حوار مع الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي، الدكتور فريد سعدون

حوار مع الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي، الدكتور فريد سعدون

مصير سوريا الصوملة. ولا يمكن تجنب هذا المصير إلا إذا كان هناك حل سياسي شامل، وهذا غير ممكن ضمن الشروط والظروف الراهنة.

1078
0
شاركها
فريد سعدون

حاوره: فريق روك أونلاين

لنبدأ من الأوضاع الأمنية التي تشهدها المناطق الكردية؛ فمدينة الحسكة تشهد اشتباكات وتقاسم السيطرة بين كل من النظام وتنظيم ‹الدولة الإسلامية› والقوات الكردية. وفي كوباني حدث خرق أمني كبير انتهى بمجزرة، كيف تنظر إلى الصراع الدائر حيث ينتظر كل طرف سقوط الأطراف الأخرى حتى يتمكن من السيطرة.. وهل باستطاعة القوات الكردية حماية السكان على امتداد المساحة التي بات يسيطر عليها؟

الحديث عن الأوضاع الأمنية هو حديث نسبي ، ففي ظل الاحتراب الداخلي ، وانتشار الميليشيات المسلحة التي تتناقض أهدافها، وتتعارض مصالحها، لا يمكن أن يكون هناك استقرار واطمئنان، ولكن محافظة الحسكة لها وضع خاص، حيث تسيطر القوات الكردية على معظم مدنها، بينما لا تسيطر ميليشيات الدفاع الوطني إلا على أجزاء من أحياء معينة، وليس لها أي تأثير يذكر، لكن الأمر الذي يدعو للارتياح هو الحفاظ على مؤسسات الدولة واستمرارية عملها، كالجامعات والمدارس والدوائر الحكومية الحيوية كالبنوك والمياه والمطار والمواصلات والحبوب والأفران وغيرها ، وهي تحت إدارة الدولة المركزية، وفي الآونة الأخيرة تمددت القوات الكردية بشكل غير مسبوق، وسيطرت على جغرافية شاسعة، وفي رأيي ليس بإمكان هذه القوات الحفاظ على هذه الجغرافية لأسباب عدة، منها: الحاجة إلى قوة عددية هائلة لتغطي حدود تمتد حوالي سبع مئة كيلومتر، ولا تجد لها في هذه المناطق الحاضنة الشعبية حيث الكثافة السكانية للعشائر العربية المشبعة بذهنية العداء للعنصر الكردي والولاء أو التأييد لداعش، وضمن هذه الظروف فإن الخروقات الأمنية ستكون قائمة ومستمرة، وستؤدي إلى نزوح الشعب وخلق حالة من الفوضى والاضطراب التي لا يمكن ضبطها.

بعد المجزرة التي حدثت في كوباني وسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على بعض أحياء مدينة الحسكة، صدرت بيانات ودعوات من قيادات بعض الأحزاب الكردية حول ضرورة الوحدة ورص الصفوف وتجاوز الخلافات السياسية. كيف تنظر إلى تلك الدعوات وهل من الممكن أن تتمخض عن شيء أم أنها مجرد تقليد متبع بعد كل أزمة ؟

هذه الدعوات الغاية منها إعلامية وبروبوغندا حزبية أو شخصية، ولا علاقة لها بالواقع ، ومعظم الذين أصدروا هذه البيانات أو الدعوات لهم تاريخ مدجج بالانشقاقات والصراعات الحزبية، إذ الوحدة أو رص الصفوف لا يحتاج إلى دعوات بل إلى عمل وتنفيذ، ويكفي أن نذكر أنه في الآونة الأخيرة انشقت عدة أحزاب على نفسها، وقام المجلس الوطني الكردي بمباركة هذه الانشقاقات وضمها إلى صفوفه، لذلك هي دعوات جوفاء لا قيمة عملية لها.

هناك طرفان كرديان لكل منهما مشروعه – هذا اذا ما كنا نستطيع أن نطلق عليها تسمية مشاريع- كيف تنظر إلى هذه المشاريع وما مدى نجاعتها في ظل الظروف والتحديات الحالية؟

في الحقيقة ليست هناك مشاريع، ولكن رؤى وآراء غير متناغمة، وليس لها مقومات وأسس قادرة على إنتاج نظرية سياسية متكاملة يمكن اعتبارها طرحاً لحلٍ شامل للقضية الكردية، فالمجلس الكردي يطرح هدف (الفيدرالية) من دون أن يمتلك الآليات التنفيذية، ولا القوة السياسية أو الدبلوماسية أو العسكرية لفرض هذا الهدف أو تحقيقه، بينما (تف-دم) يرفع شعار الأمة الديمقراطية ولكن ممارساته على الأرض تـنـمّ عن التوجه نحو تأسيس كيان كردي غير واضح الملامح، بالرغم من ادّعاء قيادته رفضهم لمفهوم الدولة والسلطة، مما يعني أنهم يعملون في الفراغ أو سيضعون كل هذه المكتسبات تحت تصرف الدولة السورية فيما بعد..

اليوم يتم تأسيس إدارة في المناطق الكردية من قبل طرف كردي، كيف تقيّم هذه التجربة؟.. وهل تستطيع هذه الإدارة أن تؤسّس لعملية تحول ديمقراطي، أم أن مستقبل الديمقراطية مرهون بالاتفاقات السياسية وما يمكن أن تفرزها من تأثيرات؟

الديمقراطية أكذوبة بالنسبة لشعوب المنطقة، فهي ليست هدفا بقدر ما هي ثقافة وتراكم خبرات ووعي اجتماعي، وثقافة وذهينة شعوب الشرق قائمة على الإقصاء والاستبداد، وتغيير هذه الثقافة يحتاج إلى جملة من المقومات والعوامل وعقود من الزمن ، والادّعاء بأن سوريا المستقبل ستكون ديمقراطية ليس إلا ذراً للرماد في العيون، إذ إن التاريخ يؤكد لنا غير ذلك، وتجارب دول الجوار تؤكد ذلك أيضاً، أما الإدارة الذاتية، فبالرغم من أنها أفضل من السباحة في الفوضى، إلا أنها إلى الآن لا تستطيع أن تقدم المطلوب منها، فمعظم الوزارات هي وزارات شكلية مثل وزارة الاتصالات والتربية والتعليم وغيرها، والقائمون عليها ليست شخصيات مناسبة أو متخصصة، وأعتقد أن هذه الظروف تستدعي إسناد هذه الإدارة للتكنوقراط من الأكاديميين والمتخصصين، وإبعاد السياسيين عنها.

هناك ما يشبه الحرب الإعلامية والتهم المتبادلة بين العرب والأكراد بشكل خاص بعد سيطرة القوات الكردية على مدينة تل أبيض وطرد تنظيم الدولة الإسلامية منها وقد تورط فيها حتى النخب السياسية والثقافية! هل سنشهد احتراب كردي-عربي؟.. وما هي مخاطر مثل هذا الاحتراب ؟

لا أعتقد ستكون هناك حرب كردية عربية، كانت هناك محاولات من قبل بعض الأطراف والشخصيات لجرّ المنطقة لاقتتال داخلي، وقد فشلت تماماً، ويمكن الإشارة إلى الاشتباكات التي وقعت بين قوات الـ YPG والدفاع الوطني المحسوب على العشائر العربية، ولم تتوسع دائرة الاشتباكات لتشمل الشعب من الطرفين، وللأسف الائتلاف المعارض الآن هو طرف في إثارة هذه الفتنة، وهناك نخب ثقافية وسياسية عربية وكردية تؤجج هذه الفتنة ، ولكنها إلى الآن لم تستطع أن تحقق أهدافها العنصرية والشوفينية.

الحركة الكردية منقسمة، ولا تملك رؤية موحدة حول حقوق الكرد في سوريا المستقبل، وقد ترتّب على هذا الانقسام والاختلاف في الرؤية، الدخول في علاقات مع أطر المعارضة السورية؛ إلى أي درجة يؤثر مثل هذا الانقسام على الحركة الكردية وفعاليتها داخل هذه الأطر؟

الوضع السياسي للحركة الكردية إشكالي وغير واضح المعالم، وبالتالي فإن الموقف السياسي نفسه عائم وغير حاسم، فالمجلس الوطني يطرح فكرة الفيدرالية لسوريا، بينما (تف-دم) تطرح فكرة الأمة الديمقراطية، والطرفان لا يؤكدان على الحقوق القومية الكاملة، فستبقى سوريا دولة عربية وجزء من الوطن العربي شعبياً وجغرافياً، كما هو في وثائق الائتلاف، مما يعني أن المجلس الكردي يخادع نفسه وجمهوره، أما (تف-دم) فهم ينكرون القومية بالمطلق، ولذلك ليس هناك سبيل لتوحيد الطرفين أو توحيد رؤيتهما للحل، وما دام الكورد سيحضرون مؤتمر الحل السياسي لسوريا بوفدين لكل منهما أجنداته الخاصة فإن هذه الثغرة ستترك للآخرين الاستمرار في مشروعهم المناهض للحقوق الكردية.

هل حققت أحزاب المجلس الوطني الكردي أي مكاسب سياسية من كونها جزء من الائتلاف الوطني السوري، وما هي الضريبة التي دفعتها كردياً من جراء سياسات الائتلاف وتصريحات بعض أعضائه اتجاه القضية الكردية؟

المكاسب السياسية لا تأتي من الاعتماد على الآخرين، وإنما علينا أن نحققها بأنفسنا ، والمجلس الكردي ليس متآلفاً ولا متناغماً في ذاته حتى يمتلك القرار الحاسم أو الموقف الصارم، وليس لديه تلك القوة الضاغطة التي يستطيع من خلالها فرض شروطه أو حقوقه على الائتلاف، ومن هنا لا أعتقد أن هناك مكاسب سياسية للمجلس الكردي، وعلى العكس فإن معظم أعضاء الائتلاف ينكرون الحقوق القومية الكردية، وكلما تأتيهم الفرصة يعبرون عن امتعاضهم من المواقف القومية للشعب الكردي، ولم يعترض المجلس الكردي على مواقف أو قرارات الائتلاف إلا ببيانات جوفاء لا قيمة لها.

هناك استعصاءٌ في سوريا، سواء نتيجة غياب الفعلين السياسيّ والعسكريّ المنظم، أو نتيجة إدخال قوىً أصوليةٍ مدمّرةٍ، إدخال الشعب السوريّ في صراعٍ متعدّد تنطبق عليها صفة الحرب الأهلية. في ظل هذا الوضع المعقد، ما هي فرص الوصول إلى حل سياسي أو حتى عسكري؟

ليس هناك أي فرصة للحل السياسي الآن، وأعتقد أن الصراع سيستمر لعقود، فالظروف الدولية غير مهيأة لحل القضية السورية، والاحتراب الداخلي دخل في دهاليز وأنفاق نقلت الشعب إلى العصور المظلمة.. وما دمنا نعيش حياة الأنفاق لن نجد أملاً في استنشاق نسائم الحرية، لذلك ليس لنا إلا أن نخرج إلى فضاء التصالح الشعبي حتى نبصر نور السلام .

الإسلام السياسي الذي يتسيد المشهد السوري اليوم، يعتقد أن العرب السنّة هم أساس المجتمع والشعب، والدولة دولتهم. ومن ثمّ فإن غير العرب وغير المسلمين السنّة أقلياتٌ، أقلّ قيمةً ، وأمرُهم في يد «الأكثرية»، بوصفهم إما ذميين وإما مواطنين من الدرجة الثانية ومشكوكٌ في ولائهم، هل مسألة الموقف و الرؤية إلى الأقليات من هذا المنظور متعلق بالإسلام والإيمان، أم أنها تتعلق بالسلطة والتسيّد ؟

أعتقد أن الإسلام يتم تسخيره وتوظيفه حسب المصالح السياسية والفئوية والطائفية، وهذا ليس بجديد، بل يمدّ بجذوره إلى بدايات الخلافة الإسلامية، حيث كانت هناك عشرات الحركات السياسية التي استغلت الدين الإسلامي لصالحها، وفي هذه الحرب – أيضاً – تتكرر الحالة نفسها، ولن يعدم الأمراء العثور على آيات قرآنية وتأويلها بما يخدم توجهاتهم، وأطماعهم السياسية، فالقضية هي قضية سلطة، والسلطة مذ وجدت مجردة من الأخلاقيات والمبادئ.

يكثر الحديث في مراكز الدراسات العالمية حول ما يمكن أن تؤول إليه الأمور في سوريا، كان آخرها مقال نشره السفير الأمريكي السابق روبرت فورد في معهد الشرق الأوسط عن سيناريوهات محتملة في سوريا، كيف تنظر إلى مستقبل سوريا في ظل كل هذا الاحتراب الذي تشهده البلاد؟

إذا استمرت الحرب فالتقسيم قادم لا محالة، وأنا ذكرت في إحدى الحوارات بدمشق عندما بدأت المظاهرات السلمية، إن مصير سوريا الصوملة. ولا يمكن تجنب هذا المصير إلا إذا كان هناك حل سياسي شامل، وهذا غير ممكن ضمن الشروط والظروف الراهنة، وخاصة في ظل سلطة أمراء الحرب والجماعات الإرهابية والمجموعات الدخيلة التي وفدت من الخارج.

شاركها

بدون تعليق

اترك رد