من هنا مرّ النازحون … تاركين الأحلام ورائهم

من هنا مرّ النازحون … تاركين الأحلام ورائهم

707
0
شاركها

مجيد محمد

تحمل أطفالها الصغار، وتسير مع النازحين في رتل طويل حتى تصل إلى ساحة الكنيسة الآشورية وسط مدينة الحسكة، تنتظر حتى تصل بعض السيارات المدنية لتقلهم إلى وجهة غير معروفة، لكن ليس ثمّة خيارات مفتوحة أمامها، أم غسان والمئات غيرها، تركوا منازلهم في حي النشوة الغربية في مسيرة إلى المجهول، بعد أن افترش عناصر تنظيم ‹الدولة الإسلامية› شوارع حواريهم ومدارس أطفالهم وذكرياتهم في تلك البقعة العشوائية غربي مدينة الحسكة.

ساعات قليلة، كانت كافية للتنظيم لأن يبسط هيمنته على الحي الفقير القابع عند كتف الخابور، ويدفع بمئات المدنيين، أطفالاً ونساءً، للسير كليومترات عديدة حتى يلتقطوا أنفاسهم على تخوم الأحياء الشمالية للمدينة.

قوافل طويلة من العربات المحملة بالمدنيين والنازحين المنهكين على مقربة من الحدود السورية التركية، يبحثون بين الوجوه التي استقبلتهم عن صديق أو قريب أو أي شيء مألوف، على مدخل مدينتي الدرباسية وعامودا حيث الطريق مفتوحة أمامهم، تجمهر الناس على الطرفين، يتبادلون أخبار المدينة المنكوبة خلفهم، ويسألون عمن نجا أو لا يزال يحاول النجاة.

كُثر هم من دخلوا المدينتين ليمضوا إلى مفرقين، شرقاً إلى قامشلو وغرباً إلى سري كانيه، حيث المدن تحتضن الأسلاك الشائكة على مقربة من العسكر التركي المتربص بالأرض كمفترس تحكمه أوامر عسكرية صارمة قادمة من عمق الأناضول، من أنقرة، التي تدّعي أنها بذلت الملايين والمليارات في استقبال أشقائهم على تخوم إدلب وحلب والرقة. لكن لا يعلم هؤلاء أن ثمّة أرض محرمة هنا، وعلى يافطة كبيرة غير مرئية كُتب عليها: «غير مسموحٍ مرور الكرد ومن معهم من هذي الأرض».

كغيرهم من نازحي مدينة الحسكة الكرد، وصل العرب النازحون من منطقة النشوة إلى الحدود الشمالية، ودخلوا المدن دون أن يعلموا أن ثمّة نزوح آخر آت من أحياء الصالحية والعزيزية والمفتي وتل حجر، وأن جميعهم سيقيمون على الشريط الحدودي بانتظار الحسم العسكري في مدينتهم الوحيدة على بعد 85 دهراً جنوباً.

حسين وأكرم وإبراهيم، آباءٌ من أحياء مختلفة، وصلوا للتو إلى قامشلو، سلموا أطفالهم إلى أقاربهم ثم عادوا إلى الحسكة، «ثمّة حرب في المدينة، وعلى الرجال المشاركة في الذود عنها»، هكذا بلمح البصر، أدلوا لاهثين مسرعين إلى العربة المنتظرة على مدخل المدينة الغربي.

ستمضي الساعات ثقيلة على تلك المدينة، بعد غياب سكانها، ووصولهم إلى الشتات، شوارعها وحواريها النظيفة من الضجيج ستكون شاهدة على المعركة التي تقترب من التخوم الغربية والشرقية. الآن المقاتلون على خطوط النار ونازحوهم بعيدون يفترشون العودة.

بعد يومين من سيطرة تنظيم ‹الدولة الإسلامية›، على حي النشوة الغربية، يقترب عناصر التنظيم من حيي الغزل والعزيزية شرقي المدينة، بينما يشارك الجميع في حمل السلاح دفاعاً عن أحجار منازلهم وذكرياتهم، بضع ساعات قد تفصلهم عن الحرب، لكنهم متخمون بأصوات أطفالهم التي لا تزال ترن في حواريهم وشوارعهم المتألقة، بضع ساعات فقط ويأتي النبأ.

شاركها

بدون تعليق

اترك رد