مشاركة
مريم تمر
صحفية وشاعرة كردية من سوريا لها ديواني شعر مطبوعين وتنشر في عدد من الدوريات المحلية والعربية.

منذ أشهر تبحث أم أحمد عن منزل في مدينة قامشلو والإجابة المتكررة من قبل المكاتب العقارية هي «ما في بيوت»، وهي من كثيرين يعانون من مشكلة تأمين بيت في المدينة التي ولدت وكبرت وتزوجت فيها.

مشكلة تأمين منزل للعيش الكريم من جملة ما أفرزته الأزمة السورية من معاناة يومية يتعثر بها المواطن في تفاصيل حياته، إذ فرضت عليه أن يكون في امتحان لصبره في مواجهة ضغوطات كثيرة.

عوامل كثيرة ساهمت في أن تصبح أزمة السكن بحدودها القصوى لتكون هاجساً آخر لذوي الدخل المحدود، حيث بات البحث عن بيت مهمة ترعب المواطن الذي لا يملك بيتاً.

ويميل الرأي العام إلى تحميل النازحين كامل المسؤولية عن هذا الارتفاع في الأسعار، وهو أمر (أي ارتفاع الأسعار) ترافق فعلاً مع قدوم النازحين إلى المدينة، فقبل الأزمة السورية كان سعر البيت غير المجهز (على العظم) في مدينة قامشلو من 500 إلى 700 ألف ل.س، والرهن 250إلى 500 ألف ل .س، والأجرة من 2000 إلى 5000 ليرة سورية، لتصبح هذه الأرقام مضاعفة بعشرة أمثالها  تقريباً بعد ست سنوات من الحرب.

ولكن، هل هم السبب الوحيد في هذا الارتفاع؟

النازحون ودورهم في أزمة السكن:

ترافقت الأزمة السورية مع حركة نزوح بسبب النزاع المسلح نحو المناطق الآمنة نسبياً، وكانت مدينة قامشلو واحدة من تلك الوجهات التي أصبحت ملاذاً آمناً للنازحين من مناطق الرقة ودير الزور وحلب وكوباني، وأخيراً عفرين، ما أدى إلى اكتظاظ المدينة بهم، وزيادة الطلب على المنازل التي لم تعد متوفرة، ما أدى إلى ازدياد الأجرة لتصل إلى أضعاف مضاعفة عما قبل.

ويقول أبو محمد الذي يملك مكتباً عقارياً وسط المدينة إن النازح من هذه المدن وباختلاف أسباب النزاع فيها، يجد في مدينة قامشلو المكان الذي يؤسس فيها لحياة جديدة.

ويردف بالقول: «توافد النازحين إلى المدينة كان العامل الأبرز في أزمة السكن  إضافة إلى عوامل أخرى، إذ نجد أن أكثر مباني المدينة يسكنها نازحون من مختلف المدن السورية، وهذا ينعكس على أهالي المدينة الأصليين في عدم إيجادهم لمنازل».

ويضيف أبو محمد أن سعر عيادة في وسط المدينة وصل إلى 35 مليون ليرة سورية، في حين أنه كانت قيمة العيادة ذاتها قبل الأزمة هي مليون ونصف ليرة سورية، واعتبر ذلك «زيادة فاحشة لا مبرر لها».

أبو علي نازح من حلب يسكن في أحد أحياء المدينة في بيت أجرته خمسين ألف ليرة سورية، قال لنا إنه «لا خيار أمامنا سوى أن ندفع الأجرة كما يطلبون. بيوتنا تهدمت ولم يعد لنا مأوى آخر».

من جهته، أكد رئيس اتحاد المكاتب العقارية التابع للإدارة الذاتية، عدنان مسور، أن توافد النازحين هو العامل الأبرز لظهور هذه الأزمة.

ارتفاع سعر الدولار مقابل انخفاض العملة السورية

العملة التي فرضت نفسها بعد الحرب السورية هي الدولار الأمريكي ليتم بيع أغلب ما في سوق المدينة بحسب سعر صرف الدولار.

في مكتب عقاري على طريق الحسكة يعمل أبو أحمد الذي عزى ارتفاع الأسعار إلى كثرة الطلب على البيوت، وأن العاملين الأكثر بروزاً في الحالة هما: توافد النازحين إلى المدينة، وانهيار العملة السورية بعد الحرب مقارنة بسعر الدولار.

وأضاف أبو أحمد أن العملة السورية لو عادت كما كانت قبلاً، ستنخفض الأسعار، باعتبار أن شراء كل مواد البناء وتجهيز البيوت يكون بالدولار الأمريكي، وأن انخفاض أسعار مواد البناء وتجهيز البيوت سيكون عاملاً مساهماً في انخفاض أسعار العقارات.

على شارع الوحدة يملك أفرام شمعون مكتباً عقارياً يعمل فيه منذ سبع سنوات.

 يقول شمعون عن غلاء العقارات: «الشقة التي كان سعرها خمسة ملايين أصبحت تباع بعشرين مليون، وقد يصل سعر بعض الشقق السكنية إلى أكثر من خمسين مليون ليرة سورية بحسب المنطقة والعقار، ولا توجد شقة تحت الـ 15مليون ل.س إلا في أطراف المدينة المهملة، وانهيار العملة السورية أحد أسباب هذا الارتفاع في الأسعار».

لا بد من وقف الاحتكار والاستغلال

السمة الأبرز التي رافقت الأزمة السورية هي الاستغلال والاحتكار، ليكون «العض على الجرح» عمل كل الذين يستغلون الأزمة للكسب المادي الأكبر.

حسن جاجان من لاعبي كرة نادي الجهاد، يعمل في مكتب عقاري في الحي الغربي من المدينة منذ سنوات، المكتب الذي استلمه من صديق له سافر إلى أوربا بعد الأزمة.

جاجان اعتبر عمله «مؤلماً للرأس» في بداية حديثه عن العقارات وارتفاع أسعارها.

 وأضاف: «التجار الكبار هم من يتحكمون بالأسعار ويحتكرون المشاريع، وينعكس كل هذا على المواطن، فأصغر شقة وصل ثمنها إلى 15 مليون، أما بالنسبة للأجرة أو الرهن فالمتضرر الأكبر هو المواطن، إذ يصل السعر الأدنى لآجار بيت إلى 15 ألف ليرة سورية، والرهن يفوق المليونين والنصف ليرة سورية».

وأردف: «يجب تنظيم حالة العقارات السكنية في المنطقة، والتقيّد بسعر معين، هناك فوضى كبيرة، ولا بدّ من وضع حدّ للاحتكار.

أم أحمد سيدة من قامشلو تقول: «منذ خمس سنوات سكنت في أربعة بيوت، المعاناة في إيجاد بيت مناسب لا تقل عن معاناة حالة الخوف من الحرب».

«أنا أسكن الآن في الطابق الرابع بآجر شهري قدره 25 ألفاً، وأعتبر نفسي محظوظة بهذا السعر، رغم أنه يبلغ نصف معاشي الشهري».

وتضيف أم أحمد: «إن شراء بيت صار من الأحلام التي لن نصل إليها، وأن تكون كل عام في بيت جديد مشكلة، وتخلق لديك حالة من عدم الاستقرار، ناهيك عن صعوبة في التأقلم على البيت الجديد ومع الجيران».

وتتابع: «إن نقل أغراض المنزل وحده كارثة حقيقة، خاصة إذا كان البيت الجديد في الطوابق العليا، فما بالك بالذكريات وحياة كاملة لك في بيتك السابق تشمل المواقف والمناسبات العائلية بحلوها ومرّها».

وتتهم أم أحمد أصحاب البيوت باستغلال المستأجرين واحتكار المنازل، والاستغلال «شغال ع أبو جنب». «حتى النازحين تستغل حاجتهم فيرفعون أسعار البيوت، لأنهم يعرفون أنه لا بديل لديهم».

المنظمات عامل آخر في زيادة الأزمة

جلبت الأزمة السورية منظمات المجتمع المدني إلى المدينة، والتي كان لها دور في ارتفاع الأسعار، إذ يتطلع أصحاب البيوت إلى الحصول على سعر عال، ويجدون في المنظمات «الصيد الأفضل»، رغم أن أسعار بيوتهم ارتفعت عدة أضعاف.

على طريق الحسكة في مدينة قامشلو، وإجابة عن سؤالنا عن أسباب ارتفاع أسعار أجار البيوت، أجابنا صاحب مكتب عقاري قائلاً إن «أصحابها بانتظار أن يؤجروها للمنظمات بسعر كبير، وما يطلبونه أن يكون المستأجر منظمة».

أبو حسين يملك بيتاً في الحي الغربي ويعتبر أجرة البيت دخلاً إضافياً لعائلته، ويجد من حقه أن يطلب خمسين ألف ليرة سورية أجرة شهرية للبيت لأن «حنفية الماء أصبحت بالسعر الفلاني والمعيشة صعبة والوضع لا يطاق».

أبو عماد يملك مكتباً عقارياً على شارع منير حبيب قال لنا بامتعاض: «هناك الكثير من البيوت أصحابها مسافرون ولكن الطمع أكل قلوبهم، إنهم يريدون تأجير بيوتهم بالدولار للمنظمات».

تبييض الأموال ودوره في ارتفاع الأسعار

مع حالة الفوضى وعدم الاستقرار الأمني والقانوني، انتشرت الطرق غير الشرعية لجمع الأموال، ووجد الكثيرون ذلك فرصة لجمع المال بأي طريق كانت ليسعى بعدها إلى شرعنة ثروته الطائلة عبر شراء العقارات تفادياً لسؤال «من أين لك هذا؟».

مع تحفظه على اسمه، حدثنا صاحب مكتب عقاري أن أزمة السكن تابعة للأزمة بشكل عام.

ويقول صاحب المكتب العقاري: «إن دخول أموال غير شرعية بشكل كبير إلى المدينة جعلها تتجه لشراء العقارات بسعر كبير حماية لها، وهذه تعتبر أفضل طريقة لغسل الأموال».

مضيفاً أن «أفضل شقة في المدينة كانت بعشرة ملايين ليرة سورية، وبعد الأزمة وصلت إلى ثمانين مليون ليرة سورية وأكثر، ولا يوجد سبب واضح سوى أن هناك أموالاً غير شرعية يتم ضخها في المدينة ويتم تبييضها من خلال شراء العقارات».

الإدارة الذاتية لا بد أن تضع حلولاً ناجعة

الكثير من المواطنين وأصحاب المكاتب العقارية أبدوا عدم رضاهم عن الأسعار الذي اعتبروها «فاحشة» في البيع والآجار ورهن البيوت، وألقوا باللائمة على الإدارة الذاتية لعدم وضعها قوانين رادعة تحد من الأزمة وأن عليها تنظيم حالة الفوضى في «حارة كل من إيدو الو»، كما قال أبو علي من أهالي الهلالية، إحدى أحياء المدينة على الحدود التركية، والذي يسكن في بيت طيني أجرته الشهرية عشرة آلاف ليرة سورية في الشهر.

من جهته يقول عدنان مسور، رئيس اتحاد المكاتب العقارية، إن «الاتحاد تقدم بمسودة قرار لتنظيم حالة الفوضى وتحديد الأسعار بحسب العقار والأحياء، منذ ما يقارب العام لغرفة التجارة في مدينة القامشلي التابعة للإدارة الذاتية، والذي يضم عدداً من الاتحادات المهنية في المدينة ومنها اتحاد المكاتب العقارية».

التقينا في غرفة التجارة مع وليدة محمد إبراهيم، الرئيسة المشتركة للغرفة التابعة للإدارة الذاتية، التي قالت: «وصلتنا اقتراحات اتحاد المكاتب العقارية بشأن وضع حلول لارتفاع الأسعار وأزمة السكن، ونحن بدورنا رفعنا المشروع لاتحاد غرف التجارة في إقليم الجزيرة، وهنا لابد من التنسيق بين هيئة البيئة والبلديات ومجالس الأحياء واتحاد المكاتب العقارية لوضع الحلول الناجعة وتقديمها لمديرية التجارة العامة، وهي المعنية بتحديد الأسعار لتصبح قيد التنفيذ».

في مديرية التجارة العامة التابعة للإدارة الذاتية في قامشلو التقينا مدير المديرية، عبد الرحيم أحمد، الذي اعتبر أن هناك مشكلة متضخمة وأن «أهم قرار اتخذ حتى الآن هو عدم تجديد العقود للنازحين من خارج إقليم الجزيرة للذين أصبحت مناطقهم آمنة ليعودوا إليها».

وأضاف: «هناك مشروع قرار قيد الدراسة لتطبيق قانون بخصوص العقارات لتحديد الأسعار وتنظيمها على مستوى إقليم الجزيرة»، مؤكداً أنهم في «القريب العاجل» سيحاولون إيجاد حلول مناسبة ومنصفة لهذه المشاكل لأن «المواطن أصبح في حالة لا يستطيع تحمل كلفة استئجار منزل».

إذاً، يشكل النازحون واحداً من عدة أسباب في زيادة أزمة السكن وارتفاع الأسعار، عبر زيادة الطلب على البيوت، إلا أن الأسباب الأخرى لا تقل تأثيراً عنه. رغم ذلك نجد أن الإدارة الذاتية تتجه إلى الاكتفاء بمحاولة حل مشكلة النازحين متجاهلة مشاكل اقتصادية ومجتمعية كبرى مثل غسيل الأموال والاستغلال والاحتكار.

وبين قرارات مازالت قيد الدراسة وحلول غير ناجعة، يبقى أهالي المدينة غارقين في مشاكل اقتصادية تثقل كاهلهم وتقض مضجعهم، ولسان حالهم يقول: «من وين نلاقيها لنلاقيها».

أم أحمد تقول بامتعاض: «هل تعلمين أنه لن يكون لي منزل إلا إذا ربحت كرت يانصيب».

جبينها المتعرق يختصر معاناة أهالي مدينة سميت بمدينة الحب، المعاناة  التي قلما تجد آذانا صاغية، معاناتها اختصرت بعبارة قالتها في نهاية حديثنا معها: «مؤلم جداً ألا يكون لك بيت تزرع فيه شجرة».

Leave a Reply