غرافيتي على خمسين جداراً في ديريك

غرافيتي على خمسين جداراً في ديريك

1273
0
شاركها

عباس علي موسى – ديريك

روك أونلاين

أنهى الفنان الكردي ريبوار برويزي (من مواليد 1984 مدينة كامياران الكردية بإيران)، الرسم على أكثر من خمسين جداراً (غرافيتي) في مدينة ديريك، ضمت مدارس وجدران حدائق ومؤسسات رسمية في عمل استغرق نحو ثلاثة أشهر.

من المعروف أنّ الجدران في سوريا كانت حكراً على النظام الحاكم، فلم يجرؤ أحد على الرسم عليها خارج مؤسساته، وبموافقته، وبما يخدم مصلحته، فكانت جدران المدارس مليئة بالشعارات التي تدعو إلى تمجيد الأسد، وتشيدُ بمنجزات حزب البعث (قائد الدولة والمجتمع)، وبمنجزات الحركة التصحيحية، كما تشيد بمقولات الأسد الأب، ومن ثمّ الابن، ومع أنّ مدينة ديريك خالية من رموز السلطة منذ أواسط 2012، إلا أنّها لم تزل تحتفظ على الكثير من جدرانها برسوم لحزب البعث، وصور للأسد، وشعارات مختلفة.

ريبوار برويزي الذي يشتغل على الغرافيتي لأكثر من عشرة سنوات، وعمل في مختلف المدن في إيران، اختار مدينة ديريك ليبدأ مشروعه في الغرافيتي في مختلف المدن في ‹روج آفا› (المناطق الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية في سوريا)، فيقول برويزي: «عندما قدمت إلى ‹روج آفا› وجدت كيف أنّ الألوان الباهتة والميتة تغزو الجدران، وتحدِث ضيقاً نفسياً، لذا قررتُ أن أرسم على هذه الجدران رسوماً تحمل معنى الحياة؛ غيوم، عصافير، سمك، وأشياء ملونة، خاصة في الأماكن التي تكثر فيها حركة الناس».

ومع أنّه تم استخدام الغرافيتي من قبل بعض منظمات المجتمع المدني في بعض المدن، حيثُ تحملُ رسائل تعبّر عن مختلف الأفكار التي تطرحها تلك المنظمات، إلا أنّ طرح الغرافيتي من زاوية إنسانية ومتعلقة بالحياة اليومية، كان جديداً في الجزيرة ‹روج آفا›، يقول زوهراب قادو، ناشط مدني: «في وقت تفرغ فيه المدن جرّاء الهجرة، وتبهت الألوان، تكون مشاريع من قبيل الرسم على الجدران ذات تأثير كبير على سيكولوجية الإنسان، طبعاً عندما تكون هذه الرسوم من ثقافة الناس بمختلف أعمارهم وتحاكيهم بذات الوقت».

يَعتبر ريبوار أنّ أهمية الغرافيتي تكمن في تعاملها مع الحياة، وبخاصة مع الأطفال، حيثُ رسمَ على جدران ثلاث مدارس، إذ لم تمسح شعارات البعث والنظام على جدرانها بعد، فكان الأمر يُحدث ضيقاً في نفوس الأطفال، حسب برويزي، الذي يقول: «الأطفال فرحوا كثيراً برسوم الجدران، وشكروني طوال وقت العمل على الجدران. يعرفني معظم هؤلاء الأطفال في تلك المدارس، ويبتسمون لي كلّما التقيتهم».

إحدى تلك الرسوم كان لمقاتلة من قوات YPJ (وحدات حماية المرأة) وهي تعزف، بمساحة 70 متراً مربعاً، على جدار البلدية، وهي الرسمة الوحيدة التي رسمت بالاتفاق مع بلدية الشعب في ديريك، تقول دجلة حمو رئيسة البلدية: «نحنُ لم نتفق مع الفنان ريبوار برويزي على الغرافيتي في المدينة سوى الرسمة التي على جدار البلدية، لكننا سمحنا له بالعمل فيها»، الرسوم الأخرى في المدينة التي بلغت أكثر من 50 رسمة، جرت على نفقة برويزي الخاصة كما يذكر.

إعلام خارج الجدران

على الرغم من تقبّل الناس الكبير للغرافيتي، وكذلك الأطفال في المدينة، إذ يشكر المئات منهم العمل، وبأنها أحدثت سكينة في نفوسهم بحسب ريبوار، مع ذلك لم يتم تغطية العمل من قبل الإعلام (قنوات – إذاعات – وكالات – مواقع إلكترونية)، ويعزو مالفا علي، صحفي مستقلّ، سبب عدم التفات الإعلام للغرافيتي – على أهميته – إلى انشغال الإعلام الكردي (وهو الإعلام النشِط في المنطقة) بالسياسة، حيثُ يقول: «مع أنني أعترف أنّ الموضوع مهم، إلا أنّ الواقع السياسي يأخذ جلّ اهتمام الإعلام، ما يُضعف الالتفات إلى هذه الأمور الجمالية».

يلفتُ مالفا علي الانتباه أيضاً إلى عدم تكلّف الصحفيين بالقدوم إلى ديريك لتغطية حدث كالغرافيتي فيقول: «الصحفي في مدينة قامشلو – حيثُ يتمركز الإعلام هناك – قد لا يكلّف نفسه العناء للقدوم إلى ديريك لتغطية حدث كالرسم على الجدران».

تُبثُّ من مدينة ديريك إذاعات عدة، حيثُ أنّ بعضها يمتلك مكاتب بث مثل آرتا FM، أو مكاتب رئيسية مثل هيفي FM، وروجافا FM، بالإضافة إلى تواجد بعض المراسلين لقنوات فضائية، وبعض المواقع، مع ذلك لا يتمّ تغطية العديد من الأحداث، الأمر الذي يرده عامر مراد، مدير إذاعة هيفي FM، إلى الصعوبة التي يجدها مراسلوه في تغطية أحداث الشارع، ومع أنّ إذاعته، هيفي FM، مسجلة لدى ‹اتحاد الإعلام الحر› (الجهة الرسمية التي تمنح الرخص والمهمات الصحفية، وذلك قبل الإعلان عن هيئة الإعلام التابعة للإدارة الذاتية الديمقراطية)، إلا أنّه يتحدّث عن معوقات أمام عملهم في الشارع: «في أحيان كثيرة يتم توقيف مراسلينا في الشارع وخاصة بعد إعلان هيئة الإعلام، إذ أنّ المهمات الصحفية قد توقف العمل بها، ومع أنّ الهيئة أعلنت قبل أيام من الآن، أنّه يسمح العمل بالمهمات القديمة، إلا أنها لم تكن كذلك قبل مدة وجيزة».

ريبوار يرى الموضوع من منظور مختلف، وأنّه يعود إلى ضعف الإعلام الذي لا يعرف اختيار المواضيع التي تعنى بالحياة اليومية، يقول برويزي: «الإعلام لم يغط تجربتي، ربما لأنّهم؛ أي الإعلاميين لا يعرفونني، وهذا غير مبرر بالطبع، لكنّه يعني شيئاً واحداً، وهو أنّ الإعلام ضعيف، وأنّ الصحفي لا يعي بأهمية المواضيع التي تهتم بنبض الشارع».

ريبوار الذي يتمنى أن يرى كل ركن في ‹روج آفا› مليئاً بالألوان، يحملُ ألوانه للبحث عن آثار الرصاص في الجدران ليرسم على إثرها ألوان الحياة، ربما في مدينة كوباني كما صرّح لنا، والتي قدّم مشروعاً متكاملاً لأجلها، ولكن تمّ تأجيله لقدر غير معلوم.

بدون تعليق

اترك رد