الرئيسية تحقيقات برغم واقعٍ لا يخلو من المنغصات… الزراعة في “الجزيرة – روج آفا”...

برغم واقعٍ لا يخلو من المنغصات… الزراعة في “الجزيرة – روج آفا” تحاول الاستنهاض بيد مزارعيها والهيئات المسؤولة

مشاركة
عمليات الحصاد في الجزيرة - أرشيف

روك أونلاين – الجزيرة

غيبت السنوات الأربعة الماضية عن واقع منطقة “الجزيرة – روج آفا” شهرتها الزراعية، التي تعتبر العامود الفقري لاقتصادها وعائداتها ومواردها، حتى سميت بـ”سلة الغذاء السورية” لخصوبة تربتها التي تشتهر بزراعات القمح والقطن، بالإضافة إلى الشعير، والخضار والبقوليات، والزراعات العطرية.

تلك الزراعات تراجعت خلال السنوات الماضية بسبب الحرب الدائرة في البلاد، وهجرة الكثير من أهالي المنطقة، وعدم وفرة المواد واليد العاملة، بالإضافة إلى إغلاق جميع المنافذ المطلّة على المنطقة من المحافظات، وندرة وصول المواد إليها.

تمثل المساحة الزراعية في المنطقة، 29% من إجمالي المساحة المزروعة في سوريا، فقد بلغت المساحة المروية في المنطقة عام 2006 نحو 433,822 هكتاراً، والمساحة البعلية نحو 826,251 هكتاراً.

الزراعة في الجزيرة 6في بداية شهر آذار من كل عام، يقوم المزارعون برش مبيد الأعشاب في الحقول وذلك في إطار القضاء على الأعشاب الضارة بالمحصول الزراعي. طرق المكافحة تتم، بعد ظهور الأعشاب التي  تمر بثلاثة طرق: “المكافحة الميكانيكية”، وتشمل الحراثة والقلع والتعزيق، و”المكافحة الزراعية”، وتشمل منافسة المحصول والدورات الزراعية ، أي زراعة القطن بعد القمح لتحافظ الأرض على قوتها،  فيما تشمل الطريقة الثالثة المبيد الحيوي، أما الطريقة الرابعة “المكافحة الكيميائية” وتشمل استخدام مبيدات أعشاب “رفيعة” و”عريضة”، تتم بطريقة الرش على المحصول للقضاء على الأعشاب الضارة.

الموسم الزراعي الحالي:

تنفس أهالي المنطقة الصعداء هذا العام، خلال موسم يقال برغم الظروف التي تمر بالبلاد، بأنه أفضل حالاً من سابقاته، بسبب بعض الاستقرار الأمني الذي تشهده المنطقة الخاضعة لسيطرة “الإدارة الذاتية الديمقراطية”.

عن الموسم الزراعي هذا العام يقول “ممدوح تخوبي”، مزارع من مدينة عامودا، إن الموسم بشكل عام هذه السنة جيد، مع بعض المنغصات التي ظهرت في الحصول على السماد، حيث لم تأخذ الأرض كفايتها من السماد الآزوتي، ولو أخذت الأرض كفايتها من السماد، لكان الانتاج ضعفي العادة، “لكن بشكل عام زراعة الشعير والحنطة والعدس جيدة هذه السنة”.

وقد اشتكى العديد من المزارعين في المنطقة، من احتكار التجار لمادة السماد، ففي أشهر حاجة المزارعين للسماد، وصل سعره لحد الـ120 ليرة سورية في بعض الأيام، بحجة أن طرق إيصالها إلى المحافظة مغلقة.

الزراعة في الجزيرة 2أصحاب الحصادات عانوا من عدم توفر قطع التبديل لآليات الحصادة، لذا اعتمد غالبيتهم على إصلاح القطع السابقة، بسبب غلاء الأسعار وعدم استيراد قطع التبديل للمنطقة. وكانت “هيئة الزراعة والري” في “مقاطعة الجزيرة” بتاريخ الثاني عشر من آيار 2015، قد حددت أجور الحصادات لموسم هذا العام، مع استثناء منطقة ديريك بسبب وعورتها الجبلية ما يعني اختلاف الاسعار فيها عن المناطق الأخرى، فمثلا الحصادة التي تحصد 100 دونم في اليوم بمكان غير وعر، لا تستطيع حصد أكثر من 50 دونماً في مكان وعر.

دراسة أسعار الحصادات بحسب عضو هيئة الزراعة والري “رضوان أحمد”، تمت من قبل مزارعين وأصحاب حصادات، حيث تم تحديد نسبة حصادة القمح المروي، بدون تصنيع مادة التبن من الانتاج بـ5 بالمائة، والقمح المروي مع تصنيع مادة التبن بـ6 بالمائة، كما تم تحديد أجر الحصادة الواحدة لحقول القمح والشعير البعلي بدون تصنيع مادة التبن بـ500 ليرة سورية للدونم الواحد، وأجور حصادة العدس والحمص مع تصنيع مادة التبن دوكمة وتعبئتهم في الأكياس بـ800 ليرة سورية للدونم الواحد.

يتوجه المزارعون في مثل هذه الأيام من كل عام لحصد محصولهم الزراعي، أحد مزارعي عامودا في حديثه لصحيفة “روك” يقول: “بدأنا الموسم الزراعي منذ أسبوع، المزارعون  سيتوجهون للحكومة السورية لبيع القمح بـ61 ليرة، وهو سعر مناسب، كما أن التجار مستعدون للاستيراد والتصدير، بينما لا نعلم كيف سيكون سعر الشعير وإن كانت الحكومة السورية ستقوم بشرائه أم لا، أيضاً لم تخبرنا هيئة الزراعة في مقاطعة الجزيرة بالشراء من عدمه”.

وكان برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة قد طالب في الخامس والعشرين من شهر أيار الماضي، بضرورة إيجاد هدنة إنسانية في سوريا، ليتمكن المزارعون من جمع محاصيلهم الزراعية. جاء ذلك بسبب التخوف من أن تكون المعارك والحروب بين الأطراف سبباً لاشتعال النيران في أراضي المواطنين، بالإضافة لضرورة سير الموسم بشكل جيد لتأمين المواد الأولية مثل القمح والقطن، التي تساهم في الحفاظ على منظومة الغذاء.

وذكرت مديرية الزراعة التابعة للحكومة السورية في الحسكة، أن أهالي مناطق عدّة في المحافظة لم تستطع حصاد موسمها، بسبب المعارك والاشتباكات. حيث ذكرت إدارة التخطيط والري في مديرية الزراعة في تصريح لإذاعة “آرتا إف أم”، أن المناطق التي لم يستطع السكان من حصاد موسمهم الزراعي، شملت المناطق المحيطة بجبل عبد العزيز في تل تمر، ومنطقة الهول شرقي الحسكة.

شهادات المزارعين ومعاناتهم:

يقول المزارع “محمد أوصمان” من مدينة ديريك، إن المطر هذا العام كان جيداً لجميع الزراعات، وشهدت المنطقة إقبالاً على الزراعات العطرية، ولكن حتى الأن لم يتم ايضاح من سيقوم بشرائها، إن كانت الدولة أم التجار، وفي حال لم تقم الدولة بشرائها، سيتحكم التجار بسعر السوق، ويشترون بأسعار أقل بكثير من الدولة، خاصة أنهم يدركون أن المزارعين محتاجون لبيع المحصول بأي طريقة كانت.

وعن زراعة المحاصيل العطرية يقول المزارع “جلود حاج خليل” من مدينة ديريك، إن المنطقة اعتمدت كثيراً على المحاصيل العطرية هذا العام، ولكن السؤال من سيقوم بشرائها. ففي ديريك قام المزارعون بزراعة الكزبرة بنسبة 80 بالمائة، وفي حال عدم شرائها من جهات مسؤولة، سيتحكم التجار بالواقع، “لذا من الضروري أن تتخذ الإدارة الذاتية، قراراً بشأن شراء المحاصيل الزراعية، وتأمين طرق نظامية لأرسال المحاصيل إلى المحافظات الأخرى، أو فتح المعابر الحدودية مع تركيا والعراق”.

لزراعتي القمح والقطن خصوصية في المنطقة، حيث تعتبران من الزراعات الاستراتيجية، لكن تحتاجان لاهتمام كبير وتوفير مواد أولية مثل السماد والأدوية، والاعتماد على الأمطار.

صاحب إحدى الصيدليات الزراعية في مدينة سري كانيه، يؤكد أنهم لاقوا صعوبات كثيرة في تأمين مستلزمات الزراعة، “حيث تم تأمين المواد من محافظة الرقة وعبر الحدود التركية، عبر أناس لديهم علاقات مع الجهات المسيطرة على الطرق الواصلة إلى الرقة، وبحكم أنهم عرب يستطيعون تأمين المستلزمات، لكنهم كانوا يتحكمون بالأسعار”.

صاحب صيدلية أخرى في سري كانيه، يرى أن ترك المزارعين للمحاصيل الأساسية مثل القمح والقطن، والتوجه للمحاصيل العطرية، سيؤثر سلباً على اقتصاد المنطقة، لأن القمح والقطن من الزراعات التي يُستخرج منها مواد ضرورية لحاجة الإنسان، كما يُصنع منها مواد هامة للحياة المعيشية.

معوقات أصحاب السيارات:

يقول أحد سائقي الشاحنات (الكميون)، أنه في حال تم بيع المحاصيل الزراعية داخل المحافظة، سيقومون بنقلها، ولكن إذا طُلب نقلها لخارج المحافظة، “سيكون من الصعب علينا الخروج بها، إلا في حال إرسالها إلى مدن طرقها أمنة أو يتم النقل بحماية (وحدات حماية الشعب)”

الطرق المؤدية للمنطقة مغلقة نوعاً ما، فمن الجهة الغربية حيث الطريق المؤدي إلى حلب يسيطر عليه “تنظيم الدولة الإسلامية”، ما يُصعب من حركة التصدير والاستيراد، أيضاً أغلقت السلطات التركية جميع معابرها مع محافظة الحسكة منذ بداية الثورة، كما أن الطريق إلى كردستان العراق ليس ميسراً، ما يصعب حركة التنقل خارج المحافظة.

يعاني أصحاب الشاحنات من أبناء المنطقة أيضاً، من قدوم شاحنات من خارج المحافظة، تقوم بالمضارية بالأسعار، “الأجرة التي يتم تحديدها من الجهات المسؤولة جيدة، ولكن لا يتم الالتزام بها في مكتب الدور، بحكم أنهم يقومون بأخذ أجور منخفضة”.

وكان سائقو الشاحنات في مدينة سري كانيه، قد اشتكوا من منح “مؤسسة النقل البري” في المدينة، بطاقة الموسم للسائقين القادمين من خارج المدينة، وذلك لعمل هؤلاء بأجور أقل، وقد شرعت الإدارة الحالية وجودهم، بمنحهم بطاقة الموسم بحسب أحد سائقي الشاحنات في المدينة “خليل محمد”، مقابل مبلغ مالي وقدره 25 ألف ليرة سورية.

وأعلنت “دائرة التموين” في مدينة القامشلي، بأنها ستقوم بتحديد تسعيرة (القبانات)، التي توزن المحاصيل الزراعية، بعد شكاوٍ عدّة، حول قيام أصحاب القبانات بزيادة الأسعار. بحسب رئيس الدائرة “عبد العزيز حسين”، قائلا: “أصحاب القبانات يأخذون 400 ليرة سورية عن السيارة الصغيرة، و1500 ليرة عن السيارة الكبيرة، سيتم اتخاذ إجراءات مناسبة ترضي أصحاب القبانات والأهالي، بحيث يكون سعر السيارة الصغيرة 300 ليرة، والسيارة الكبيرة 800 ليرة سورية”.

تعرض المحاصيل للحريق:

ليس من السهل المحافظة على موسمٍ خال من بعض المنغصات في المنطقة، خاصةً موضوع اشتعال الحريق في المحاصيل الزراعية، برغم إصدار “القيادة العامة للأسايش” بياناً في الثاني والعشرين من شهر آيار 2015، نوهت فيه إلى ضرورة “عدم رمي أعقاب السجائر قرب الأراضي الزراعية”، بالإضافة لتنويه  أصحاب الحصادات والجرارات الزراعية، التي تعمل في الحقول، بضرورة صيانة وتصليح آلياتهم، كي لا تقوم بإخراج شرارات نارية ينتج عنها نشوب حرائق في المحاصيل، إلا أن الواقع لم يخلو من حرق العديد من المحاصيل الزراعية، فقد تم حرق نحو 200 دونم في مدينة تل تمر مؤخراً لأسباب مجهولة، كانت مزروعة بمادة الشعير وتعود لصاحبها “حكمت عبد القادر”.

أيضاً تعرضت قطعة أرض زراعية، في قرية “شرجي” على طريق القامشلي- الحسكة، لحريق التهم 800 دونم، وهي عائدة للسيد “جمعة خلف عيسى”، كانت مزروعة بالشعير، وذلك بسبب تطاير شرارة من الحصادة الزراعية.

كما تعرضت أرض زراعية في ريف “الدرباسية”، لحريق التهم نحو 650 دونماً من الأرض كانت مزروعة بالقمح المروي والبعل، وتقع قرب قريتي “تل خباز” و”جرنك”، أيضاً بسبب شرارة نارية من حصادة.

كما شهدت المنطقة حرائق مقصودة، حيث نشب حريق في أراضٍ زراعية،  بمحيط قرية “الغيبش” بريف “تل تمر”، نتيجة  انفجار عدّة ألغام أرضية، كان قد زرعها “تنظيم الدولة الإسلامية”، قبل طرده من المنطقة.

كوباني:

تشهد مدينة كوباني ظروفاً خاصة، بسبب الواقع الأمني فيها، لذا لم يستطع أهلها الذين هاجروا ونزحوا من قراهم ومدينتهم، زراعة أراضيهم هذا العام، ومن غامر وزرع، تعرضت أرضه للحرق من قبل “تنظيم الدولة الإسلامية”، فقد ذكرت “شبكة روداو” أنه اندلعت النيران في 100 هكتار من أراضي سكان كوباني واحترقت الآلاف من أشجار الزيتون نتيجة القصف.

قرارات نحو تحسين الواقع:

وافق المجلس التنفيذي التابع للإدارة الذاتية الديمقراطية في مقاطعة الجزيرة، في اجتماعٍ له بمدينة عامودا، على جملة من القرارات التي تهدف لتحسين الواقع الزراعي، من ضمنها افتتاح 10 مديريات لهيئة الزراعة في المقاطعة، 9 منها في المدن وواحدة في معبر “سيمالكا” بمدينة ديريك، وزيادة عدد العاملين في هيئة الزراعة، وتشكيل لجنة لحل مشكلات الزراعة، والوقوف على التجاوزات التي تحصل في المناطق الساخنة، بالإضافة للمباشرة بتطبيق البرنامج الزراعي المقدم من قبل هيئة الزراعة إلى رئاسة المجلس التنفيذي.

وفي خطوة تضمنت حقوق ودور المرأة، أصدرت القيادة العامة لـ”قوات الأسايش”، تعميماً، يمنع نقل العاملات إلى الحقول الزراعية، بأعداد كبيرة، ضمن الشاحنات الصغيرة والمتوسطة، كما يتضمن القرار عدم القيادة بسرعة عالية أيضاً، حرصاً على أرواح وسلامة العاملات تحت طائلة المسؤولية، التعميم اعتبر أن ظاهرة نقل العاملات بأعداد كبيرة، منظرٌ غير لائق، ويضفي طابعاً غير محبب، تجاه العاملات.

التقييم والخطط المستقبلية:

برغم قلة الأسمدة هذه السنة، إلا أن المعدلات المطرية كانت جيدة بالنسبة للموسم الزراعي، فقد وصلت إلى 600 ملم، وذلك عن طريق الكشوفات الزراعية التي قامت بها “هيئة الزراعة” في “مقاطعة الجزيرة”، بالتعاون مع “مركز التنمية” في المقاطعة، بحسب “رضوان أحمد” أحد المهندسين في “هيئة الزراعة” في “مقاطعة الجزيرة”، مضيفاً: “لقد قمنا بالمساهمة كهيئة في مكافحة الدودة، وإرشاد المزارعين على طرق الحماية من الآفات الداخلة في الحقل، وتأمين الأسمدة، ورغم أنها كانت غير كافية، إلا أنها غطت نسبة جيدة في المقاطعة، كما قمنا بتأمين مادة المازوت للمزارعين”.

وعن بيع المحصول، ذكر “أحمد” أنه سيتم بيع المحصول في مركزين في مدينتي الحسكة والقامشلي، كما سيتم شراء البذار للموسم القادم، بالتعاون مع مركز التنمية الاقتصادي وبكمية 75 ألف طن. متابعاً: “تمت زراعة القمح والشعير بنسبة 75 بالمائة، والنباتات الطبيعية والعطرية بنسبة 25 بالمائة، بالإضافة لزراعة الخضروات، فيما يقدر أن يصل انتاج القمح إلى مليون ومئتي ألف طن، والشعير إلى 500 ألف طن”.

أما عن الخطط المستقبلية يقول “أحمد”، سيتم تأمين مراكز التخزين والتعقيم لمنع الإصابات المرضية، والعمل على الاحتفاظ باحتياطي البذار لمدة خمسة أعوام قادمة، وإرشاد المزارعين لزرع الخضروات في البيوت البلاستيكية، بالإضافة لتأمين الشتول والأشجار بأسعار مغرية، وتفعيل الدوائر الزراعية والثروة الحيوانية والموارد المائية، كما سيتم تنظيم عمل الصيدليات الزراعية.

مشاركة

Leave a Reply