يوم تطوعي، انتقامٌ من دولة البعث

يوم تطوعي، انتقامٌ من دولة البعث

1453
0
شاركها

مجيد محمد

خريف العام 1996، أمام مدرسة حامد محفوظ الإعدادية، في حي الصالحية، شرقنا ‹الماكف›، وعلى كتف المدرسة الجنوبي، مقبرة الحي، مقبرة مسوّرة، يتوسطها جامع بمأذنة متهالكة، يصرخ، محمد سعيد الوكاع، مدير الإعدادية، ومسؤول شعبة حزب البعث في المنطقة، وعلى خصره مسدس من عيار لانهائي من الطلقات، بدون كنه، مجموع انتبه، استااااعد.

نتراص نحن جموع الفتية، بأزياءنا العسكرية المنجزة على عجل، بعضها تحمل ماركة المؤسسة العسكرية، وهي أكياس نايلون تجعدت ككتلة بفعل العرق الآدمي المتراكم منذ أشهر، وبعضها بلون عسكريٍ مائل للبياض بحكم تعاقب الفصول والظروف الجوية ودعكلة مدرب الفتوة، الملقب بـ ‹مارس›، أو هكذا عرفناه، ومباريات كرة القدم التي كانت تقام على مقربة من الموتى.

ننتهز التفاتة الوكاع مرتمين على حافلتين مهجورتين، دوّن على إحداها «صنع في تايلاند»، وتحمل تاريخاً غامضاً، 1957، بينما يمتطي الوكاع مع موجهي المدرسة، صالح، علي وجاسم، وأعضاء الفرقة الحزبية سيارة نيسان (بيك آب) صغيرة زرقاء، يقودها الوكاع بعد أن انزل مسدسه في التابلو، قبالة جبهة فاروق الشرابي، زميلنا في الأول الإعدادي.

تهادت الحافلتان على طريق دوار الغزل الآن، إذ لم يكن دواراً حينها، بل سبخاتٌ وأهوارٌ مترامية، لا ملامح لها، وأمامنا مباشرة، أعلى قمة عرفناها حتى بدايات الألفية الجديدة، حين تجاوزنا لأول مرّة تخوم الحسكة غرباً وجنوباً، قمة جبل كوكب (300) م!.

بكل بساطة، صباح يوم الجمعة ذاك، كنا نحن ست شعب من طلبة الأول الإعدادي مجبرين على حلج قطن أرض الوكاع في إحدى القرى القريبة من بلدة الهول قرب الحدود العراقية، حلج تطوعي، ويسمى أيضاً «يوم تطوعي»، دون استشارة من أحد أو موافقة، هكذا ارتأى الوكاع أننا نخدم المدينة والحزب والقائد والوطن العربي.

ككل مجتمع طفولي ومدرسي تحديداً، كانت لنا مجموعات منظّمة عشوائياً، تعتمد قانون الغاب، إذ يرأس ‹محمد شمدين› ويلقب بـ ‹أوسيكا› أقوانا، مجموعتنا، وينوب عنه ‹حسين ابن صوفي›، ثم أنا، الثرثار الأعظم، أو الحكواتي المثقف ذو العلامات الأعلى على مستوى المدرسة، ومن ثم يتراتب السلم للأدنى، فيأتي هفال ابن الأنسة أو (النازِك)، ويوسف مدعبل أو (المشرد)، وأحمد ابن راكان المهرب، وجلال مفرح أبو راس … إلخ.

استلمت مجموعتنا حال وصولنا إلى تخوم إحدى القرى الآهلة ببعض السكان ‹قبالة› (قطعة أرض مزروعة بالقطن ومحددة بحدود رسمها محراث جرار متهالك)، أشار ‹أوسيكا› على أحمد ابن المهرب أن يتغوط بين شجيرات القطن، فكان ذلك، بدأنا بإثارة الجلبة متهكمين على أحمد، لكن ‹أوسيكا› كان يخطط لأبعد من ذلك، فما إن انتهى أحمد من فعلته، حتى بدأ قائدنا، بغمس كريّات القطن بالخراء، قبل أن يلتقطها بكيس ويرمي بها في كومة مجموعتنا الخاصة.

كان هذا انتقام مجموعتنا من محمد سعيد الوكاع حينها، لكنه ظلّ انتقاماً سريّاً، حتى هذا اليوم. في العودة، ظهر جبلٌ مهول ورائنا، على الجهة الأخرى من الحدود، لم يعرفه أحد، لكننا ارتحنا لاعتباره أقل حجماً من جبل كوكب، بعد سنوات، عرفت أن ذاك الجبل، كان سنجار أو كما يحلو لنا نحن الكرد، شنكال، وكان يلوّح فوقه ‹طاووس ملك›، أو ربما خُيّل لي الآن.

بدون تعليق

اترك رد