداف المئات من المدنيين والأطفال، ومن البداية، بدأت تركيا بطرد الكرد من القرى الحدودية، وقتلت ونكلت بجثث النساء، وهدمت ونهبت وخربت أملاك المدنيين، ولم يتوقف الأمر في عدم تداول المعلومة الصحافية بالنسبة للإعلام السوري البديل، بل أنكرتها وبررتها، وسعت لتبييض صورة الاحتلال والفصائل الجهادية المرافقة لها.

طريقة التعاطي هذه مع الكرد ليست جديدة، ففي عام 2014 هجر النظام السوري قسراً سكاناً من أحياء مدينة حمص القديمة وقبلها في القصير. كانت تلك أولى المناطق السورية التي اعتبرتها المعارضة السورية و«الإعلام البديل» كعملية تهجير وتغيير ديموغرافي تحصل في المدن السورية، واستمر الأمر حتى صارت مضايا وداريا ومدن وبلدات سوريا غيرها من مدن التهجير القسري. وللمفارقة، كانت بلدات وقرى كردية سورية قبل هذه المدن قد تعرضت للتهجير والاقتلاع، وقبلها تعرضت للحصار والتجويع، على يد فصائل إسلامية محسوبة على الجيش السوري الحر، وهي بلدتا تل حاصل وتل عرن والقرى الكردية في ريف الباب، التي لم تدخل في تغطيات التهجير في الإعلام السوري البديل، أو في بيانات المعارضة السياسية.

واستمر هذا المنهج في مدينة تل أبيض؛ فحينما سيطرت فصائل إسلامية محسوبة على جبهة النصرة على المدينة، وهجرت آلاف الكرد منها، وصفت تلك المؤسسات تل أبيض بـ «المحررة»، وبعد أن سيطر تنظيم داعش عليها، وأجبر من تبقى من الكرد فيها على التهجير وسلب منازلهم وممتلكاتهم، لم تصدر أي وسمٍ لأي مؤسسة توثق ذلك. لكن، عندما حررتها قوات سوريا الديمقراطية من تنظيم داعش الإرهابي، وإلى الآن، لا زالت عبارات التغيير الديموغرافي وطرد العرب وتوطين الكرد، تتصدر عناوين تلك المؤسسات، رغم هشاشة التهم.

لخصت الأيام الماضية للحرب المستمرة على مدينة عفرين الكردية، أن خطاب الكراهية وجد له حاضنة متشعبة جداً، بخلفية عقائدية دينية، وإرث فكري متراص، مبني على الإطاحة بالآخر المختلف دينياً وعرقياً وفكرياً، خاصة على الجماعات الجهادية التي تغلب كفتها على أغلب المعارضة السورية. زد على ذلك، أن تلك الحاضنة لم تعد تخص جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، بل صارت جزءاً من التيارات غير الإسلامية (الليبرالية واليسارية) سبيلاً لخلق قاعدة جماهيرية محلية، والحصول على دعم سياسي إقليمي.

بقي الإعلام السوري البديل، كما بداية الثورة، جزءاً من عقيدة تأييد جهة عسكرية على حساب غيرها، وتأييد توجه سياسي على حساب غيره، ولو كان على حساب المدنيين والسوريين أنفسهم، ولو صار إعلاماً ضد المواطن السوري، وهو التوصيف الأدق لسبع سنوات بديلة عن إعلام النظام السوري. هذا ما بينته الحرب على عفرين والغوطة؛ إذ عمدت المؤسسات الإعلامية السورية إلى تزييف حقائق الإبادة المرتكبة في مدينة عفرين، بمقابل إظهار الإبادة في غيرها. فالنسبة لتلك المؤسسات صار القتل على يد جهة تؤيدها مباحاً، والقتل على يد جهة تعارضها غير مباح.

كانت الخيارات المطروحة أمام الإعلام السوري البديل وفق منحيين: إما أن يكون جزءاً من التغيير، أو يتحول إلى أدوات لجهات عسكرية وسياسية في سوريا، ويكون بالتالي جزءاً من جهات إقليمية تدير الجهات المحلية، وبالسقف الأعلى، صار الإعلام البديل استمراراً لإعلام النظام السوري، وليس تغييراً عن منهج هذا الأخير في تداول الخبر والمعلومة.

في عفرين، غذت أغلب مؤسسات الإعلام السوري البديل نشوة الفصائل الجهادية بالتحريض، حتى إنها صارت تكتب الخبر بشكل رأي، ولم تعد تميز بينهما. حملة التحريض هذه، كانت بتكفير سكان عفرين، والتحريض على قتلهم وإبادتهم بوصفهم محتلين ومارقين وانفصاليين. وكما أسست تركيا جماعات جهادية وإسلامية لها في سوريا، أسست بالمقابل مؤسسات إعلامية بديلة، لتكون لكل السوريين، وكل المهجرين، وكل القتلى، إلا الكرد.

Leave a Reply