مشاركة

لم تكن (س. أ.) تتصور أن علاقتها الزوجية قد تنتهي يوماً بالطلاق. فالوفاق كان يسود سنوات زواجها الخمسة، كما أن حظها العاثر في عدم القدرة على الإنجاب لم يكن مثار خلاف مع زوجها، وقد قبلت أخيراً بزواجه مرة ثانية إرضاءً لرغبته في الحصول على الأطفال، عدا أن «الحكم الشرعي واضح ويسمح بالزواج في مثل هكذا حالات»، وفق ما تقول.

وهي ترى أن المشكلة بدأت حينما قامت أسايش الإدارة الذاتية باعتقال زوجها بتهمة مخالفة القانون وارتكاب «جريمة تعدد الزوجات»، رغم أنها لم تتقدم بشكوى ضده، ليحكم عليه بالسجن مدة عام، وتطليق زوجته الجديدة وتغريمه بمبلغ 500 ألف ليرة سورية.

ورغم أنها لا تخفي شعورها بالغبن من قيام زوجها بتطليقها بعد انتهاء محكوميته بفترة قصيرة، إلا أنها ترى أن المسؤولية الأكبر يتحملها قانون المرأة الذي أدى تطبيقه إلى وقوعها ضحية، بدل أن يكرس حمايتها ويضمن حقها.

في الجانب الآخر من القصة، يعترف (د،ح) أن زوجته الأولى (س،أ) ظلمت، وبدوره يحمّل المسؤولية لقانون المرأة، ويجزم أنه كان سيبقيها على ذمته لولا أن الإدارة الذاتية لا تسمح إلا بامرأة واحدة على ذمة الزوج، وأنه «صار مجبراً على الاختيار ما بين إحدى زوجتيه»، بحسب ما يقول.

قوانين بالجملة لا يطبق منها إلا القليل

منذ انعقاد أول جلسة للمجلس التشريعي بتاريخ 31 آذار/مارس 2014، تم إصدار ما يقارب الـ70 قانوناً، من بينها إقرار العقد الاجتماعي، والنظام الداخلي للمجلس التشريعي وعدد من مراسيم العفو. كما وتعديل عدد من القوانين، مثل قانون الأحزاب وقانون المنظمات المدنية وقانون ضريبة الدخل وقانون الصيرفة وقانون واجب الدفاع الذاتي، الذي كان أكثرها تعديلاً بما لا يقل عن أربع تعديلات، تم فيها رفع مدة الخدمة تدريجياً من 6 أشهر إلى 9 ومن ثم إلى سنة كاملة.

ويكشف فهرس القوانين المنشور في موقع المجلس التشريعي وأخبار جلساته الأخيرة أن الإدارة أصدرت في السنوات الأربعة من عمرها على التوالي 19، ثم 17، ثم 15، ثم 6 قوانين، وأخيراً تم إصدار 9 قوانين خلال 2018، فيصبح العدد 69 قانون.

ولدى سؤال دلبرين محمد، العضو في المجلس التشريعي منذ تأسيسه ( والذي ترأس لجنة البيئة ولا يزال يترأس لجنة الثقافة)، عن إمكانية تحديد نسبة تقريبية لعدد القوانين التي يتم تطبيقها، قال إن «ما يطبق لا يتجاوز الـ 23 قانوناً»، أي أن النسبة لا تتعدى الثلث في أفضل الأحوال، «لأن بعضها يطبق جزئياً فقط»، بحسب رأيه.

 وفي حين أن غالبية القوانين كانت مقترحة من قبل هيئات الإدارة الذاتية والمجلس التنفيذي وبعض لجان المجلس التشريعي، لا نجد من بينها جميعاً قانوناً واحداً قدم مشروعه من قبل 20 عضوٍ من أعضاء المجلس التشريعي وفق ما يسمح به نظامه الداخلي، وهو ما قد يعطي مؤشراً نسبياً حول فعالية «ممثلي الشعب» في أداءهم لمثل هكذا مهمة.

من جانبه يرى حكم خلو، الرئيس المشترك للمجلس التشريعي في الإدارة الذاتية، أن موضوع «عدم تفعيل القوانين»، بحسب وصفه، «ليس مشكلة كبيرة، ولا تأخذ حيزاً كبيراً، ولكنها مشكلة تعاني منها كل هيئات الإدارة الذاتية».

قانون المرأة الذي لا يطبق إلا على الكرد

تقدم لنا حالة المرأة (س،أ) مثالاً يوضح كيف أن تطبيق بعض القوانين قد يؤدي أحياناً إلى نتائج عكسية، وكيف أنها تحولت إلى ضحية لقانون سنّ «من أجل ضمان حقوق المرأة وحمايتها»، وفق ما يؤكد نصه الصريح.

إلا أن زوجها السابق (د،ح) يذهب إلى أبعد من ذلك، إذ يؤكد على أن القانون لم يطبق بذات السوية على جميع من أقدم على تعدد الزوجات في المنطقة التي يسكنها على الأقل، ويستدل على ذلك بأنه كان من أوائل من طبق القانون بحقه بالإضافة إلى 6 أخرين ممن قاموا بالزواج من امرأة ثانية في العام 2016، في حين وجدت 3 حالات على الأقل، إحداها في قرية كينجو (التابعة لجل أغا)، والأخرى في كرديم (تابعة لتربسبيه)، وثالثة في قرية خراب باجار (التابعة لتربسبيه)، كان فيها الرجال ممن تزوجوا من امرأة ثانية من الأخوة العرب، ولكن لم يتم محاسبتهم بتلك الصرامة، فقد تم إطلاق سراحهم خلال مدد مختلفة وبعد دفعهم لمبالغ متفاوتة، كما لم يجري تطليق زوجاتهم الجديدة، وهو ما يشير إلى أنه كان من «أوائل الضحايا لهذا القانون الذي خضع للتفاوت والانتقائية في تطبيقه منذ البداية»، وفق ما يقول.

من جانبها، تدعم المحامية نالين عبدو (تتولى قضايا في محاكم النظام ومحاكم الإدارة الذاتية) اتهام التفاوت في تطبيق القانون وتؤكد على حدوث العديد من حالات تعدد الزوجات في المناطق الكردية، لم يجري تحويلها إلى محاكم الشعب لأسباب كثيرة.

بينما حسمت مديرة منظمة سارة لمناهضة العنف ضد المرأة (منظمة عادة ما تحضر بصفة مراقب جلسات مناقشة القوانين والقضايا المتعلقة بالمرأة في مؤسسات الإدارة الذاتية) اتهام الانتقائية، وأفادت موقع روك أونلاين أن «نسبة تعدد الزوجات بين المكون العربي تفوق كثيراً النسب الموجودة لدى المكون الكردي، لذا حدثت الانتقائية في تطبيق هذا القانون بين المكونين».

وهي إذ ترى مبرراً لعدم تطبيقه على المكون العربي من حيث أن القانون الذي «حقق نتائج إيجابية من جهة بين الكرد، قد ينقلب إلى أمر سلبي إذا ما تم فرضه على مكون لديه نسبة التعدد قد تصل إلى حوالي 90% من الرجال، ذلك أن الصدام مع هذه النسبة لابد وسيجلب الكثير من المشكلات الاجتماعية، بدل أن يحل مشكلة قائمة»، بحسب تعبيرها.

منع لتزويج القاصرات… سماح بتجنيدهن

يأخذ التفاوت في تطبيق قوانين الإدارة الذاتية أشكالاً متعددة منها «الحالة الطبيعية» التي لا يطبق فيها القانون على جميع الحالات المعنية بشكل كامل إذ «لا يمكن تطبيق القانون بشكل مطلق» وفق ما يعبر عنه الرئيس المشترك للمجلس التشريعي حكم خلو، ويوافقه في ذلك الصحفي فريد إدوار، عضو لجنة صياغة قانون الإعلام: «لا يوجد قانون في العالم يطبق بنسبة 100% أو حتى 90%، ودائماً ما يكون هناك تفاوت في تطبيق القوانين».

إلا أن الإشكالية المتناولة هنا تنحصر في الأشكال الأخرى؛ كأن يكون التطبيق محصوراً على بنود من القانون بينما تترك بنود أخرى دون تطبيق، فتحدث الانتقائية على مستوى القانون ذاته. فقانون المرأة الذي يضم 30 بنداً ما بين أحكام عامة ومبادئ أساسية، تتفق عليه عديد آراء الحقوقيين حول إيجابية بنوده المتعلقة بمنع زواج الفتاة بدون رضاها، ومنع زواج الشغار أو الدية أو الحيار أو زواج القاصرات، وغيرها من البنود التي تحقق المساواة بينها وبين الرجل في كافة مجالات الحياة.

لكن في المقابل من الممكن اتهامه بالانتقائية، فالبند 21 من بين مبادئه العامة ينص على وجوب «أن تضمن الإدارة الذاتية حقوق الطفل وتحميه من كافة أشكال العنف والاستغلال»، بينما يظهر استبيان أجرته إذاعة هيفي إف إم بالتعاون مع منظمات نسائية ضمن مشروع «شاركني حياتي» الذي أنجز أواخر 2016 وبدايات 2017، يظهر وجود نسبة من حالات تجنيد القاصرات كأحد أشكال «العنف والاستغلال».

يضاف إلى ذلك أن الانتقائية في تطبيق هذا القانون تكاد تصل إلى حد التناقض، لجهة التماس الحزم في تطبيق بند منع زواج القاصرات في عدة حالات جرت في مناطق الإدارة الذاتية (وفق تقارير إخبارية)، لكن في المقابل تم التغاضي عن وجود حالات تجنيد القاصرات.

 وتقول مديرة منظمة سارة، منى عبدالسلام، إن «حالات انضمام القاصرات إلى الجهات العسكرية، وإن كانت قليلة، لكن لا بد من أن تتم معالجتها. وحتى وإن كانت الفتاة في هذا العمر قد تهرب من منزلها نتيجة مشاكل عائلية، وبالرغم من تأكيد هذه الجهات حول بقاء هؤلاء القاصرات داخل المقرات وخضوعهن لدروس داخلها، لكن من حيث المبدأ لا يجب أن تنضمن إلى هذه الجهات قبل بلوغ الثامنة عشرة، وأن يكنّ في المدارس كما أقرانهن».

كما وتجدر الإشارة إلى أن حالات لتجنيد القاصرات كما للقاصرين شهدتها مناطق الإدارة الذاتية، بالرغم من أن الجهات العسكرية المرتبطة بالإدارة الذاتية، موقعة على اتفاقية نداء جنيف والتي تدعو إلى «عدم انضمام الأطفال إلى القوات المسلحة حتى ولو تطوعوا».

وقصة الطفل نهاد إسكان من مواليد 1/1/2002 يتيم الأب من أهالي قرية تل برهم التابعة لناحية تربسبيه من الأمثلة الشاهدة على ذلك، فبعد انتهاءه من تقديم امتحانات الشهادة الإعدادية العام 2016، التحق بمقر اتحاد شبيبة روجآفا وغاب عن أمه وأخيه الوحيد أكثر من سنة ونصف، ليفاجئهما بزيارة بعد ذلك أكد خلالها أنه يخدم في منطقة الشدادي دون تفاصيل إضافية عن الجهة العسكرية التي يخدم بها، سوى أنها تابعة للإدارة الذاتية، وفق ما تؤكده والدته نزيهة إبراهيم العلي التي تتسأل عن حقها كأم وكامرأة في أن تستعيد ابنها من «إدارة تتحدث عن حقوق المرأة صباح مساء»، وفق تعبيرها.

قانون ترخيص الأحزاب: تطبيق يخضع لاعتبارات سياسية

قانون الأحزاب أيضاً يتعرض لانتقادات بسبب انتقائية تطبيقه. إذ يرى الحقوقي معاذ يوسف، عضو اللجنة القانونية في المجلس الوطني الكردي، أن تطبيق هذا القانون بانتقائية هو لأسباب سياسية، كونه أدى إلى «إغلاق جميع مكاتب المجلس الوطني الكردي والأحزاب والمنظمات المنضوية فيه، بينما يوجد على الأقل حزبين ضمن نطاق سيطرة الإدارة المفترضة، لم يقدما على التراخيص، وهما الحزب الديمقراطي التقدمي، والحزب الشيوعي السوري المرتبط بالنظام».

في الجانب الآخر نجد أن رد حكم خلو لا يأتي في سياق نفي تهمة الانتقائية أكثر من كونه إقراراً بها، إذ يقول إن «الديمقراطي التقدمي كان قد وعد بأنه سيقدم على الترخيص لدى توجيه الإنذار إلى الأحزاب بضرورة الترخيص. لكننا لم نكن حازمين في تطبيق القانون إلا بعد 3 سنوات من إصداره، وكنا ننتظر نضوج الظروف السياسية، ولا أعتقد أننا استعجلنا في ذلك»، بحسب تعبيره.

أما فيما يتعلق بعدم حصول الحزب الشيوعي السوري على الترخيص فيقول خلو : «بقناعتي الحزب الشيوعي حزب مرخص من الدولة، وهو موجود كمكتب مرخص قبل وجود الإدارة الذاتية، وعندما وجهنا الإنذارات قامت الكثير من الأحزاب بالحصول على الرخص، بينما بقيت كتلة المجلس الوطني دون ترخيص لأسباب سياسية».

قوانين تنفذ قبل حلول موعدها وأخرى طي النسيان

شكل آخر من الانتقائية يتجسد في تطبيق بعض القوانين بشكل جدي يلتمس الحزم وراء ذلك، بينما نجد أن قوانين أخرى لا يتم تطبيقها بتاتاً. ضمن هذا السياق يؤكد دلبرين محمد أن «قانوني واجب الدفاع الذاتي وضريبة الدخل طبقا فور صدورهما في الجريدة الرسمية، بينما توجد قوانين أخرى، كقانون الحياة الثقافية وقانون تهريب الأشخاص وقانون البيئة وغيرها لم تطبق حتى الآن».

وبعيداً عن كون قانون ضريبة الدخل من القوانين «الإشكالية» التي لاقت انتقادات واسعة، فقد أثار أيضاً الشكوك حول احتمالية الاستعجال في تطبيقه وتحصيل الضريبة قبل أوانها. ذلك أن البروشور الدعائي لقانون الضريبة يؤكد على أن «توزيع استمارة المكلف يبدأ فور نشره في جريدة رسمية وحتى نهاية العام 2017، بحيث تعتبر هذه الفترة فترة سماح، بينما يصبح كل مكلف تحت الاستحقاق مع بداية العام 2018». إلا أننا نجد الرئيس المشترك لهيئة المالية، خالد محمود، ينفي وجود أي استعجال مستنداً إلى وجود «نص صريح في القانون يقر بنفاذه فور صدوره في جريدة رسمية»، ويضيف أن القانون «صدر في 24 أيلول (سبتمبر) 2016 وقد تم نشره فعلياً في 15 تموز (يوليو)، وقد مرت مدة تم فيها إجراء استعدادات شملت تدريب الموظفين على كيفية التعامل مع المكلفين وكيفية تحصيل الضريبة».

لكننا في المقابل نجد أن نص القانون يعرّف السنة المالية بأنها «عبارة عن سنة ميلادية واحدة تبدأ من 1 كانون الثاني وتنتهي في 31 كانون الأول»، ما يعني أن جزءاً من المكلفين دفعوا ضرائبهم قبل انقضاء السنة المالية بعدة أشهر. فهل من المنطقي أن يجري تحصيل الضريبة قبل انتهاء السنة المالية بحجة نفاذ القانون؟

وتقر آمد محمد، مديرة إدارة الضرائب التابعة للإدارة الذاتية، بتحصيل الضريبة باكراً في تقرير لموقع الحل السوري، ونجدها تبرر ذلك بأنه «سيتيح عملياً عدة أشهر أمام المكلفين لدفع ضريبتهم، بدل أن يكونوا مضطرين لتسديدها خلال شهر واحد، هو الشهر الأول من 2018 وفق القانون» .

ولكن حتى وإن صحت فرضية أن القانون طبق في وقته، يبقى التناقض المقصود هنا قائماً، طالما كانت هناك جدية في تطبيق قانون ضريبة الدخل، بينما لا نلتمس ذلك في تطبيق قوانين أخرى، كقانون الإعلام الذي يرى الصحفي فريد إدوار أن «المادة 10 والتي تعتبر مادة أساسية، تقر بوجوب إجراء مؤتمر تحضره جميع المؤسسات التي تعمل في كانتون الجزيرة، ليتم من خلاله انتخاب مجلس أعلى للإعلام، إلا أن هذ البند الرئيسي لم يطبق حتى الآن، بل جرى تعيين أشخاص لإدارة المجلس منذ إقرار القانون».

حقوق الإدارة وواجبات المواطن أولاً!

تكاد الشكوى الأبرز في مناطق الإدارة الذاتية، تتأتى من سوء الواقع الخدمي، وبالرغم من أن الكثيرين لا ينكرون حدوث تحسن ملحوظ مقارنة ببداية الأزمة، إلا أن الاتهامات تطال مؤسسات الإدارة وهيئاتها حول الجدية في تطبيق القرارات التي تأتي في إطار واجبات المواطن. بينما يكون التراخي والتفاوت سمة ملازمة للقرارات التي تندرج في إطار حقوق المواطن.

عن ذلك يقول دلبرين محمد عضو المجلس التشريعي: «بشكل عام وحتى الآن، ما يدخل في نطاق حقوق المواطن من قرارات لا يطبق بنسبة 90% إلا بشكل جزئي، لذا نرى الواقع الخدمي ضعيفاً بشكل كبير، وأما القوانين والقرارات التي تصب في خانة واجبات المواطن نجدها تنفذ بشكل أفضل»، على حد وصفه.

وكمثال على ذلك، لا تزال غالبية سائقي خط الكورنيش في قامشلو يشتكون من قرار تغيير اتجاه خطهم إلى الاتجاه المعاكس، «لأنه أثر على انخفاض مردوهم اليومي»، ولكون الحزم اتبع في تطبيق هذا القرار يرى العديد من هؤلاء السائقين أن الإنصاف يقتضي أن يكون هناك حزم مماثل في تطبيق قرارات أخرى؛ كقرار تحديد أسعار الصيانة والميكانيك في المنطقة الصناعية؛ والذي «كان من شأنه أن ينعكس على جميع المواصلات وفي النهاية على المواطن»، وفق أحدهم.

والقرار الأخير كانت قد أصدرته بلدية الإدارة الذاتية في أيار/مايو 2017، وتضمن لائحة تحدد أسعار الميكانيك والخراطة للمحركات والآليات في المنطقة الصناعية، ويلزم التقيد به تحت طائلة الغرامة المالية التي قد تصل إلى 500 ألف ليرة مع إغلاق المحل بالشمع الأحمر لمن يخالف.

لكن نائب رئيس هيئة البلديات، نضال محمود، يؤكد أن «القرار المذكور جرى تطبيقه، وأن هناك شكاوى حدثت ومحاسبات تمت على أساس هذا القرار، كما ويمكن للإعلام التأكد من ذلك عبر مراجعة ضابطة البلدية المعنية بتطبيق القرارات، حيث تتوفر لديها أوراق ووثائق تثبت تطبيق القرار».

إلا أنه ولدى مراجعة الضابطة تبين أن لأفين عزم، مديرة ضابطة بلدية قامشلو الشرقية، رأياً مخالفاً، إذ تؤكد أن القرار المقصود لم يطبق، ويؤيدها في هذا أحمد صبحي، المسؤول السابق عن الصناعة في ضابطة بلدية قامشلو الشرقية، بالقول إن «القرار لم يطبق ومن المستحيل تطبيقه، طالما بقيت مشكلة ارتفاع إيجارات المحلات في الصناعة بدون حل، وطالما بقيت تعرفة الجمارك المفروضة على المولدات والمحركات والزيوت مرتفعة»، بحسب قوله.

ولا تبدو سمة التفاوت والانتقائية في تطبيق القرارات محصورة بالمثال أعلاه، فالحال ينطبق على التعميم رقم 18 الذي أصدره المركز التجاري في مقاطعة الجزيرة في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 2017، والذي حدد بموجبه أسعار تكسي الأجرة لأكثر من 19 توصيلة ضمن مدينة قامشلو، و«كان من القرارات التي جاءت لصالح المواطنين وكانت ستحد من التسيب لدى سائقي تكاسي الأجرة في التذرع بغلاء المحروقات لأجل تحديد سعر كيفي»، وفق ما أكده مواطنون من القامشلي.

وبعد استطلاع آراء من الشارع مع آراء عدد من سائقي تكاسي الأجرة حول القرار، تبين أن غالبيتهم تؤكد أنه وبالرغم من أن التعميم ألزم «التقيد بلائحة الأسعار وإلصاقها على السيارة وأي مخالفة تستوجب المساءلة القانونية من قبل الضابطات المختصة، إلا أن القرار لم يطبق، لا من حيث التقيد ولا من حيث إلصاقه على السيارة أو من حيث المسائلة».

إلا أن نضال محمود، نائب رئيس هيئة البلديات في الإدارة الذاتية، يؤكد على أن التعميم طبق وأن موضوع عدم إلصاقه على التكاسي لا موجب له، طالما أن التعميم تم نشره في وسائل الإعلام وأصبح متاحاً للعامة.

ماذا عن الأسباب؟

تظهر أراء مسؤولين من الإدارة الذاتية ومعارضين لها، كما قانونيين وحقوقيين، مجموعة مختلفة من الأسباب التي ترجع لها التفاوت والانتقائية في تطبيق القوانين، فمنها ما قد يرجع إلى «صعوبات على المستويين الذاتي والموضوعي»، وفق ما يقول الرئيس المشترك للمجلس التشريعي، ويوضح ذلك أكثر: «إن سن القوانين كما تطبيقها يتطلبان كادراً مهنياً، ونحن نفتقد إلى هذا الكادر في الكثير من مفاصل الإدارة، وعدم وجود المختصين يؤثر سلباً على بعض القوانين والقرارات. لكن من جانب آخر فإن الهجمات التي نتعرض لها، كما والحصار الاقتصادي أيضاً يؤثر على عملنا، ولكن ذلك لا يعني أننا لم ننجز شيئاً».

لكن خلو من جانب آخر يقر بوجود حزم في تطبيق قوانين «ترتبط بقضايا استراتيجية نبني عليها إدارتنا» على حد وصفه، فالإدارة الذاتية «تبنى على ثلاثة أعمدة هي الديمقراطية التي يمثل الكومين منطلقها، وحماية البيئة وثورة وحرية المرأة»، ما يعني أن ما يتعلق بالإيديولوجية السياسية للإدارة يحظى بالأولوية في التطبيق على سواه.

المناطقية أساس آخر في انتقائية تطبيق التشريعات

وجه آخر من التفاوت نجده عند تطبيق القانون في مناطق جغرافية دون أخرى، كما نجد هنا حكم خلو يرجع السبب وراء «عدم تفعيل القوانين» في المناطق ذات الغالبية العربية إلى «عدم تفعيل المؤسسات كما في المناطق الكردية، ذلك أنها كانت محتلة من داعش وتم تحريرها مؤخراً، وبالتالي قد لا يتوفر لهذه المؤسسات الوقت الكافي حتى الآن». إلا أن ذلك لا ينفي اتهام الانتقائية في التطبيق ما بين العرب والكرد في المناطق ذات الغالبية الكردية كما تقدمت الإشارة إليه.

غياب الميزانية والعقل المؤسساتي

يؤكد دلبرين محمد أن «طبيعة الهيئة من حيث كونها منتجة أو غير منتجة تعد أحد أسباب عدم تطبيق بعض القوانين، ذلك أن الهيئات المنتجة تمتلك ميزانيات وكوادر وبالتالي إمكانية إنشاء مديريات، كما هو حال هيئة البلديات التي تمتلك مديريات في غالبية المناطق، على عكس هيئة الثقافة، وغالباً ما يقوم رئيسها بمهام رئيس مديرية».

إلا أن حكم خلو لا يرى بأن الأمر متعلق بالميزانية ولكنها «مرتبطة بالعقلية والذهنية التي تقود هذه المؤسسات، وبسبب عدم وجود الكوادر المختصة التي من الممكن أن تفهم هذه القوانين، ولأن التعليمات التنفيذية للقوانين تصدر متأخرة أحياناً، وحتى وإن أصدرت هذه التعليمات فإن القائمين على تنفيذ هذه القوانين يتصرفون بشكل مزاجي».

ويضيف: «العقل المؤسساتي لم يترسخ بعد كما نريده، وهذا لا يعني أننا متشائمون ولكننا نعترف بوجود النقص».

نقص خبرة قانونية وقضائية وتنفيذية

نقص آخر تشير إليه الحقوقية نالين عبدو هو «نقص في الخبرة الإدارية والقانونية والقضائية والتنفيذية بالنسبة لمؤسسات الإدارة الذاتية القضائية، وعندما يتم مواجهتهم بوجود أخطاء في قضية ما، يتحججون بقواعد العدالة الاجتماعية التي تعتبر مفهوماً فضفاضاً، وقد يؤدي إلى الكثير من المظالم بحق الناس»، وتستدل على وجود تفاوت في تطبيق بعض التعميمات الصادرة من الإدارة الذاتية بشأن قبول وثائق صادرة عن محاكم النظام أحياناً، ورفضها أحياناً أخرى.

 وتوضح المحامية ذلك أكثر: «القرار القضائي الصادر عن محاكم الصلح الحكومية هي قرارات نظامية ولا غبار عليها قانونياً، لأنها مسجلة في عدد من الدواوين ومثبته بالسجل العقاري في الحسكة والمالية، ومجال تزويرها صعب جداً، ورغم ذلك قد ترفض محاكم الشعب قبول مثل هذه القرارات القضائية، بحجة أن هذا القرار باطل».

 وتشير إلى أنه في «إحدى دعاوي العقارات قد يتمسكون بقرار قضائي صادر عن محاكم الصلح أو البداية التابعة للنظام، ويرفضون في دعوى أخرى مماثلة الأخذ بقرار قضائي صادر عن محاكم النظام، أي هناك الكيل بمكيالين، وطبعاً الحجة أنهم يحتكمون إلى قواعد العدالة الاجتماعية».

من جانبه يؤكد خلو أن «قوانين الدولة عامة وكل شيء يصدر من محاكمها لا نناقشه في محاكمنا، والأحكام الصادرة تبقى كما هي، ولا نعيد محاكمة ما تمت محاكمته»، وهو ما يتوافق مع تعميم صادر في وقت سابق عن الإدارة الذاتية.

ولكنه يرجع وجود مثل هذه الحالة المذكورة أعلاه إلى «إغفال بعض القضاة هذه الأمور، لذا فالموضوع مرتبط بحالة القاضي أو حالة المحكمة ذاتها، وليست مرتبطة بوجود خلل في أصول العمل لدينا، وقد يكون السبب ابتعاد القاضي عن أصول العمل».

قرارات تتخذ «من وراء حجاب»

«إن لوجود الشكاوى أهمية في تطبيق وتفعيل القرارات عامة، وفي الأمثلة المذكورة سابقاً بشكل خاص»، وفق ما يؤكد نضال محمود، لكن رغم ذلك قد نجد أن قراراً بمستوى حساسية قرار رفع أسعار المحروقات، والذي يؤثر على جميع شرائح المجتمع دون استثناء، قد اتخذ فجأة، ومن دون أن تعرف المؤسسة التي أصدرته.

 فالرئيس المشترك لهيئة الطاقة، عبدالكريم ملك، نفى أن يكون القرار قد صدر من هيئة الطاقة من دون توضيح إضافي، بينما رفضت إدارة المحروقات العامة لدى مراجعتها التعليق على الموضوع، في حين كانت مؤسسة (سادكوب) ترفض استقبال الصحفيين أو الإجابة على أسئلتهم، وهو ما اتضح لدى مراجعتهم مؤخراً.

في النهاية أوضح مصدر من بلدية قامشلو الشرقية (فضل عدم ذكر اسمه) بأن «القرار صدر بشكل شفوي ولا توجد له نسخة مكتوبة ومختومة من مؤسسة معنية، حتى يمكن الإقرار برسميته وبالتالي بشرعية ما اتخذ على أساسه من قرارات أخرى كرفع أسعار الأمبيرات، ورفع أسعار المواصلات في مناطق الإدارة الذاتية، وما قد يتبعه من ارتفاع في أسعار الكثير من المواد والخدمات لاحقاً».

سلطات موازية لسلطات الإدارة الذاتية

تكشف آراء المعنيين عن وجود تداخل في السلطات على ثلاثة مستويات يمكنها أن تكون سبباً لتفاوت تطبيق القوانين؛ فنجد دلبرين محمد يتحدث عن «وجود تعارض بين صلاحيات وعمل الهيئات» قد يؤدي إلى عدم تطبيق بعض القوانين «كما حال قانون الحياة الثقافية؛ فبدل أن تقوم هيئة الثقافة بمنح الرخص للمطابع ودور النشر والجمعيات الثقافية، نرى أن هيئة الشؤون الاجتماعية والعمل وهيئة البلديات تقومان بذلك».

لكن خلو يرجع وجود بعض التداخل إلى أن «بعض القوانين قد تفسر بشكل خاطئ ما قد يؤدي إلى أخطاء، مع العلم أن بعض التراخيص تحتاج إلى موافقة أكثر من جهة».

 تداخل على مستوى آخر يشير إليه محمد: «توجد مؤسسات تابعة لحركة المجتمع الديمقراطي موازية لمؤسسات الإدارة الذاتية، وعادة ما يؤخذ رأيها بعين الاعتبار عند سن القوانين»، كما ويشير إلى «وجود بعض التعارض بين عملها وعمل مؤسسات الإدارة».

من جهتها تضيف نالين عبدو: «كثيراً ما عقدنا لقاءات واجتماعات ومؤتمرات قانونية نظمتها الإدارة الذاتية، وحضرها رجال قانون وكان يتم تقديم اقتراحات جيدة، لكنها لم تكن تنفذ»، وتشدد عبدو على أن «القرار يبقى بيد الكوادر الحزبية، حتى عندما يتواجد رجال القانون».

الرئيس المشترك للمجلس التشريعي يقر أيضاً بوجود مثل هذا التداخل وأن «وجود مرجعيتين للإدارة خلق بعض الإشكالات ما بين الإدارة وما بين حركة المجتمع الديمقراطي، ولكنها لم تكن من نوع تصادمي»، كما ويرجع سبب نشوء هذا التداخل إلى أن «حركة المجتمع الديمقراطي قامت ببداية الأزمة في العام 2011، بإدارة المجتمع بشكل طوعي وبدون مقابل»، لافتاً إلى أن «الإدارة الذاتية تشكلت في البداية من الأعلى، بدون أن تركز أرجلها على الأرض، حيث تشكلت الهيئات قبل المديريات في المناطق، وهذا خلق فراغاً ما بين الإدارة الذاتية وخدمة المجتمع، وبالطبع استمرت حركة المجتمع الديمقراطي بالتوازي مع الإدارة في ملئ هذا الفراغ، وأيضاً بشكل طوعي، مع أن موظفي الإدارة الذاتية ظلوا يقبضون رواتب مجزية»، بحسب تعبيره.

ولا يخفى أن ما تقدمت الإشارة إليه يتوافق مع ما كان يتم الحديث عنه حول حركة المجتمع الديمقراطي من حيث أن «لجانها الخدمية هي التي تدير الشؤون الخدمية في المنطقة من مياه وكهرباء وخبز ومحروقات وغاز حتى الآن، وأن مؤسسات الإدارة الذاتية لم تكن إلا واجهة شكلية».

إلا أننا نجد خلو يؤكد على أن «حركة المجتمع الديمقراطي هي الآن أمام عقد كونفرانسها الثاني، وستسوى كل هذه الأمور وستترك كل الأعمال الخدمية والإدارية للإدارة، ومن ثم ستهتم هي بشأنها كحركة مجتمعية تعنى بتوعية المجتمع».

تداخل السلطات بين الإدارة الذاتية والنظام السوري

لكن فيما يتعلق باحتمالية وجود تداخل بين سلطات النظام مع سلطات الإدارة الذاتية، لا يرى خلو أن هناك تداخل بين السلطتين، «فالنظام قطعاً سيطبق قوانينه على المربعات الأمنية، وفي المناطق التي نسيطر عليها سنطبق قوانيننا، ولسنا معنيين بتطبيق قوانيننا في مناطق النظام».

لكن والحال هذه توضح العديد من التقارير الإخبارية كيف أن قانون ضريبة الدخل يعد أحد الأمثلة عن حالة التداخل هذه، فالنظام لا يزال قادراً من خلال مؤسساته على تحصيل الضرائب والرسوم، خاصة من خلال طلب براءة الذمة من المواطنين الذين يضطرون إلى مراجعتها بغية تسيير معاملات قانونية أو إصدار وثائق أحوال شخصية، في حين جاء قانون ضريبة الدخل ليخلق حالة من «الازدواجية في دفع الضرائب لدى المواطنين في مناطق الإدارة الذاتية» كما يذهب تقرير للوكالة الفرنسية صدر مؤخراً.

 لكن خالد محمود (الرئيس المشترك لهيئة المالية) ينفي لروك أونلاين أن يكون هناك ازدواجاً ضريبياً على اعتبار أن «الازدواج الضريبي هو دفع الضريبة لمرتين مقابل نفس الخدمة لذات الجهة، فقوانين الإدارة تطبق بمناطقها، وقوانين داعش في مناطق سيطرتها، وكذلك بالنسبة للنظام»

ويذهب محمود إلى أن «الأمر المنطقي هو أن يدفع المرء ضريبته للجهة التي تقوم بخدمته وحمايته»، إذ إن «المعادلة بسيطة» بالنسبة له «رغم أن مستوى الخدمات قليل بحكم الإمكانات المتاحة»، وفق تعبيره.

لكن حتى وإن أقررنا بعدم وجود حالة ازدواجي ضريبي كما يذهب المسؤول في هيئة المالية، إلا أن ذلك لا ينفي وجود ضرائب ورسوم من جهتين مختلفتين، وهو ما يثقل كاهل الناس في مثل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة.

قوانين تعيقها الإدارة

«ما يطبق من قانون الإعلام هو فقط المادة 12 التي تقول إن من مهام مجلس الإعلام إعطاء رخص لمزاولة المهنة»، بحسب ما يؤكد فريد إدوار، ولكن الصحفي ينتقد حتى تطبيق هذه المادة الوحيدة «لكونه يتم بشكل خاطئ، ذلك أنه لا يجوز منح مزاولة المهنة لأيٍ كان، والمقصود هو قضية الفريلانسر، إذ بات الأمر يفهم على أنه تجارة لبيع المقاطع أو للسمسرة الإعلامية».

ويرجع إدوار السبب في عدم تطبيق قانون الإعلام الصادر منذ بداية 2016 إلا أنه من الممكن «أن يتسبب بعوائق أمام عمل الإدارة، لأن المادة 3 من القانون مثلاً تقول إنه لا توجد رقابة مسبقة على عمل الإعلام، بينما نجد أن الإدارة من الممكن أن توقفك عن العمل، وتسحب منك الرخصة عندما تكون هناك مادة لا تعجبها، وهناك أمثلة كثيرة في هذا الصدد».

 ويضيف الصحفي أيضاً أن «المادة 32 من القانون تقول بمحاسبة من اعتدى على الصحفي أياً كانت صفته، وهذا ما لم يحدث أبداً، رغم حدوث حالات اعتداء على الصحفيين، تم تبريرها بأنها تصرفات فردية».

 ونجد أن رئيس المجلس التشريعي يقول: «قانون الإعلام واضح، لكن لماذا لا يطبق لا أدري، ولكن مزاجية بعض الأشخاص قد تعرقل القوانين، لكن إجمالاً ليس من سياستنا أن نصدر قانوناً ولا نعمل به، وأي قانون يصدر فهو يصدر عن قناعاتنا»، إلا أنه يشير إلى «عدم حدوث أي حالة شكوى قدمت فيما سبق للمجلس التشريعي وقالت إن هذا النص القانوني لم يطبق».

تعاون الناس أم أمية قانونية

يكرر مسؤولو الإدارة الذاتية في حديثهم بأن المسؤولية الكاملة في تطبيق القوانين لا تقع على عاتق المؤسسات وحدها، ذلك أن بعض القوانين تحتاج إلى تعاون الناس. فيما يؤكد أخرون على أهمية الشكوى ودورها في تفعيل القوانين.

 الصحفي فريد إدوار أيضاً يجد أن «تطبيق القانون في أي بقعة من العالم يحتاج إلى مساعدة المجتمع والناس، كما وترتبط نسبة تطبيق القوانين بمستوى تطور ذهنية الناس في المجتمع»، ويرى إدوار أن «المواطن حينما، لا يقدم على الشكوى ضد موظف أو مسؤول دائرة رسمية ارتكب خطأ بحقه، فإنه يصبح شريكا ًفي هذا الفساد».

 إلا أن معاذ يوسف يشير بدوره إلى وجود قوانين وقرارات «ألحقت الأذى بالمجتمع ولم تساهم في استقراره كما هي الغاية من وراء سنها»، ويورد كمثال على ذلك «قانوني التجنيد (واجب الدفاع الذاتي)، والقرارات المتعلقة بالعملية التعليمية، ذلك أنها ساهمت في زيادة الهجرة، فكثير من الشبان لا يريدون الموت في حرب ليست لهم وسط حالة عدم استقرار وغياب التوافق السياسي، كما أن غالبية الناس من الطبيعي أن تقلق على مستقبل أطفالها».

خلافاً لذلك يرى خلو أن «الموضوع لا علاقة له بتعاون الناس، لأن السبب هو الأمية في القوانين»، ويتسأل «حالياً وسابقاً كم من السوريين عرفوا حقوقهم؟ كانت الأنظمة الاستبدادية تريد إفشاء الأمية القانونية، وقد أصبحت ثقافة».

بدورها تقول منى عبدالسلام: «كنا شهوداً على حالات كان فيها مرتكبو تعدد الزوجات لا يعلمون بأن القانون يمنع التعدد ما يعني أن هناك تقصيراً من جهة نشر هكذا قوانين».

ولا شك في أن إشكالية تعاون الناس من عدمه، تحتمل الكثير من الأسباب وربما تحتاج إلى معالجة خاصة بها، في وقت تتحدث فيه تقارير صحفية عن وجود فجوة بين الإدارة الذاتية وبين مواطنيها، وعلى اعتبار أن حالة الاستقطاب السياسي وغيرها من العوامل الاقتصادية والمعيشية والأمنية والنفسية قد يكون لها أثر في تعاون الناس من عدمه.

اعتبارات الأولوية والأهمية

يذهب حكم خلو إلى أن «القوانين المتعلقة بالوضع الاقتصادي والأمني والخدمي تحظى بالأولوية، بسبب أن هذه النواحي معرضة للتهديد ولها تأثيرات على مختلف شرائح المجتمع»، ولكننا نجده يشير إلى أن «التطبيق قد يتعلق بالقانون نفسه، فنجد أن قانون الإعلام أو قانون الحياة الثقافية، يهتمان بفئة ضيقة ومحدودة من المجتمع، أما قانون ضريبة الدخل وقانون الدفاع الذاتي يتعلقان بجميع شرائح المجتمع، ما قد يظهر للمراقب أن هناك اهتمام بهذا القانون دون غيره».

وإن كان الشطر الأول من تبرير المسؤول مقنعا من حيث أولوية الجوانب الأمنية والاقتصادية والخدمية، إلا أنه لا يخفى أن عدم تطبيق قوانين كالإعلام من شأنها أن توسم الإدارة الذاتية بطابع غير ديمقراطي بخلاف ما ترفعه من شعارات، على اعتبار أن حرية الإعلام معيار حاسم تقاس به سوية الديمقراطية في العالم، وقد تكون قضية استراتيجية بالنسبة لبعض الدول الديمقراطية، كما أن التفاوت والانتقائية في تطبيق القوانين عموماً يفقد الجهات المعنية مصداقيتها. حيث تؤكد المصادر القانونية على أن القاعدة القانونية تتوفر على ثلاث صفات هي أولاً العمومية والتجريد (أي تحكم كل الأشخاص وكافة الوقائع وليست مرتبطة بزمان ومكان محدد)، وثانياً تنظم الحياة الاجتماعية، وثالثاً تكون آمرة وملزمة، ودون ذلك يفقد أي قانون اعتباره، كما تفقد الجهة التي أصدرته مصداقيتها.

غياب الإمكانات وعدم توافر الظروف

من الممكن أن تتسبب الظروف الاستثنائية وضعف الإمكانات أحياناً في عدم القدرة على تطبيق بعض القوانين. فنجد المهندس طارق محمد (من لجنة البيئة) يتحدث عن عدم إمكانية تطبيق «الكثير من بنود قانون البيئة في الوضع الراهن، ذلك أنه لا يمكن طلب وضع حساس بيئة على سيارات البنزين ما لم يجري بداية تحسين نوعية البنزين، أضف إلى ذك أنه لا يمكن الطلب من أصحاب المولدات الكهربائية في الحارات وضع فلاتر (مصافي)، وهو ما تم تعميمه أكثر من مرة، لأن هذه الفلاتر تقلل من ضغط المولدة وقدرتها على التوليد وهذا قد يضيع جزءاً من الأمبيرات التي تكفي لتغذية عدة منازل، كما لا يمكن حالياً فرض القانون على الحراقات التي تنتج المحروقات بطرق بدائية».

لأسباب مماثلة يبرر الرئيس المشترك لهيئة الطاقة، عبدالكريم ملك، عدم أمكانية تطبيق قانون قمع ومكافحة الاستجرار غير المشروع للطاقة الكهربائية إلى أن «الاعتداء على الشبكة الكهربائية موجودة في كل المدن. فالقامشلي وحدها يوجد بها حوالي 5000 من التجاوزات، ولا يكفي عدد كوادرنا لضبط مثل هذه المخالفات».

الإدارة الذاتية «نتاج ثورة»

يتحدث مسؤولو الإدارة الذاتية عما يمكن تسميته بالشرعية الثورية التي يستندون إليها في إقامة مشروع الإدارة الذاتية، كما ويوضح العقد الاجتماعي، العناوين الرئيسة التي تنطوي عليها الأيديولوجية السياسية التي تقوم عليها هذه الإدارة.

ويذهب الرئيس المشترك للمجلس التشريعي إلى توضيح أكثر بالقول: «كثورة نحن نفكر بعقلية جديدة مغايرة لما كان سائداً في السابق، ونرى أن الإدارة هي لكل المكونات ولكل الأفكار بعكس ذلك النظام وتلك القوانين التي كانت نتاج عقلية السلطة وعقلية البعث».

 وإذ نجد أن العقد الاجتماعي مصاغ كما شأن غالبية الدساتير بنبرة طموحة وتأكيد على قيم إنسانية عليا، ورغم وجود بعض البنود التي تثير مخاوف معارضي الإدارة من الجوانب الإيديولوجية وإمكانية تعطيلها لبقية البنود الأخرى المنحازة للقيم الديمقراطية، إلا أن العقد الاجتماعي يعترف بوضوح أن الشعب «أعلى مصدر للسلطة» عدا تأكيده على أن «الإدارة تعتمد شرعة حقوق الإنسان والعهدين الدوليين وغيرهما من المواثيق ذات الشأن كجزء لا يتجزأ منه»، كما نجده يقر بأن «الحرية الشخصية مصانة، ولا يجوز توقيف أحد خلافاً للقانون».

وبينما من المفترض أن مواد العقد الاجتماعي تضع الخطوط الرئيسية الموجهة لإصدار القوانين وتطبيقها، إلا أننا نجد أن مناطق الإدارة الذاتية تشهد بشكل دوري حوادث اعتقالات لشخصيات معارضة، دون أن يكون هناك مراعاة لمواد العقد الاجتماعي، ما يعزز الفكرة السائدة المتداولة عن أن سن القوانين ووضع الدساتير وفقاً للمعايير والقيم الديمقراطية ليس مقياساً، طالما لا توجد إرادة سياسية لاحترام تطبيق هذه القوانين ومراعاة بنود العقد الاجتماعي، وهي أشبه بالحالة التي تعيشها العديد من الدول في منطقتنا والتي تحوي دساتيرها بنوداً منحازة للديمقراطية وحقوق الإنسان.

«في منطقتنا العملية السياسية قاصرة وهناك جهة واحدة تسيطر على السلطة وتوجه المنطقة والشعب، ولو كانت هناك مشاركة من جميع الجهات السياسية لقلنا إن السلطة السياسية شرعية»، يقول الحقوقي معاذ يوسف، عضو اللجنة القانونية في المجلس الوطني الكردي، ويرى أنه «في أي مجتمع أو دولة فإن شرط وجود توافق سياسي يأتي قبل بناء سلطة يمكنها أن تصدر القوانين».

ويؤكد يوسف أن «عدم ترخيص أحزاب المجلس الوطني سببه الوحيد أنه كان شريكاً لحركة المجتمع الديمقراطي في ثلاث اتفاقيات لم تتم، من ثم جاء الطرف الأخير ليفرض قوانينه بانفراد، لذا لا يستطيع المجلس تجاوز هذه الاتفاقيات التي تؤكد في بنودها على الحفاظ على الإدارة الذاتية وتطويرها»، وهو ما يوحي وكأن موقف هذا الإطار المعارض للإدارة الذاتية، لا يختلف من حيث المبدأ عن موقف باقي القوى السياسية الكردية وآراء العديد من الكتاب والمثقفين في كون الإدارة الذاتية مكسباً لجميع المكونات في المنطقة، علاوة على كونه مكسباً كردياً، ما يحتم العمل على تطويره وتصحيح الأخطاء فيه. فهل من إمكانية لتحقيق شيء من التغيير؟

خلو من جانبه أجاب على هذا التساؤل قائلاً: «موضوع التغير وارد جداً، ونحن منفتحون عليه، فعندما يعيق أحد القوانين تطور المجتمع، ويتسبب بعدم تحقق العدالة، نتقبل آراء الغير ونبحث عن الحلول. لذا الكثير من قوانينا تتغير، ونحن بصراحة أمام حالة متغيرة على كل المستويات في سوريا».

ماذا عن الحلول؟

تكاد غالبية مقترحات الحلول لمجمل المعنيين في تحقيقنا هنا تدور حول تلافي أسباب وقوع الانتقائية والتفاوت في تطبيق القوانين، فنجد أن منى عبد السلام ترى الأولوية «في أن يتم التطبيق على الجميع دون استثناء، كما وأن يتم نشر القوانين بشكل جيد، إضافة إلى توعية المجتمع بالكثير من القضايا المتعلقة بالمرأة مثلاً».

فريد إدوار بدوره يشدد على أن «الأهم هو أن تكون هناك إدارة فعلية، فالجميع يعلم أن لكل مؤسسة شخص آمر ناهي من كوادر حركة المجتمع الديمقراطي يشرف على عملها، وعندما يتم منح السلطات للمسؤولين الفعليين، سيمكننا انتقاد قرارات الإدارة، وبالتالي سنكون شركاء فيها وفي تطبيق قوانينها».

أما معاذ يوسف فيعطي الأهمية إلى «إجراء مراجعة عاجلة للقوانين؛ لأن بعضها جلب الكثير من الأذى لمجتمعنا»، ويحاجج بقوله إن «العبرة بالنتائج»، ويقترح أنه «بالإمكان أن تقوم منظمات مستقلة بتقييم نتائج القوانين»، كما ويتفق مع الحقوقية نالين عبدو على ضرورة أن «يكون من يشرع القوانين ومن يطبقها من المختصين».

 لكن نالين عبدو بدورها ترى أيضا أنه «لا بد من إعادة النظر في مفهوم قواعد العدالة الاجتماعية وعدم التمسك بها، ولا بد من الوقوف عندها، والتأكد منها هل كانت خطوة صحيحة أم لا؟» وتنهي رأيها بوجوب «أن تسلم أمور التشريع إلى رجال القانون والاختصاصيين وإبعاد يد الكوادر عنها».

Leave a Reply