مشاركة

تحقيق: جاندي خالدي وآلان حسن

«هذا ليس استملاكاً ولا استيطاناً ولا تغييراً ديموغرافياً، بل عملٌ إنساني، فكل شخصٍ من عفرين لا يستبدل حائط بيته هناك بكل قرى العالم». يقول سامي يوخنا، وهو واحد من أربعة أشخاص فقط بقوا في قرية تل نصري الآشورية من أصل 1000 من سكانها الأصليين. القرية التي استضافت نازحي عفرين بعد أن تركوا أراضيهم ومنازلهم إثر سيطرة الجيش التركي والفصائل المسلحة الموالية لتركيا عليها.

المخيم – القرية:

على بعد كيلو مترٍ واحد جنوب مدينة تل تمر غرب قامشلي (شمال شرقي سوريا) تقع قرية تل نصري (الآشورية)… دخلنا القرية الجميلة التي لم تخل بعد من آثار الدمار الذي خلفه تنظيم ‹الدولة الإسلامية› (داعش) فيها حين سيطر عليها قرابة ثلاثة أشهر وسبعة عشرة يوماً، بحسب سامي يوخنا، الذي ما لبث أن عاد إليها فور خروج التنظيم منها، دون أن يلقي بالاً إلى مخاطر الألغام التي عادةً ما يخلفها التنظيم المتطرف وراءه بعد طرده من مناطق سيطرته.

تطل الكنيسة الآشورية عند الاقتراب من الحاجز العسكري بمدخل القرية، ورغم حفاظها من الخارج على شكلها إلا أن جزءاً مهدماً يظهر بوضوح في واجهتها.

يقول يوخنا: «كانت الحياة جميلة في القرية… نلعب الكرة الطائرة شباباً وبناتاً، كنا نعيش حياتنا بهناء».

يعيش في القرية الآن أربعة أشخاص فقط من سكانها الأصليين، وهم كل من سامي وشقيقه سركون، الذي يرأس كومين (الوحدة الإدارية) القرية، وابني خاله، وكلهم عازبون.

ويقطن تل نصري أيضاً ثلاث عوائل عربية نازحة من مدينة دير الزور منذ أكثر من ستة أشهر.

 يتابع يوخنا «بعد خروج تنظيم الدولة الإسلامية من القرية عام 2016 عدت فوراً، وعاد أخي بعد 10 أيام، وبعدها عاد حوالي 80 عائلة قاموا ببيع ممتلكاتهم وغادروا»، ويضيف أن 25 شخصاً من قرية تل نصري لا زالوا موجودين في مدينة تل تمر.

توزع نازحو عفرين على منازل لم تكن بحالة سيئة رغم آثار التخريب الواضحة بعد سيطرة تنظيم داعش عليها، وذلك بعد ترميم الأبواب والنوافذ من قبل إدارة المخيم (القرية) الحالية.

ويقيم 249 فرداً يشكلون 69 عائلة نازحة من عفرين حتى الآن في 40 منزلاً مخصصاً لهم، والعدد في ازدياد حسب إدارة المخيم (القرية).

ويسكن كل منزل أكثر من عائلة، ويتم اختيار العوائل حسب عدد أفرادها كما بين يوخنا، ويقول: «حددنا المنازل الشاغرة بالتنسيق مع إدارة القرية وقمنا بأخذ الإذن من أصحابها (السكان الأصليين) والأغلبية رحبت بذلك»، ويضيف: «بادرنا بذلك لأنه عملٌ إنساني، ولم ننتظر المطران مع أننا أعلمناه بالأمر لاحقاً ووافق».

فيما كشفت إدارة المخيم الحالية (التي عينت من قبل الإدارة الذاتية) أنها تواصلت مع مطران كنيسة مار أفرام السريانية البطريركية بالحسكة، وتم الاتفاق على قبول نازحي عفرين في القرية.

الأمر بالنسبة لسامي له معانٍ متعددة بعد أن عاش 4 أعوام لوحده، وجاء من يكسر وحدته، إذ إن الكل نزح إلى الحسكة وتل تمر وإلى قامشلي، وهاجر 80% منهم إلى خارج البلاد (أوروبا واستراليا وأمريكا وكندا) والبعض إلى لبنان.

ولا يخفي يوخنا تذمره من الحكومة الاسترالية التي قدمت تسهيلات لهجرة الآشوريين من القرية.

«لم أسافر؛ مع أنني أول شخص حصل على الفيزا الألمانية، القرية كانت قد أصبحت خراباً تقريباً، بعد وصول الضيوف العفرينيين أصبحت فيها حياة»، يقول سامي.

رحلة النزوح الخطرة

لم يكن سهلاً أبداً وصول عددٍ من أهالي عفرين الفارين من المدينة إلى قرية تل نصري بعد اجتياحها من قبل فصائل المعارضة السورية المسلحة مدعومة بالطيران التركي في 18/3/2018، وذلك بعد 58 يوماً من بدء العملية العسكرية التي استهدفت السيطرة على عفرين والمسماة تركياً بـ ‹غصن الزيتون›.

«خرجنا فجراً حفاةً، ومشينا 3 ساعات على جبل الأحلام (جنوب عفرين) والمطر يهطل علينا، ومرض أغلبنا، ولقي بعض الذين خرجوا خلفنا حتفهم بسبب استهدافهم بالقذائف… دفنوهم بصعوبة عند حاجز الزيارة (جنوب شرق عفرين) حين وصلناها عند الساعة 11 صباحاً».

هكذا تروي إلهام (اسم مستعار)، وهي من سكان مدينة عفرين ، رحلة نزوحها الخطرة مع عائلتها، وتتابع: «طفل صغير من أقربائنا مات من البرد».

وبعد أن باتت المرأة الخمسينية ليلتها في قرية الزيارة، التحقت في الصباح بآخر قافلة عائدة من عفرين، ووصلت لمدينة تل تمر، واستقرت في القرية… تقول باكيةً: «أعيش هنا أنا وزوجي وثلاث بنات، وزوج أحدهم مع أولادهم، نريد البقاء هنا حالياً، إلى أن نعود لعفرين».

وكانت قوافل بشرية لكل من مدنيي الجزيرة السورية وكوباني ومنبج تسافر إلى عفرين أثناء الحرب للوقوف مع أهلها ووحدات حماية الشعب والمرأة ضد الفصائل المسلحة والجيش التركي.

حرقوا منزلي

ترك عبد الرحمن شيخو، الرجل السبعيني 600 شجرة زيتون و 400 شجرة كرز وراءه في عفرين، ومنزلاً قامت الفصائل المسلحة بحرقه، بعد أن خرج هو وعائلته المكونة من 19 فرداً في اليوم الذي سقطت فيه المدينة. يقول عبد الرحمن: «تركنا كل شيء خلفنا وهربنا بسبب قصف الطيران التركي».

كان شيخو المولود في ناحية شيراوا (جنوبي عفرين) والمقيم في مدينة عفرين يتحدث بحرقة عن المدينة التي لم يتوقع أبداً أنها ستسقط، وكانت قد تطورت وازدهرت من نواحٍ عدة قبل بدء العملية العسكرية التركية هناك، حسب تعبيره.

يقول: «لا نستطيع العودة إلى المدينة أبداً بعد إحراق منزلي مع أن أرواحنا معلقة هناك».

لكنه يعتقد بوجود ‹مؤامرة دولية› ضد عفرين، إلا أنه لا ينكر وجود بعض المؤيدين للأتراك داخل المدينة، وكانوا ينقلون معلوماتٍ استخباراتية للطرف التركي، وينتظرون ‹الأعلام الحمراء› (في إشارة للجيش التركي) وقد انضموا إليهم بمجرد دخولهم.

ويروي شيخو قصةً قد تكون من الأسباب الرئيسية لعدم عودة الأغلبية من سكان عفرين إلى مدينتهم، رغم الدعوات والمحاولات العديدة: «في قرية معرسته (على محور شران)، قام الأهالي فيها بالاتصال مع سكان القرية المهاجرين، وطلبوا منهم العودة، على اعتبار أن الوضع آمن، وبعد رجوعهم للقرية قامت الفصائل المسلحة بفصل النساء عن الرجال ليلاً، وأجبروهن على الرقص أمامهم على أنغام الموسيقى». يتساءل شيخو: «هل هذا عمل إنساني؟».

أريد الذهاب للمدرسة

أم إيفا كانت جالسةً بجانب شيخو عند مدخل المنزل الذي استقروا فيه في قرية تل نصري… تقول: «كنا في بلبلة ثم جئنا لعفرين ثم إلى باسيله ومنها إلى زيارة، كانت القذائف تلاحقنا كلما انتقلنا من مكانٍ لآخر، نمنا في البراري وأصبنا بالإرهاق، وكان الأطفال يبكون».

توقفت إيفا وعائلتها يومين كاملين على حاجزٍ للجيش السوري في المسلمية بريف حلب الشمالي قبل أن يصلوا إلى تل تمر مستقلين سيارة.

ورغم أن مدارس سوريا كانت في العطلة الانتصافية التي تمتد 15 يوماً حين بدأت العملية العسكرية على عفرين، إلا أن إيفا، وهي طالبة في الصف الثامن الإعدادي، تتحسر على مستقبلها بعد أن تم إغلاق المدارس بسبب الحرب التركية على المدينة.

تقول إيفا: «القرية جميلة لكن لا توجد مدرسة حالياً فيها، أريد الذهاب للمدرسة والعودة إلى عفرين».

ستضطر إيفا أن تسلك مسافة أكثر من كيلومتر يومياً للوصول إلى أقرب مدرسة في مدينة تل تمر إن أرادت أن تكمل تعليمها.

نازحو عفرين ضيوف في قرية آشورية

يعيش نازحو عفرين في قرية تل نصري أوضاعاً معيشية صعبة، لكن ما يزيد من حالهم سوءاً هو اضطرارهم ترك مدينتهم بطريقة قاسية، والعيش كنازحين يفتقدون أدنى مقومات الحياة الكريمة.

أثناء زيارتنا للقرية، سألنا عن المنظمات الإنسانية التي تعمل هناك، وأفادتنا إدارة المخيم (القرية) أن منظمات دولية عديدة تزورهم للتقييم ولكنها لم تقدم شيئاً حتى الآن، فيما أكدت أن منظمة روجآفا للإغاثة والتنمية هي الوحيدة التي تعمل هناك.

يقول أكرم سليمان، وهو الرئيس المشارك لمنظمة روجآفا التي تعنى بإغاثة اللاجئين، ولديها 15 مكتباً في مدن الشمال السوري: «نقدم لهم الغذاء والبطانيات والاسفنج ومستلزمات الأطفال والنساء والاحتياجات اليومية».

ويشكو سليمان من الإمكانيات المحدودة لمنظمة روجآفا، ويطالب المنظمات الدولية بتقديم الدعم اللازم للنازحين، ويقول إن منظمات الأمم المتحدة لا تدعمهم كونهم غير مرخصين لدى الحكومة السورية.

ويتابع: «البيوت بحاجة للترميم، والعائلات بحاجة لخزانات مياه، وكذلك ظهرت أمراض لا أحد يساعدهم فيها سوى الهلال الأحمر الكردي».

وهناك حتى الآن ثلاثة مرضى مصابون بالسرطان في المخيم بحسب ما كشفت عنه إدارة القرية.

مسؤولة الأرشيف في قرية تل نصري، رواندوز داوود، تشكو عدم وجود سيارات خاصة بالإسعاف وتقول: «إذا استدعى الأمر يقوم من يملك سيارة في القرية بإسعاف المرضى للمشفى في تل تمر»، وتضيف: «هناك حالة وفاة واحدة حدثت لنازح اسمه عمر حبش (75 عاماً)… كانت قد أجريت له عمليتان للقلب».

يتخوف معظم السوريين من شبح التغيير الديموغرافي، خصوصاً بعد عمليات تهجير سكان من طوائف معينة إلى مناطق أخرى، وسبب تهجير سكان غوطة دمشق الشرقية إلى قرى عفرين تخوفاً شديداً، وبالمقابل فإن نزوح أهالي عفرين إلى الجزيرة، وتحديداً إلى قرية تل نصري الآشورية يزيد هذا الهاجس لدى الكثيرين.

السيد أكرم سليمان ينفي هذه الفرضية بشكل قاطع، ويقول إن إقامة هؤلاء مؤقتة في القرية، وسيعودون لمنازلهم في عفرين «لدينا ثقة بعودة النازحين إلى مدنهم، لكن ليس بالوضع القائم».

يضيف سليمان: «ليس بالإمكان ترك أهالي عفرين في العراء، هم دخلوا إلى القرية بالتوافق، وضمن اتفاقية وبالوثائق وليس توطيناً، وكذلك لا يتم تسجيل أي أملاك بأسمائهم، وعند عودة أهالي تل نصري إلى قريتهم فسيتم إيجاد أماكن أخرى للنازحين، وبالتالي فلا تغيير ديموغرافي في تل نصري».

Leave a Reply