الرئيسية تقارير جيروسالم بوست: من يمارس «التطهير العرقي» في سوريا؟

جيروسالم بوست: من يمارس «التطهير العرقي» في سوريا؟

مشاركة

(جان إيزيدخالو) / جيروسالم بوست الإسرائيلية 

ترجمها عن الإنكليزية لروك أونلاين: سوز حج يونس 

منذ أن بدأ الكرد بلعب دور مركزي في روج آفا وسوريا, في محاولتهم للتأكيد على حقوقهم المنتهكة لعقود، أصبح الكرد عرضة لهجوم سياسي وعسكري، ومن قبل جهات عديدة.

فقد اتهمت بعض التقارير الصادرة مؤخراً الكرد بقيامهم بـ «التطهير العرقي» ضد العرب السنة، وبعد تحليل تقارير نشرت في حزيران حول هذا الموضوع (ابتداء من التقرير الذي نشرته صحيفة التايمز)، ظهر بأن هناك حملة تشويه سياسية تُقاد ضد الكرد، وأن من يقود هذه الحملة في جزء منها، هم المعارضة الإسلامية السورية وحلفاؤها، وكان نشر هذه التقارير والأخبار يتم بتغطية بعيدة عن الموضوعية الصحفية، وتخدم مباشرة تنظيم ‹داعش› وحلفائها.

السؤال الرئيسي هنا: ما هو الهدف من نشر هذه المجموعات الإعلامية, لادعاءات كاذبة وتسجيلات لأقوال شهود عيان مجهولين, من دون قيامها بنسب هذه الأقوال أو التحقّق منها، أو حتى السماح للطرف المتهم بالرد؟ من المهم أن نلاحظ أن مثل هذه التقارير قد جاءت في ظلّ اهتمام ومتابعة من قبل القادة الأتراك، ومن قبل المجموعات المتشددة كـ ‹النصرة› و‹داعش›.

لا يمكن استعمال مصطلح «التطهير العرقي» بمجرد الاعتماد على إشاعات مجهولة، وغير مؤكد من صحتها، فبعد سقوط الموصل بيد تنظيم داعش في 9 حزيران من العام 2014، قام التنظيم مع الموالين له من السكان العرب السنة بهجوم وحشي على الكرد الإيزيديين في (شنكال) وذلك في 3 آب من العام نفسه، وبدأت بعثة الأمم المتحدة بمهمة لتقصي الحقائق في هذه الحادثة، وبعد عمل طويل وشاق قام به الخبراء في هذا المجال، حيث أجروا مئات المقابلات مع الضحايا، وعلى الرغم من العدد الكبير من المستندات التي تم الحصول عليها، والتقارير الطبية، والمقابر الجماعية، وآلاف الشهود الذين تم الاستماع لشهاداتهم، فإن فريق الأمم المتحدة لم يجرؤ على استخدام مصطلح «التطهير العرقي» لوصف هذه الحادثة، وكما لم يلقِ باللوم على السكان العرب في تلك المنطقة، ولا حتى على المسلمين السنة. إن هذا المصطلح لم يستخدم حتى لوصف (حملة الأنفال) التي قامت بها فرقة من الجنود العراقيين العرب البعثيين في العام 1988 في إقليم كردستان خلال فترة دامت لعدة شهور، والتي أسفرت عن مقتل نحو 182000 مدني كردي، حيث تم دفن العديد منهم وهم أحياء في مقابر جماعية.

وبعد كل نجاح تحقّقه (وحدات حماية الشعب) الكردية (YPG) والكتائب المتحالفة معها مثل (لواء التحرير، ثوار الرقة، شمس الشمال وجبهة الأكراد)، فإننا نرى سيلا من التقارير التي تتهمهم بقتل المدنيين من السكان العرب السنة، وكما أن «الصحفيين» الذين يقومون بنشر مثل هكذا تقارير يبدو أنهم غير مدركين لحقيقة أن هناك عشرات الآلاف من النازحين العرب السنة الذين تركوا مناطقهم، ليعيشوا في المدن والبلدات الكردية المحرّرة، وأنّ هؤلاء العرب السنة الذين نزحوا عن مناطقهم منذ بداية النزاع في سوريا، باتوا يشكلون في حالات معينة أغلبية في المناطق الكردية، وهؤلاء العرب النازحون مرحب بهم كلاجئين في المناطق الكردية، ويتم تقديم جميع المساعدات والخدمات إليهم أسوة بالسكان الكرد في تلك المناطق.

ويبدو أيضاً أن هؤلاء «الصحفيين» غير ملمين بتاريخ هذه المنطقة، حيث تم استقدام عشرات الآلاف من العرب السنة إلى المناطق الكردية، منذ خمسينات القرن الماضي كجزء من سياسة «التعريب» الهادفة إلى إحداث تغيير ديمغرافي في هذه المناطق، فالعديد من هؤلاء العرب استوطنوا في أراضي وأملاك تعود ملكيتها في الأصل للسكان الكرد المحليين.

ولا يزال هؤلاء الكرد يملكون وثائق قانونية تثبت ملكيتهم لهذه الأراضي، ولكن الكرد لم يحاولوا مطلقاً استعادة هذه الأراضي بالقوة، وفي الحقيقة فإن هذا الأمر يعتبر تحديا لـ(YPG)، ويمثل صعوبة للتعامل إدارياً مع هذا الموضوع، خاصة بعد مطالبة العديد من الملاكين الكرد الأصليين باستعادة أراضيهم.

عندما قامت (YPG) مع القوى المتحالفة معها من الجيش الحر ومقاتلي العشائر بمحاربة داعش وتحرير كل من تل حميس وتل براك في شباط 2015، سُمعت قصص مشابهة عن القتل الجماعي والتهجير القسري في تلك القنوات الإعلامية، لقد زرت هذه المنطقة مرتين، وشاهدت المقابر الجماعية التي عُذّب فيها الكرد وقُطّعوا إلى أشلاء، فالكرد في هذه المناطق هم من تم إجبارهم على ترك منازلهم، وفي نفس الوقت شاهدت حضوراً قويا للمقاتلين العرب السنة في صفوف وحدات حماية الشعب (YPG)، وهؤلاء العرب كان لهم بالمقابل أقرباء يقاتلون إلى جانب داعش، عندما تحدثت إلى هؤلاء المقاتلين العرب في الخطوط الأمامية لجبهة تل حميس، عن التقارير التي تتحدث عن معاناة العرب على يد (YPG)، كان جوابهم عن سؤالي هذا بـ «ضحكة عالية». إن نسبة المسلمين السنة في صفوف وحدات (YPG) تتجاوز الـ 90% وكما أنهم يظهرون التزامهم الديني ويقومون بواجباتهم الدينية حتى في خطوط القتال الأمامية.

اسأل نفسي أحياناً بأنه لماذا لا تقوم وسائل الإعلام هذه بنشر تقارير عن انتهاكات الجهاديين في المناطق الآمنة، وعن القتل الجماعي الذي يقومون به، عن حرق القرى وتهجير عشرات الآلاف من الكرد والسنة والشيعة والسريان، وغيرهم من المجموعات الإثنية والطائفية؟ لماذا لا يقوم هؤلاء الصحفيون بالتحقيق في قضية التهجير والاستمرار في قتل الكرد وغيرهم من السكان المحليين، من قبل تنظيم داعش والمقاتلين المحليين الموالين له؟ وإذا كان الإعلام العالمي مهتما حقا بقضية «التهجير والتطهير العرقي»، فعليه إذاً أن يتقصّى في مسألة تهجير مئات الآلاف من الكرد من تل أبيض، وغيرها من المناطق الكردية الممتدة من (جبل الأكراد) في اللاذقية, وصولا إلى (جبل كزوان/جبل عبدالعزيز) ومنذ الأربعينيات من القرن الماضي.

كما ينبغي لنا أن ننوّه أن فعل «الحرق والسلب» هو من حيث جذوره التاريخية هو فعل ذكوري عادة، لذا فإن أولئك الذين يتهمون الـ (YPG) بمثل هكذا ممارسات، ينبغي تذكيرهم بأن نحو نصف المقاتلين في صفوفه هم من النساء، وفي النهاية ينبغي القول بأن الخطاب الإعلامي فيما يخص «التطهير العرقي» الذي من المفترض أن الكرد قد قاموا به، هو خطاب بعيد تماماً عن أخلاقيات الصحافة وعن النهج الإنساني.

وهناك اقتباس شهير لـ (مالكولم إكس): «إذا لم تكن حذراً، فإن الصحف ستدفعك لأن تكره أناساً مضطهدين، وأن تحب أولئك الذين يقومون باضطهاد الآخرين».

Leave a Reply