الرئيسية رأي ما يريده الكرد من الدستور السوري الجديد

ما يريده الكرد من الدستور السوري الجديد

شورش درويش
كاتب كردي من سوريا يكتب في العديد من الصحف والمواقع العربية.
مشاركة

تخلّص العراق مبكّراً من مسألة إنكار الوجود الكردي، إذ بدأ الاعتراف بهذا الوجود مع الاحتلال البريطاني للعراق، ثم ما لبثت أن تحوّلت مع مرور الزمن وتبدّل الأنظمة إلى حالة إقرار دستوريّة تضفي الطمأنينة النسبية للوجود والثقافة الكرديتين، كما حصل في دستور عبدالكريم قاسم المؤقت لعام 1958 الذي أقرّ بالشراكة بين العرب والأكراد في مادته الثالثة.

وبمعزل عن سياسات حزب البعث المرعبة إزاء الأكراد والحركة التحررية الكردية، إلّا أن البعث، وللمفارقة، تحلّى بالشجاعة اللازمة في مسار الاعتراف الدستوري بالوجود الكردي ابتداءً بالدستور المؤقت لعام 1963، وصولاً لدستور عام 1970 المؤقت والذي نصّ بالحرف في الباب الأول منه وفي المادة الخامسة «يتكوّن الشعب العراقي من قوميتين رئيستين، هما القومية العربية والقومية الكردية ويقر هذا الدستور حقوق الشعب الكردي القومية …» وكذلك في المادة السابعة الفقرة (ب) من ذات الباب أقر الدستور: «تكون اللغة الكردية لغة رسمية إلى جانب العربية في المنطقة الكردية».

تطوّر الوضع الدستوري والقانوني لأكراد العراق في الفترة اللاحقة على الاحتلال الأمريكي، ليحقق الأكراد حضورهم في دستور 2005 وليتم استخدام «كردستان» في المناطق المشيرة إلى الإقليم الكردي الفيدرالي باسمه الصريح، فضلاً عن الاعتراف باللغة الكردية والوجود والشراكة.

على العكس من ذلك، جرى في تركيا إنكار الوجود الكردي منذ تأسيس الجمهورية التركية وتصديق البرلمان على الدستور الأول للجمهورية 1921 الذي جاء أقرب إلى دستور عرقي منه إلى وطني/قومي في ما خص هوية مواطني الدولة، لتستمر الدساتير التركية اللاحقة والتعديلات الطارئة عليه متشبّثة بتركيا العرقية، أي تركيا الأتراك فحسب، ولأجل عدم الخوض في المقارنات، تجدر الإشارة إلى دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية 1979 والذي كرّس ثيوقراطية الدولة، إلّا أنها ثيوقراطية بزيّ قومي فارسي، ولعل المادة 15 من هذا الدستور، والتي تحصر اللغة الرسمية بالفارسية وتتساهل مع باقي اللغات في الإعلام والتدريس، تلخّص ما يجب قوله في هذا المضمار.

قد تكون المقدّمة أعلاه رتيبة بعض الشيء إلّا أنها ضرورية عند تناول أوضاع أكراد سوريا، عملاً باستعمال المقارنات بين أوضاع عموم الأكراد في الأجزاء الثلاثة وأكراد سوريا الذين قاسوا الكثير أيضاً تحت وطأة سياسات الإنكار والتهميش والاستبعاد التي تكثّفت في فترة الوحدة السورية المصرية (الجمهورية العربية المتحدة)، ثم حكم الانفصال الذي أضاف وسم «العربية» إلى الجمهورية السورية، لتشهد سوريا منذ الوحدة وحتى إصدار الدستور الأخير 2012 تأكيداً لعروبة سوريا، وكأنه تأكيد المتشكك من عروبة البلاد، ولعلّها عروبة منقوصة طالما أنها لا تقرّ دستورياً بوجود إثنيات شريكة في البلاد.

منذ بدايات تأسيس أول حزب كردي، تحوّلت أنظار القوميين الأكراد إلى وجوب الاعتراف بالوجود والحقوق الكردية في سوريا، ومع انقسام الحزب الكردي الأول وتوالده إلى أحزاب وتيارات سياسية بقي مطلب الاعتراف الدستوري بالوجود الكردي مطلباً عمومياً ومشتركاً لدى الجميع، إلّا أنه مع عدم امتلاك الأكراد وسائل ضغط على نظام دمشق بقي هذا المطلب أقرب إلى شعار بلا ملامح، شعار بلا تفاصيل أو تحديد.

يؤخذ على الحركة الكردية السياسية أنها لم تحدد بعد ما تريده من الدستور القادم، في الوقت الذي يتم الإعداد للم شمل اللجنة الدستورية التي أقرها ممثل الأمم المتحدة ستيفان دي مستورا، وبعبارات محدّدة أكثر: لا يوجد تصوّر كردي مسبق لملامح الدستور المقبل في ما خصّ وجودهم، وشكل تعريف حضورهم كإثنية  سواء بما يسمّى «الاعتراف السلبي أو الإيجابي»، فالاعتراف السلبي يعني أن تكون الدولة السوريّة عموميّة ومجرّدة، أي تكون دولة الكل الاجتماعي دون تحديد هويّة الدولة القومية، كالقول بالجمهورية السورية على ما كانت عليه تسمية البلاد قبل وصول القوميين إلى سدّة الحكم وإضافتهم الدمغة القومية العربية على اسم الجمهوريّة، مع ما يحفظ للثقافة واللغة الكرديتين مكانتهما في ظل التعددية الإثنية القائمة، بالإضافة إلى منح الأطراف حقوقاً لامركزية تقيها من تغوّل المركز وتحكّمه بالمجتمعات الأهلية في الوحدات السكانيّة القصيّة.

أو الاعتراف الإيجابي بالأكراد وفق صيغة دستورية محدّدة تعترف بشراكة الأكراد للبلاد كما في المثال العراقي، بالإضافة إلى سلّة حقوق محددة تتناول وضع الثقافة واللغة الكرديتين، وإزالة السياسات والترتيبات القانونية التي أدّت إلى استبعاد وتهميش الأكراد.

في كلتا حالتي الاعتراف هاتين ينبغي أن تكون مطالب الأكراد محدّدة ومتخيّلة بشكل يتناسب مع دولة المواطنة والشراكة، إلّا أن الحاصل في الحالة الكردية أن لا إجماع كردي حول نص واضح وصريح يتناول مصيرهم القومي في سوريا، مع الأخذ بالحسبان مسألة إمكانيات قبول الشركاء السوريين لبعض المسائل أو رفض بعضها الآخر.

في مطلق الأحوال، ثمّة خشية أخرى في هذا المقام تتمثل في إمكانية حدوث انتكاسة تطال مسألة الاعتراف والشراكة من خلال التراجع عن المواد الدستوريّة المخصّصة لإنصاف الأكراد، لذا لا بد من لفت عناية المشتغلين في هذا المجال إلى وجوب حماية حقوق الأكراد عبر ما يسمّى بالمبادئ الدستورية العليا، أو المبادئ ما فوق دستورية التي تحمي الأقليات من تغوّل الأكثرية، ولعل مثل هذا التحصين القانوني قد شكّل علامة فارقة في الدساتير الديمقراطية التي نجحت في حماية المجتمع من الانتكاس وعودة الديكتاتورية، أو في حالات منع انبعاث الأحزاب والتيارات الفاشية أو النازية، أو في حالات حماية الجماعات الأهلية أو الدينية من صعود التيارات الشوفينية أو المتعصّبة.

ليس من الممكن معرفة موعد انعقاد جلسات اللجنة الدستورية نظراً إلى إمكانية حصول مفاجآت أو استبدال في الأولويات المتعلّقة بالصراع السوري، أو قد تتحكم الدول الإقليميّة أو الممسكة بالملف السوري بتفاصيل الدستور شكلاً وموضوعاً، أو ربّما قد تصل الأمور إلى مستوى تلغى معه فكرة وضع دستور جديد للبلاد وانتفاء الحاجة إلى مثل هذا الإجراء، لكن ومهما يكن من أمر ذلك، فإنه ينبغي من باب الواجب أن تسعى الحركة الكردية إلى بلورة تصوّر واضح ومحدد في ما خصّ وجودهم في سوريا، ذلك أن جوهر نضال الأكراد طيلة العقود السابقة تمحور حول مسألتي الاعتراف بالشراكة وإزالة السياسات الشوفينية التمييزية، دون أن يغيب عن الخاطر أن الكلمات مهما كانت عادلة ومنصفة تبقى كلمات إن لم تتوّج بسلطة ديمقراطية تسعى إلى تطبيق الدستور والقانون العادلين.

حريُّ بنا التذكير بحالة أكراد العراق الذين وضعوا مسألة الاعتراف الدستوري في مقدّمة مطالبهم أثناء الحوارات والمفاوضات مع حكومات بغداد وأنهم قد قطعوا أشواطاً كبيرة في هذا المجال، وذلك على الرغم من أن كلمات الدستور لم تحمهم من طغيان بغداد، إلّا أن الاعتراف مهّد الطريق لانتزاع حقوق أكبر في ما بعد، ودرّب العراقيين على فكرة قبول الأكراد شركاء في البلاد وإدارتها، وفي هذا ثمّة ما يجب أن يُلهم أكراد سوريا ويحثّهم إلى المضي في العمل لأجل إيجاد دستور ينصفهم وإن في حدودٍ دنيا.

Leave a Reply