الرئيسية رأي هل نحن سوريون؟ أزمة الهوية والانتماء وحضورهما في الأزمة السورية

هل نحن سوريون؟ أزمة الهوية والانتماء وحضورهما في الأزمة السورية

مشاركة

بوجه ما، جاءت سنوات ما سمي بالربيع العربي كاختبار للهويات الوطنية التي كشفت عن هشاشة غير مسبوقة في مجمل البلاد التي وصلتها الاحتجاجات مع أواخر العام 2010 فصاعداً.

وبدا أن الاختبار كان يغدو أكثر صعوبة بمقدار ما كانت ديمغرافية البلد المعني غنية بعدد أكبر من المكونات، تماماً كما ظهر في الحالة السورية التي تضم تركيبتها السكانية ما يقارب الـ 20 مكوناً اثنياً وطائفياً ودينياً. فالسوريون لم ينقسموا فقط ما بين معارضة وموالاة، بل كانت هناك كتلة ثالثة صامتة، عدا أن الوسط المعارض كان في حالة انقسام وتشرذم في الجانب السياسي مبكراً، ولاحقاً في الجانب العسكري، (حيث تشير بعض الاحصائيات إلى أن عدد فصائل المعارضة المسلحة وصل إلى أكثر من 100 فصيل)، إضافة إلى حالة الشقاق ما بين العسكر والساسة المعارضين الذين لم يتمكنوا قبل ذلك من تمثيل الحراك السلمي على الأرض.

اختبار الهوية والانتماء كان حاضراً منذ البدايات، حين جال هتاف الحرية مختلف المناطق السورية في زمن قياسي، كاشفاً معه لأول مرة وجود معارضة واسعة ترفض الانتماء إلى «سورية الأسد»، الهوية التي حاول النظام ترسيخها عبر عقود من حكمه، وما شعار «الله، سوريا، حرية وبس» إلا التعبير الأوضح لرفض هذه الهوية التي كان فيها الولاء لعائلة الأسد محور الوطنية ومقياس الانتماء للبلاد، فكان أن أوحت الاحتجاجات وشعاراتها في مناطق الأكثرية بوجود هوية وطنية جرى تغييبها خلال فترة الأسدين الأب والأبن، بينما كانت مكونات أخرى كالكرد وغيرهم من المحسوبين على «الأقليات»، تأمل في أن تكون الاحتجاجات بداية لتكوين هوية وطنية جديدة، فالتف الجميع حول شعار «الشعب السوري واحد».

إلا أنه ومع طول أمد الأزمة، بدأت القضايا الخلافية تطفو على السطح بين المعارضات، ولا يمكن إغفال الدور الذي أدته استراتيجية النظام في مواجهة الحراك عبر دفعه من السلمية إلى العسكرة باستخدام العنف المفرط، وصولاً إلى أسلمته ومن ثم ظهور الحركات المتطرفة، بالتزامن مع التدخلات الإقليمية والدولية التي جلبت أجندات مختلفة، أتت لصالح النظام في النتيجة، وعززت التناقضات بين معارضيه، حتى بات الاختلاف الطبيعي في الرؤى والآراء كافياً ليصل ببعضهم إلى ممارسة التصفية بحق معارضين أخرين، (ولنا أن نتصور كيف لنشطاء من أمثال رزان زيتونة ورفاقها أن يختطفوا في منطقة وسط الغوطة الشرقية يسيطر عليها فصيل ثوري مفترض كجيش الإسلام، مع مفارقة أن النظام قام قبل ذلك بتفريغ سجن صيدنايا من المتطرفين وجعله معقلاً للنشطاء السلميين).

لاحقاً، وصلت أزمة الثقة والانقسامات العميقة إلى مستوى الشارع بين المكونات، وهو ما نجده الآن ينعكس في شكل خطاب كراهية يتفاقم منذ سنوات على وسائل التواصل الاجتماعي؛ بحيث يتخذ مضامين تكفيرية بين المكونات عموماً، وتخوينية بين العرب والكرد على وجه الخصوص، ما يظهر حجم تدهور العلاقة مع الآخر المختلف على أساس فكري أو عرقي أو ديني.

إلا أن الحديث عن علاقة السوريين ببعضهم لن يستقيم دون طرح تساؤلات أكثر جرأة؛ تُرى في أي مرحلة من مراحل تاريخ سوريا كدولة كانت علاقة السوري مع السوري الآخر مبنية على أساس الاعتراف باختلافه وتقبله كنِّدٍ في الإنسانية والوطنية؟ وهل يمكن التسليم بصوابية حصر أسباب فشل الحراك الاحتجاجي بالجوانب الموضوعية والقول إن المواقف الدولية أتت لصالح النظام، دون الاعتراف بوجود جوانب ذاتية، من حيث فشل هؤلاء المعارضين في تقديم خطاب وطني جامع يأخذ بعين الاعتبار كل هذا التنوع الديمغرافي في سوريا؟ أضف إلى ذلك، ألم يكن تجاهل الحساسيات التاريخية ما بين المكونات والفشل في جمعها في صيغة اندماج وطني ومجتمعي في كل مراحل تاريخ سوريا، عاملاً سهل نجاح سياسات النظام واستراتيجيته في مواجهة الحراك؟

ما تقدم يحيلنا بشكل أو بأخر إلى وجود أزمة هوية سابقة على الأزمة السياسية في هذه البلاد (كشأن جميع دول المنطقة)، التي لم تمر بفترات استقرار وهدوء خارج منظومات الاستبداد إلا قليلاً. فسوريا مثلاً شهدت أول انقلاب عسكري في العام 1949، أي بعد أقل من 3 سنوات من حصولها على الاستقلال الفعلي من فرنسا، لتستمر بعدها سلسلة من الانقلابات ما بين أعوام (1949-1951)، ولا يخفى أن الاستقرار السياسي الذي شهدته بدون تعددية سياسية وفي ظل سيطرة الحزب والقائد الواحد خلال فترة الوحدة (1958-1961) أو خلال فترة البعث (1963-1970)، ومن ثم في عهد الأسدين الأب والأبن (أطول الفترات في عمر سوريا)، كان بفضل القمع والآلة الأمنية.

لذا إن صح ما تتغنى به المعارضة من وجود فترة ذهبية للحياة السياسية والديمقراطية خلال ما تبقى من 9 سنوات متقطعة من عمر سوريا، وخارج الفترات المذكورة أعلاه، فإن المدائح التي تتحدث عن عظمة تلك الفترة، والفارق الكبير بين ما كنا عليه من «علو» حينها، وما وصلنا إليه من «انحطاط» الآن، وعن أنها النموذج الأصيل لما يمكن أن تكون عليه صورة سوريا المستقبلية، بحكم ما كانت عليه علاقة المكونات السورية من انسجام وتألف ولا يشوبها أية شائبة، فإن هذه السرديات الإعلامية ليست في أفضل الأحوال إلا رومانسيات ثورية، ولا يمكنها أن تخفي حقيقة أن هذه البلاد كانت صناعة أياد وإرادات خارجية، لا نتاج إرادة أبناء المكونات التي تعيش في جغرافيتها، والواقع المؤلم الذي نعيشه، كما تاريخ هذه البلاد على مدى 72 عاماً، يثبتان أنها لم تمتلك حتى الآن أية مقومات انتماء حقيقية كوطن، والسبب الجوهري في ذلك هو تجاهل إرادة مكوناتها منذ البدء وحتى اللحظة، لذا ليس مبالغة القول إن سوريا باتت الآن أشبه بسجن جماعي، وما على نزلائه إلا إيجاد صيغة تعايش تجمعهم.

ولولا اتضاح أن لا إرادة دولية لتقسيمها وتغيير خارطة المنطقة بعد سبع سنوات، فهي بكل بساطة تتوفر على جميع المقومات لكي تنقسم على أساس طائفي وعرقي، بل وحتى مناطقي/عشائري. والأمر ربما ينطبق على الكثير من بلدان الربيع العربي وغيرها ممن تتشابه مع سوريا في تركيبتها السكانية.

الأكثر تراجيدية في هذا السياق هو أن يلتقي حزب البعث مع قوى الإسلام السياسي المعارضة له على التشكيك بوطنية الأقليات وانتمائها، وذلك من حيث أن البعث دائماً ما كان يتبع ذلك كسياسة في مواجهة مطالب الاعتراف بوجودها أو بحقوقها، في حين أن المعارضة الإسلامية دائماً ما كانت تلمح بوجود حلف للأقليات في مواجهة الأكثرية السنية، وتأخذ عليها عدم انخراطها في الثورة الوطنية، رغم أن هذه المعارضة قبلت بأسلمة الحراك وبظهور الحركات المتطرفة لغايات ومصالح فئوية وطائفية، ولم تراعِ أبداً مخاوف الأقليات، أو ضرورة أن تبقى الثورة حاملة للطابع الوطني وألا تنحدر إلى سوية الصراع على السلطة، كما أراد لها النظام.

 وأما التوافق الآخر الطريف الذي جمع البعث مع قوى الإسلام السياسي، فهو اتفاقهما على اتهام الكرد بالعمالة والانفصال، سواء عبر تصريحات قيادات من الطرفين علانية، أو من خلال خطابهم الإعلامي المؤدلج تلميحاً. هذا في الوقت الذي يعتبر فيه عجز الكيان السوري مجتمعاً ودولة، وسلطة ومعارضة، في كسب انتماء الكردي دليل آخر على تهافت الادعاءات بوجود هوية وطنية جامعة سابقاً، كما وغياب الخطاب الوطني راهناً، ولا شك أن هذين التيارين بإيديولوجيتهما وأطروحاتهما السياسية ما فوق الوطنية، يتحملان جزءاً كبيراً من مسؤولية عدم حل تناقضات هذه البلاد، وبالتالي في عدم «وصولها إلى سوية مفهوم الأمة»، على حد تعبير السوري- الأشوري سليمان يوسف.

ولا بد من أن سيطرة الجيش التركي مع فصائل المعارضة على عفرين مؤخراً، وارتكابهما لجميع ما كانوا يعيّرونَ النظام به من جرائم، ستكون كافية لتعزيز الانتماء القومي لدى الكرد على حساب أية انتماءات أخرى. فالمعارضة باتت في نظر الشارع الكردي لا تختلف عن النظام رغم خلافها معه، وهي لا تزال تساهم بشكل متعمد، وفق ما تؤكده تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، في تحقيق التغيير الديمغرافي لصالح ما يسمى بالأمن القومي التركي. عدا عن أنها شاركت في ارتكاب كل ذلك في عفرين، بدافع قومي عنصري اختلط مع دافع ديني طائفي، سواء أكان ذلك ضد كردٍ مسلمين أو إيزيديين أو علويين أو مسيحيين.

وإذ يتجدد الحديث عن إيجاد حل سياسي للأزمة السورية بين فترة وأخرى، لا يبدو أن سقف الطموحات يتعدى وقف المعارك لوقت قصير، فتراكم الأحقاد وغياب العدالة وبقاء النظام وجميع القوى التي ارتكبت جرائم دون محاسبة، يجعل من احتمالية انفجار الأزمة قائماً في قادم الأيام، لكن الأخطر هو ألا تجد الأوساط المثقفة في سوريا وتيارات المعارضة السورية ضرورة لإجراء مراجعة شاملة لما جرى خلال سنوات الأزمة من باب مواجهة الذات وفتح النقاش حول جميع القضايا والتناقضات التي أوصلنا تغييبها وعدم مواجهتها بجرأة إلى ما نحن عليه الآن، دون ذلك لن نكون بعيدين عن تكرار سيناريوهات من شأنها أن تعود بنا إلى الدوران في حلقة مفرغة، وتقديم المزيد من التضحيات من أجل أجندات الآخرين.

Leave a Reply