الرئيسية تحقيقات هشاشة الواقع الصحي في المناطق الكردية … الحاجة إلى حلول إسعافية

هشاشة الواقع الصحي في المناطق الكردية … الحاجة إلى حلول إسعافية

مشاركة
مشفى سري كانييه - روك أونلاين

كمال أوسكان

أظهرت تفجيرات الحسكة عشية عيد النوروز في شهر آذار/مارس الماضي، والتي خلّفت عشرات الضحايا والمصابين، الحاجة الماسة إلى الكوادر الطبية وتجهيز المشافي والمراكز الصحية في المناطق ذات الغالبية الكردية في سوريا بالمعدات، نتيجة افتقاد المشافي الموجودة إلى الحد الأدنى من التجهزات.

بعد أن غادر الكثير من الأطباء إلى إقليم كردستان وتركيا وافتقاد المشافي للأجهزة الطبية الضرورية، يضطر الكثير من سكان المناطق الكردية إلى نقل مرضاهم إلى إقليم كردستان لتلقي العلاج.

تفجيرات الحسكة كشفت مدى هشاشة الواقع الصحي في المناطق الكردية التي صُنفت ضمن المناطق النامية في سوريا قبل الأزمة التي تعصف بالبلاد منذ آذار من العام 2011، إذ كانت المنطقة تعاني من التهميش قبل الأزمة، التي جاءت لتعمّق من المشكلات القائمة أكثر وتزيد من إفقار السكان ما تسبب بهجرة الكثيرين من أبناءها وفي مقدمتهم أصحاب الشهادات وذوي الاختصاص.

لا يخفى على أحد الهجرة المتزايدة للكوادر الطبية في المحافظة، بعد أن تعرض العديد من الأطباء للابتزاز والتهديد بالخطف، كما أصبح المتخرجون حديثاً مطلوبين من قبل الجهات الأمنية أو مطلوبين للخدمة العسكرية الإلزامية في صفوف قوات النظام أو من قبل ‹الإدارة الذاتية›، التي طبقت قانون ‹واجب الدفاع الذاتي› أو الخدمة الإجبارية، ما دفع الكثيرين إلى مغادرة المنطقة، على الرغم من عدم وجود إحصائية دقيقة عن أعداد الأطباء الذين غادروا هذه المناطق.

أرقام مكتب الإحصاء تظهر حاجة المحافظة إلى الكوادر الطبية

محافظة الحسكة عانت من نقص في الأطباء والصيادلة قبل اندلاع الأزمة، إذ لم يتجاوز عدد الأطباء في المحافظة أكثر من (1252) طبيباً، بمعدل (1166) شخص لكل طبيب، كما أن عدد الصيادلة لم يتجاوز (690) صيدلانياً، أي بمعدل (2116) شخص لكل صيدلي، حسب مكتب الإحصاء المركزي (الجدول في الأسفل).

ممرضــون و ممرضــات  قـابـلات مجازات صــيـــــادلــة أطبـــــاء أســنان أطبــــــاء صحــــة محافظة الحسكة 2010
Pharmacists Dentists Physicians
متوسط عدد السكان لكل صيدلي عــــــــــدد متوسط عـدد السكان لكـل طبيب أسنان عــــــــــدد متوسط عـدد السكان لكـل طبيب عــــــــــدد
1037 502 2116 690 3493 418 1166 1252 الحسكة

وعلى الرغم من عدم وجود قاعدة بيانات بمعدل الأطباء المتوفرين إلى نسبة السكان، فإن منظمة الصحة العالمية تعتبر أن الدول التي لديها أقل من (23) طبيباً وطبيبة مقابل كل (10.000) نسمة، أي ما معدله طبيب لكل (434) شخص، لن تتمكن على الأرجح من تحقيق معدلات التغطية الوافية بالخدمات الرئيسية للرعاية الصحية الأولية حسب أولويات الاستراتيجية الإنمائية للألفية الجديدة.

بنظرة بسيطة إلى واقع منطقة الجزيرة قبل اندلاع الأزمة في سوريا، سيتضح افتقارها إلى الخدمات والكوادر الطبية والبنى التحتية حتى بالمقارنة مع بقية المحافظات السورية، وهذا ما يوضحه مكتب الإحصاء المركزي وفق أرقام العام 2010؛ حيث تضم محافظة الحسكة (32) مشفى بين حكومي وخاص يتوفر فيها (1348) سرير فقط، أي بمعدل سرير لكل (1083) شخص، إضافة إلى افتقارها لوجود مركز خدمة الأورام السرطانية، وبعض الأجهزة مثل المرنان المغناطيسي وهذا ما كان يدفع بالكثير من المرضى إلى تكبد عناء السفر إلى العاصمة دمشق أو مدينة حلب لتلقي العلاج.

(جدول بعدد الأسرّة في محافظة الحسكة بالمقارنة مع كل سوريا لعام 2010)

المجموع  مشافي خاصة  مشافي حكومية محافظة الحسكة
Total Private Hospitals Public Hospitals
 متوسط عــدد الســكـان لكـل ســريــر أســـــرّة عـــــدد أســـــرّة عـــــدد أســـــرّة عـــــدد
Average number of persons per bed Beds .No Beds .No Beds .No
648 31820 498 8962 376 22858 122 2010 كل سوريا
1083 1348 32 478 27 870 5 الحســكة

بالنظر إلى واقع بعض البلدان التي توفر الرعاية الصحية الجيدة لمواطنيها، فإن دول الاتحاد الأوروبي توفر (63) سريراً مقابل (10) أسرّة في إفريقيا لكل (10.000) نسمة. ما يجعل المتوسط العالمي يتراوح حول (36) سريراً لكل (10.000) نسمة، أي بمعدل (277) شخصاً لكل سرير، وهو رقم يبدو بعيداً عن واقع معدل الأسرّة بالنسبة للسكان في محافظة الحسكة، حيث يبلغ المعدل (1083) شخص لكل سرير.

أما على صعيد التغطية بالتمريض، فتشير التقديرات العالمية إلى أن المعدل الحاصل بالفعل يقدر بنحو (45) ممرضاً وممرضة لكل (10.000) نسمة، أي بمعدل ممرض لكل (222) شخص، مع تفاوت عالمي في هذا الصدد، في حين أن عدد الممرضين والممرضات لم يتجاوز (1037) في محافظة الحسكة أي بمعدل ممرض واحد لكل (1300) شخص.

أسباب الهجرة

انطلاقاً من هذه الأرقام، أجرت روك أونلاين استطلاعاً لآراء بعض الأطباء والصيادلة حول الواقع الصحي في المناطق الكردية، وعن أسباب هجرة الكوادر العاملة في القطاع الصحي إلى دول الجوار.

الدكتورة، سيما إبراهيم، أخصائية أطفال تعمل في عيادتها الخاصة في مدينة قامشلو/القامشلي، إضافة إلى عملها في مستوصف ميسلون، تحدثت لـ روك أونلاين عن المخاطر التي كان يتعرض لها الأطباء، وبشكل خاص التعرض للابتزاز المادي والتهديد بالخطف أثناء الإسعافات الليلية، ما دفع بالكثير منهم للامتناع عن الخروج إلى مثل تلك الإسعافات، غير أن حدّة تلك المخاطر خفت في الآونة الأخيرة بحسب وصفها.

نجت الدكتورة إبراهيم، من الحريق الذي اندلع في مستوصف ميسلون في 31 من شهر آيار / مايو الفائت، والذي راح ضحيته معظم أفراد الطاقم الطبي، نتيجة الإهمال في اتخاد احتياطات السلامة والأمان.

وعن أسباب هجرة الأطباء تقول الدكتورة إبراهيم: «صحيح أن هناك العديد من الأطباء الذين غادروا المنطقة نتيجة فقدان الأمان وتعرضهم للابتزاز، غير أن أطباء آخرين قدموا إلى قامشلو من دمشق وحلب وديرالزور، بحيث تضاعف عدد الأطباء فيها بعد الأحداث، وهذا الكادر قادر على تغطية الاحتياجات الطبية لسكان المنطقة في المرحلة الحالية».

دكتور محمود سمو، أخصائي جراحة عينية، من مدينة الحسكة، يقيم حالياً في إقليم كردستان كلاجئ، أوضح خلال حديثه مع روك أونلاين، عن أسباب هجرته إلى الإقليم، أن الأسباب الأمنية هي التي دفعته إلى المغادرة، إذ كان يخدم في الجيش السوري أثناء اندلاع الأزمة، فيقول: «قررت الانشقاق بعد تورط الجيش في قتل المحتجين وعند العودة إلى الحسكة لم أستطع البقاء فيها، لأنها كانت تحت سيطرة قوات النظام».

قد تكون تجربة الدكتور، أمين أوسو، طبيب عام ورئيس لجنة الأطباء في مدينة الدرباسية مشابهة لتجربة الدكتور محمود من ناحية المخاطر الأمنية، لكنه ظلّ حبيس مدينته الدرباسية لا يستطيع مغادرتها إلى أي مدينة أخرى من المحافظة إلا تجاوز الحدود التركية بطريقة غير شرعية.

عدم توفر الأجهزة يحيل المشافي إلى عيادات للإسعافات

يقول الدكتور أمين لـ روك أونلاين «اضطررت للسفر إلى تركيا لأنني كنت مطلوباً من أحد الأفرع الأمنية للنظام، ولم يكن باستطاعتي الذهاب إلى مدينة الحسكة التي تبعد فقط نحو 80 كم عن الدرباسية، كما لم أستطع من الذهاب إلى قامشلو لأن أغلب المخابر التحليلية وعيادات الأطباء والمشافي تقع ضمن المربع الأمني في المدينة».

أوسو يصف واقع المدينة ومشافيها التي كان يعمل فيها «تفتقر الدرباسية إلى أطباء جراحة، والمشفى الوحيد في المدينة، لا يجرى عمليات جراحية بعد سفر مديرها الدكتور جهاد محمد»، وأضاف «المشفى حالياً غير مجهز ويفتقر حتى إلى تجهيز غرفة الإسعاف، إلى جانب غياب أغلب الاختصاصات العلاجية، كما لا توجد غرفة عناية وأن عمل المشفى مقتصر على تقديم الخدمات الإسعافية الأولية».

يتفق الصيدلاني، أنس محمود، مع الدكتور أمين أوسو حول افتقار المحافظة للخدمات الطبية والصحية والدوائية «فالأزمة زادت من سوء الوضع الصحي والدوائي في المحافظة لدرجة أدت إلى انقطاع الدواء بنسبة (80%)».

ويوضح أنس محمود، واقع الحال بقوله: «خلال عام 2014، كان من النادر توافر الدواء، لدرجة أن الطبيب كان يوصف لمرضاه حسب الأدوية المتوافرة في الصيدليات، حتى وصلت بنا الحالة لتقسيم علبة الدواء لقسمين أو أكثر لتكفي حاجة مريضين أو أكثر».

في الحروب والأزمات تزداد الجاجة إلى الكوادر الطبية والفرق العاملة في القطاع الصحي عامة، وذلك لما تخلفه الحروب من مصابين ومعاقين، إلى جانب انتشار الأمراض الوبائية، نتيجة للدمار والقصف وضعف الرعاية الصحية أو غيابها، فكيف يكون الحال إن كانت المنطقة تفتقر حتى إلى البنى التحتية والكادر الطبي.

 

Leave a Reply