حوار مع كرم دولي، عضو المكتب السياسي في المنظمة الآثورية الديمقراطية

حوار مع كرم دولي، عضو المكتب السياسي في المنظمة الآثورية الديمقراطية

992
0
شاركها

كرم دولي، عضو المكتب السياسي في المنظمة الآثوريّة الديمقراطيّة، يتحدّث إلى روك أونلاين عن الحرب على السريان الآشورييّن، الهجرة، والموقف من “الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة” في الجزيرة.

في متابعة الوضع السوري حاليّاً، ليس خافياً على أحد أنّ حرباً طائفيّة وعرقيّة تدور رحاها الآن في معظم مناطق سوريا، تستهدف كلّ مكوّن في النسيج السوري إمّا لانتمائه القومي أو الديني، ولكنّ الآشوريّون مختلفون دينيّاً وقوميّاً، برأيك لماذا يستهدف تنظيم الدولة الإسلامية الوجود الآشوري؟ هل السبب هو الاختلاف القومي أم الديني؟

مشروع داعش وتنظيم القاعدة عموما، بأسمائه المختلفة، سعى منذ تشكله في العراق بعد عام 2003 لإفراغ المنطقة من المسيحيين وبشكل ممنهج عبر عمليات الخطف واغتيال الرموز الدينية المسيحية وتفجير الكنائس وصولا لطردهم من الموصل وسهل نينوى في العراق وقرى وبلدات الخابور في سوريا، وهذا مشروع ينطلق من قراءتهم الخاصة والانتقائية المتطرفة للدين الإسلامي.

أثناء الهجوم الأخير للتنظيم على القرى الآشوريّة قرب نهر الخابور، حصلت الكثير من الانتهاكات ضدّ الآشوريّين هناك، ومنها خطف مئات الأفراد، ومؤخراً نقل المرصد الآشوري لحقوق الإنسان أنّ التنظيم يطلب مبلغاً ضخماً من المال (حوالي 22 مليون دولار) كفدية للمختطفين. هل ستوافقون على دفع الفدية؟ وهل بإمكانكم جمع مثل هذا المبلغ، وهل هناك جهات دولية تكفلت بتأمين المبلغ؟

المبلغ المطلوب كفدية كبير بشكل تعجيزي، ويتجاوز حدود الإمكانيات المتوفرة. داعش تعتقد بأن الغرب (المسيحي) بدوله ومؤسساته وكنائسه، سيسارع لدفع المبلغ لإنقاذ هؤلاء (المسيحيين) الفقراء، لكن للأسف لم تبد أي دولة أو مؤسسة استعدادا للتعاطي مع هذه القضية الإنسانية، لأنها خارج حدود التزاماتهم المحصورة بمواطنيهم فقط، هؤلاء المختطفون مواطنون سوريون ومسؤولية إنقاذهم بالدرجة الأولى تقع على عاتق (الدولة السورية)، قانونيا، إن لم نقل تماهيا مع ادعاءات النظام بأنه الدرع الحامي (للأقليات).

من طرفنا، نحرص في المنظمة على الاستمرار في المساعي لتحسين شروط التفاوض، والبحث عن مخارج معقولة، وواقعية، لإنقاذ المخطوفين، بكل الوسائل الممكنة.

تبدو هجرة الشباب من سوريا في السنوات الأخيرة ظاهرة منتشرة بكثرة ضمن المجتمع السوري بشكل عام، ولكن نعلم أنّ الآشوريّين بشكل خاص عانوا من هذه الظاهرة منذ بداية التسعينات من القرن الماضي، برأيك ما هي الأسباب التي دفعت الشباب الآشوري للهجرة أثناء حكم حزب البعث، ومن ثمّ في فترة الثورة؟

شهدت العقود الثلاثة الأولى بعد تأسيس الدولة السورية عام 1920، نشاطا مدنيا ملحوظاً للسريان (الآشوريين)، في سوريا عموما والجزيرة وحلب على وجه التحديد، تمثل في جوانب مدنية وأهلية عديدة اقتصادية وعمرانية وثقافية وفنية، وشكلوا حاضنة ورافعة لكل الأفكار الوطنية الجامعة التي تنادي بالمساواة، حتى على حساب هويتهم وشخصيتهم القومية، مدفوعين برغبة الفوز بمواطنة كاملة ومتساوية في حضن الدولة الوطنية بعد قرون من الذمية والتمييز والتهميش على يد كل السلطات التي سيطرت على وطنهم التاريخي (بيث نهرين)، كان آخرها جريمة الإبادة الجماعية (سيفو) التي حصدت أرواح مئات الآلاف منهم وأتت على حضورهم الديمغرافي والمادي.

هذه مقدمة لابد منها لفهم الدوافع والأسباب الحقيقية التي تدفع بشعب لهجرة وطنه الذي لم يعرف وطنا غيره منذ آلاف السنين.

إذ بدأت عمليات الهجرة تظهر خلال سنوات الوحدة المصرية السورية بين عامي 1958 – 1961، وبروز الطابع الأمني البوليسي للدولة، بملامح ونكهة عروبية إسلامية تمييزية، جديدة على المجتمع السوري، مارست التضييق على الحريات وساهمت بانحسار النشاط الأهلي والمدني والاقتصادي لدى السريان (الآشوريين)، ولتبدأ الأرقام بالتصاعد مع تسلم حزب البعث للسلطة وما ترافق معه من استبداد  وقمع للحريات وسياسات التعريب والصهر القومي وسيطرة الأجهزة الأمنية التي شكلت القوة الضاربة للنظام البعثي لإحكام القبضة على المجتمع، وما نتج عنها من تنامي الفساد والمحسوبية وانحدار في التعليم والقضاء وغياب معيار تكافؤ الفرص، تراجع معها الشعور بالاطمئنان للمستقبل في ظل عمليات الاعتقال والتضييق والملاحقة التي طالت الناشطين السياسيين وخاصة أولئك الذين طالبوا بالاعتراف بالوجود والهوية القومية للسريان الاشوريين من كوادر المنظمة الآثورية الديمقراطية الذين لم تتوقف عمليات اعتقالهم وملاحقتهم لتاريخه، حيث لايزال مسؤول المنظمة رهن الاعتقال بتهمة الإرهاب!

ومع اندلاع الثورة السورية في ربيع 2011، وما تلاها من تدهور في الوضع الأمني وتنامي دور التنظيمات المتطرفة، اعتبارا من النصف الثاني من عام 2012، وزيادة حوادث الخطف التي تعرض لها السريان الآشوريين، بالإضافة لغياب أفق زمني واضح لنهاية الصراع وعودة الاستقرار، والخشية من البديل الإسلامي المتطرف، خاصة بعد ما تعرض له السريان الآشوريين في كل من الموصل وسهل نينوى ومنطقة الخابور من عمليات اجتياح لمناطقهم وطردهم منها، كل ذلك كرس شعورا متزايدا لدى السريان الآشوريين بالخوف من المستقبل وبأنهم باتوا أضعف الأطراف في هذا الصراع الدموي خاصة بعد اتخاذه طابعا إقليميا ذو لبوس طائفي سني شيعي.

كما أن صعوبة الوصول الى الجامعات والخشية من عمليات التجنيد الاجباري، وتدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية، كل ذلك أدى إلى تضاعف اعداد المهاجرين خاصة من جيل الشباب لمستويات خطيرة باتت تشكل تهديدا حقيقيا على بقاء العنصر الآشوري في سوريا.

من المعروف أنّ الإدارة الذاتيّة المعلنة من قبل حزب الاتحاد الديمقراطي لا تشمل الكرد فقط، بل فيها قوى عربيّة وسريانيّة أيضاً، ما هي أسباب عدم مشاركتكم في هذه الإدارة؟ وهل من الممكن أن تتوصّلوا إلى توافق ما في هذا الخصوص مستقبلاً؟

طرحت المنظمة الآثورية الديمقراطية منذ عام 2012 فكرة انشاء “الهيئة الوطنية في الجزيرة السورية” كإطار سياسي وإداري تتحقق فيه مضامين الإدارة الذاتية الديمقراطية، حيث ارتكزت على إدارة مشتركة لشؤون المحافظة من المكونات الثلاث العرب والكرد والسريان الآشوريين وعبر مجالس محلية في القرى والمدن والبلدات، بعد انجاز رؤية سياسية تتوافق حولها المكونات ودعت لعقد مؤتمر وطني لإقرار الرؤية السياسية واللوائح التنظيمية إلا أنه وبسبب خلاف كردي -كردي لم ير المشروع النور. وهذا ما يؤكد حرص المنظمة على الإدارة الذاتية المشتركة، ولو تحققت في الإدارة الذاتية الحالية تلك المقومات لكانت المنظمة من المشاركين الفاعلين في عملها، فلا يزال قسم مهم من المكون الكردي غير مشارك بالإضافة لغياب مشاركة وازنة عربية أو سريانية آشورية. وللأسباب نفسها وانطلاقا من رؤيتنا التي تركز على ضرورة تحقيق الشراكة الفاعلة والمتوازنة في إدارة شؤون المنطقة، ووفق رؤية سياسية وطنية توافقية، لا زلنا نبذل الجهود الممكنة لتحقيق ذلك التوافق ولو بحدوده الدنيا، من أجل التصدي المشترك للأخطار الجسيمة المحدقة بالمنطقة والتي لا تنحصر فقط بوجود النظام وتهديد داعش، بل مخاوفنا تزداد من تصاعد حدة الاحتقان العربي الكردي الذي ينذر بالانزلاق نحو الفتنة في ظل وجود مسلح عربي (ميليشيات الدفاع الوطني) وكردي عبر وحدات حماية الشعب، ذات المصالح التي  تتقاطع موضوعيا وربما آنيا مع مصالح النظام ودول المحور الداعمة له، أو نتيجة تدخلات إقليمية ترى في سيطرة لون بعينه تهديدا لمصالحها.

المنظمة لاتزال حريصة في الحفاظ على علاقات إيجابية مع قوى الإدارة الذاتية، وتحاول باستمرار وبعيدا عن المنابر الإعلامية إبداء الانتقاد على بعض الممارسات الخاطئة، وإطلاق أفكار بناءة قابلة للحياة تمثل عامل توحد والتفاف بدل ان تكون عامل شحن واحتقان، الأمر الذي عجزت الإدارة الذاتية عن تحقيقه لحد الآن، نتيجة جملة من العوامل بعضها ذاتي له علاقة بالطبيعة الايديلوجية والعسكرية لمنظومة حزب العمال الكردستاني، والآخر موضوعي مرتبط بوجود النظام بقوة في كل من القامشلي والحسكة، وتهديدات داعش المستمرة.

فالإدارة الذاتية الديمقراطية لازالت في مستوى سلطة الأمر الواقع، ولن تحظى بشرعية حقيقية تحقق غاياتها بدون تحقيق متطلبات الشراكة والتوافق الوطني.

موقف المنظّمة الآثوريّة الديمقراطيّة متّفق من حيث النتيجة مع موقف المجلس الوطني الكردي تجاه الإدارة الذاتيّة، إلا أنّه لم يلاحظ أيّ تنسيق معكم فيما يخصّ اتفاق دهوك الذي نصّ بموجبه على مشاركة المجلس الوطني الكردي في هذه الإدارة، هل تعتقد أنّه استبعادٌ للآشوريّين من إدارة المنطقة، أم أنّ المجلس الوطني الكردي أيضاً يكتفي بحزب الاتّحاد السرياني (المشارك والمؤسّس للإدارة الذاتيّة) لتمثيل الشعب الآشوري – السرياني؟

نعم، الموقف متوافق لكن فقط من حيث النتيجة، فأحزاب المجلس الوطني الكردي، قاربت موضوع الإدارة الذاتية برؤية تقاسم النفوذ والسيطرة، وهي بطبيعة الحال استمرار وانعكاس لحالة التأثير القوي للتيارين البرزاني والأوجلاني، الذي تبرز تأثيراته في مواقف معظم أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا. إن اتفاقية دهوك سعت لترتيب البيت الداخلي الكردي عبر تشكيل مرجعية كردية تعير عن رؤية موحدة وواضحة حيال حاضر ومستقبل المنطقة، وهذا أمر طالما نظرنا له بعين الاستحسان لما سيكون له من دور إيجابي في تخفيف حدة الانقسام داخل المجتمع الكردي وسيمثل عامل داعم للاستقرار كونه يحظى باهتمام وتشجيع إقليمي ودولي، بالمقابل غاب أي تنسيق أو حوار جدي وواضح معنا من جانب المجلس الوطني الكردي حيال مسألة الإدارة الذاتية في حينه، الأمر الذي برره البعض بأنه كان مسألة وقت بعد الانتهاء من تشكيل المرجعية الكردية.

بدورنا نسعى اليوم لبلورة رؤية مشتركة مع المجلس الوطني الكردي وتنسيق المواقف حيال مختلف القضايا داخل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة وكذلك ندرس إمكانيات التحرك المشترك وطنيا وإقليميا ودوليا لتثبيت الحقوق القومية المشروعة للشعبين السرياني الآشوري والكردي في سوريا، بالإضافة للسعي المشترك لتوفير مناخات إيجابية ومبادرات سياسية تضم الجميع للتلاقي مع مشروع الإدارة الذاتية وفق معايير جديدة.

من حيث المبدأ، ما هو موقفكم من الدعوات الكرديّة المطالبة بشكل من أشكال الحكم الذاتي، سواء كانت على شكل “الإدارة الذاتيّة” (كالتي يطالب بها حزب الاتحاد الديمقراطي)، أم على شكل فيدراليّة (كالتي يطالب بها المجلس الوطني الكردي)، وكيف ترون الشكل الأمثل للحكم في المنطقة؟

إن أي صيغة للامركزية الإدارية بعيدة عن الصبغة القومية ستكون عامل تطمين للسوريين خاصة في ضمان أن يكون أعضاء السلطة التنفيذية من أبناء المحافظة ومنتخبين من قبلهم، وتحقيق التوازن في عملية الإنماء التي عانت منها محافظة الحسكة بشكل خاص. إلا أن بعض الطروحات التي تطرح إقليم على أساس أن الكرد السوريين وحدة جغرافية وسياسية في كل من الحسكة وعفرين وعين العرب فلا نعتقد بأنها واقعية وربما ستكون عامل توتير إضافي يرسخ الهواجس حيال نوايا الحركة الكردية بتشكيل إقليم على غرار إقليم كردستان العراق، إذ نعتقد بأن الواقع السياسي والديمغرافي والجغرافي يختلف كليا عما هو عليه في شمال العراق.

بنظرة أوسع، ما هو رأيكم في مستقبل الآشوريّين في المنطقة، ما هي المهدّدات الحقيقيّة لوجودهم المادي والمعنوي، وكيف السبيل لتحييد هذه المهدّدات؟

استمرار دوامة العنف وغياب آفاق حل سياسي سلمي، وتنامي التيارات الدينية المتطرفة وعسكرة المجتمع، كفيلة بإفراغ المنطقة من هذا الشعب خلال سنوات قليلة.

لذلك فمستقبل السريان الآشوريين مرهون بإيجاد حل سياسي يؤمن الانتقال السلمي للدولة الوطنية الديمقراطية ودستور يتبنى مبادئ الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، دولة المواطنة الكاملة والمتساوية، دولة حيادية تجاه الدين والقومية وغير مصطبغة باي منهما.

شاركها

بدون تعليق

اترك رد