صيفٌ يخترق خاصرة الكرد الإيزيديين

صيفٌ يخترق خاصرة الكرد الإيزيديين

آب 2014

1361
0
شاركها

عباس علي موسى

كان الغبار يلوحُ في الأفق، ولا شيء سوى الغبار، في شهر آب اللاهب حيثُ كلّ شيء يغدو جحيماً، توقيتٌ وكأنّه تمرين لجلد الجسد في حضرة الآلهة السادية.

آب 2014 شنكال، حيثُ التنكيل والنزوح صيفٌ يخترق خاصرة الكرد الإيزيديين، هو التوقيت الذي حلّت الكارثة المهولة بدخول داعش/ قتلة العصر إلى جبال شنكال وقتلهم للطاووس.

في الطريق الواصلة بين جبال شنكال وغربي كردستان كانوا يتوافدون بكلّ انكساراتهم، وأعيننا توابيت تحملُ نعوشهم الراجلة، كان من نجى من التنكيل يحمل على ظهره آلاماً وأحزاناً تملئ لو أرادوا أعين العالم.

كان الجميع في غربي كردستان على أهبة الألم لحملِ أخوتهم الإيزيديين، بدءً من حملة السلاح (YPG) وليس انتهاء بالصحفيين والشباب والنساء. كان الغبار يعلو الدرب الترابية تلك، تراب يتماوج مع حركة عجلات الشاحنات والسيارات، الأطفال والنساء والعجائز، وبعض الرجال في الشاحنات والسيارات تلك متمسكين بأشلاء الحياة المهترئة.

كانت شفاههم اليابسة لا تقو على سرد الألم سوى بتمتمات يائسة، وظهرهم محنياً بالقصص التي أهالوا عليها تراب الدرب الغبارية، لكنّها ظلّت محفورة في وجدانهم، سيّما أنّها كانت لمّا تزال قريبة العهد كحبل الوريد إليهم.

استطاع الصحفيون على رغم الضباب الذي يغشي أعينهم من توثيق الكارثة، ومن خلفها المجازر في شنكال، كانت أيديهم مرفوعة ومتكسّرة كأعلام خانتها الجهات وهم يتداولون قناني الماء، وما تيسّر من طعام.

إحداهنّ قالت (لا تصورونا، فلقد تورّمت أكبادنا)، معظمهم جاء حافياً أو يكاد، كانت الدرب تلك وحتى أقدام الجبال مليئة بحركة الذهاب والإياب، وكأنما من حتفٍ إلى خلاصٍ مليء بالذاكرة الملغومة، بالألم الذي لن ينتسى.

بين ركام الصور، كانت تلك التي التقطها رودي سعيد/ لرويترز من أكثفها إيلاماً وتوثيقاً، حيثُ طفلة شاردة بالغبار الذي خلّفته، وآخرون خلفها وكأنهم سرابُ الحكاية، الطفلة تلك (تخط بقدميها التراب) كما يصفها الصديق الشاعر خوشمان قادو.

يمرّ الشريط ثقيلاً سنة كاملة، وها تعود المأساة أخرى بعينين غريقتين، حيثُ الإيزيديون في أصقاع الأرض كما الكرد من غير الإيزيديين يستذكرون الألم مضاعفاً ويحملون في قلوبهم بين فينة وأخرى حكايات السبايا في أسواق نخاسة أوغاد العصر/ داعش.

ألمٌ أشدّ يعصفُ بالذاكرة كما الحاضر، ألمٌ يسفوه الغبار والكتابة ضرب من الألم مضاعفاً.

بدون تعليق

اترك رد