الرئيسية رأي أردوغان واحتمالات ما بعد كوباني

أردوغان واحتمالات ما بعد كوباني

مشاركة

ليست نوبة التوتر والتخبّط التي أصابت زعماء الدولة التركية جرّاء التحوّلات التي جرت في المنطقة المتاخمة لحدودها الجنوبية في الآونة الأخيرة آتية من فراغ، ففي الحين الذي يستمرّ فيه الكرد – القاطنون بالقرب من حدودها الجنوبية مع سوريا – في الحصول على المزيد من المكتسبات على حساب ألدّ خصومهم وأشرسهم من القوى المتطرفة في المنطقة التي يسميها الكرد بروجآفا، تستمرّ من ناحية أخرى خسائر حزب أردوغان وانكساراته، والتي جاءت نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة فيها بمثابة بداية النهاية لحزب العدالة والتنمية، الذي بقي نجمه لامعاً طوال أكثر من عقد من الزمن، وكانت مقياساً حقيقياً عن تراجع شعبيته لصالح تصاعد نجم صلاح الدين ديمرتاش رئيس حزب الشعوب الديمقراطية الكردي.

فوبيا الكابوس الكردي الذي قضّ مضجع أردوغان هذه المرة لم يكن مصدره كرد تركيا الذين يتجاوز عددهم 20 مليوناً، بل كرد الشمال السوري الذين تجاوزوا كل الخطوط الحمر بالنسبة لأردوغان، والذي طالما توجّس من التنامي المتصاعد لهم هناك، بفضل تغاضي أو انشغال الحكومة السورية بصراعها مع معارضيها في الداخل السوري، مخاوف تحسّب لأجلها أردوغان سراً بدعم فصائل المعارضة لاقتحام الشمال السوري على الرغم من رمزية وجود النظام هناك، مقابل دعمهم وتقديم التسهيلات وفتح الحدود أمامهم، إلا أنّه لم يعد بمقدوره من الناحية النفسية ولا السياسية ولا العسكرية إبقائها سراً، خاصة بعد الانتصارات الكبيرة للكرد على الشريط الحدودي، فزجّ بكلّ مخاوفه دفعة واحده (توعّد، ووعيد، وتهديد باقتحام الشمال السوري، وإقامة منطقة عازلة تحت غطاء جوي، مقسِماً على أنّه لن يدع خطأ السماح بإقامة كيان كردي مماثل لإقليم كردستان العراق أن يتكرر ولو كلفه ذلك ما كلف).

مقولة (ما بعد كوباني، ليس كما قبلها) يردّدها أصحاب القرار، ويؤكده واقع الحال  في “روجافا” والكيان الطارف (الجديد) شمال سوريا، فمعالم الخريطة الجديدة للمنطقة أصبحت واضحة، تجلّت بدعم طائرات التحالف للقوى الكردية، التي يعي أردوغان أنها تعني اعترافاً ضمنياً بهذه التجربة من قبل المساهمين في التحالف الدولي ضد داعش، إسوة بإقليم كردستان العراق، وفي أسوأ الأحوال تعني أنّ التحالف لا يعادي هذه التجربة كما يرغب أردوغان.

مكاسب الكرد السياسية والعسكرية هذه، وخسائر أردوغان لحلم السلطنة العثمانية، وحاجته لتغطية تقهقر شعبية حزبه أمام الكرد، كلها ثمرة التضحية التي قدمتها البلدة المحاذية للحدود التركية كوباني.

فقد اتسعت خيارات الكرد في تركيا وسوريا على حد سواء بعد كوباني، حيث اعُتبروا (أقوى حلفاء الغرب في محاربة الإرهاب على الأرض) بحسب الصحف الأمريكية وعدد من الساسة الغربيين، لاسيّما وقد صاروا قاب قوسين أو أدنى من الرقة، عاصمة داعش في سوريا، في الحين الذي ضاقت فيه خيارات أردوغان لتبقى محدودة بعدة خيارات أحلاها مرّ، وجميعها تدلّ على أنّه أصبح في حالة الدفاع والتقهقر أمام الكرد، ولعل إحدى الخيارات – التي يبدو أنّها صعبة التحقيق بسبب جملة من الظروف الموضوعية والخارجية، والظروف التي تمرّ بها المنطقة – هي خيار التدخل العسكري المباشر، حيث لوّح به أردوغان مرارا أمام ما سمّاه (تغاضي الغرب عن تنامي قوة وحدات حماية الشعب)؛ التي وضعها في خانة الإرهاب وساوى بينها وبين داعش، واضعاً نفسه مجدداً في موضع التهاون مع الأخيرة، إذ ظلّ لمدة طويلة ساكتاً عن سيطرتها على مساحات حدودية واسعة، بما فيها البوابة الخاصة بتل أبيض التي ظلّت مفتوحة لمقاتلي داعش، وتمدّهم بما يحتاجونه (مدنياً وعسكرياً)، فالتدخل العسكري يعني التوغّل في الوحل السوري، ويعني أيضا اقتباس النار القابلة لإشعال المنطقة، والتي تتجاوز مخاطرها حسابات أردوغان  الذي (يلعب لعبة أكبر منه) كما وصفه بوتين، كما أنّ عملية السلام المترنحة أصلا مع حزب العمال الكردستاني، قد تنتهي لحظة بداية التدخل العسكري التركي في المناطق الكردية من سوريا من قبل قادة الكردستاني، كما أنّ تدخلا كهذا قد يجرّ المنطقة كلها لحرب إقليمية كبرى، إذا ما استجلب الأحلاف المتصارعة عبر الحرب بالنيابة.

أما الخيار الآخر والذي  لم يتوانى أردوغان عن اتباعه سابقاً، فهو الدعم الصريح – الذي طالما أنكره – للمجموعات المتطرفة الإسلامية، على اعتبارها الأكثر شراسة، حتى لو اضطر لأن يدعمها علناً، وذلك ليمنع الكرد من التقدم، لكنّه في هذه الحالة سيخسر حلفاءه الغربيين؛ ممن عبّروا مراراً عن عدم رضاهم عن (التورط التركي في دعم المتطرفين الإسلاميين)، حيثُ أنّ الغرب قد قاموا بالفعل بدعم الكرد بشكل خاص إلى جانب تشكيلات من الجيش الحرّ (فقد تحالف الكرد عبر وحدات حماية الشعب، مع مجموعات تابعة للجيش الحر ذات توجّه علماني).

وأما الخيار الثالث فهو إكمال عملية السلام مع كرد تركيا وانتهاج سياسة حُسن الجوار مع كرد سوريا، الذين – شاء أم أبى – سيغدون كيانا “مستقلاً” على أقلّ تقدير كإقليم كردستان العراق، وحلّ القضية الكردية في تركيا (عملا بنصيحة كوندليزا رايس الوزيرة السابقة للخارجية الأمريكية)، وبذلك يفتح لبلاده باباً أمام العلاقات الاقتصادية والسياسية.

مع أننا نقول أن احتمالات أردوغان ما بعد كوباني ليست كما قبلها، إلا أنّ في الأفق المزيد من الأحداث التي قد تؤكّد هذه الحقيقة التي تقول بأفول نجم العدالة والتنمية ممثلة بالسلطان العثماني الأخير.

Leave a Reply