الرئيسية رأي أربع سنوات محذوفة من تاريخ الملا مصطفى بارزاني

أربع سنوات محذوفة من تاريخ الملا مصطفى بارزاني

حسين جمو
كاتب كردي من سوريا متخصص بالشؤون الكردية في الشرق الأوسط، له العديد من المقالات في المواقع والصحف الكردية والعربية، كما نشر عدة أبحاث حول القضية الكردية في تركيا وسوريا
مشاركة

تمتلئ مذكرات القادة والمسؤولين العراقيين التي تتناول الحقبة الممتدة من أربعينيات القرن الماضي وحتى عام 1975 بفصول كاملة عن محطات في الحياة الثورية للزعيم الراحل الملا مصطفى بارزاني. بالطبع هناك مآخذ كثيرة لدى العديد من هذه الشخصيات على مسيرة بارزاني، لكنه في النهاية كان القائد الذي كرّس قاعدة بعدم اعتبار ضم مناطق كردستان الجنوبية إلى العراق قضاءً وقدراً. وهو نوع من القيادة لم يحظ بها الكرد في غرب كردستان طيلة مسيرتهم السياسية التي تزامنت مع ظهور الوعي القومي الكردي الحديث بعد عشرينيات القرن الماضي.

إن مذكرات القادة العراقيين تسرد وقائع متشابهة عن مراحل الخصام الطويلة بين الحركة القومية الكردية والحكومة المركزية، مع إضفاء مواقف شخصية عليها، مثل النفس العروبي المتشنج الذي نجده لدى صبحي عبدالحميد الذي تسلم عدة مناصب وزارية في عهد الأخوين عبدالسلام وعبدالرحمن عارف في ستينيات القرن الماضي. لكن المغزى هنا أن كتابة تاريخ العراق، سواء من قبل أصدقاء الحركة القومية الكردية أو أعدائها، لا يكتمل بدون أن تحتل القضية الكردية ثلث صفحاتها على أقل تقدير، وهو أمر يفتقده الكرد في سوريا، إذ أنه حتى عام 2004 لم تشكل الحركة الكردية جزءاً من تاريخ سوريا، وإذا كان لذلك مبررات معقولة ومقبولة ولا ينتقص منها، فإن الأمر ذاته يدعو إلى تقدير أكبر لمسيرة الحركة القومية الكردية في الأجزاء الثلاثة الأخرى من كردستان.

هذا الحضور “المركزي” للقضية الكردية في التاريخ العراقي يعود الفضل في جانب رئيسي منه إلى قادة استثنائيين، من قبيل الشيخ محمود الحفيد البرزنجي والملا بارزاني. وليس هنا مجال لفتح باب النقد والتقييم لمسيرة الرجلين، وهي مسيرة لم تخضع لأي نقد حقيقي بغاية التقييم وتأسيس انطلاقة أخرى لا تكرر أخطاء سبق ودفعت الحركة القومية الكردية أثمانها. ولعل في حالة الملا بارزاني عوائق غير سهلة في مراجعة مسيرته الحافلة بالأحداث، وأهمها الهالة الكاريزمية التي يحيطها به الكرد، والحضور الطاغي للملا في وجدان أنصاره والسائرين على نهجه. وهو بذلك توجه لا يميز بين التقييم و”العصمة عن الخطأ”، إذ أن الثانية تمنع نمو الأولى. والواقع هذه المعضلة موجودة لدى كافة التيارات الرئيسية في عموم كردستان، إذ نادراً ما يتم إخضاع الزعيم لـ”المراجعة” فكرياً وأيديولوجياً بهدف تصحيح عثرات ماضية قد تتكرر مستقبلاً في حال بقي الزعيم في دائرة “العصمة” في وجدان محازبيه. ولا داعي للتذكير هنا ضرورة عدم الأخذ بذلك النقد الذي تكون غايته القضاء على تجارب القادة الكرد.

من بين التساؤلات التي يمكن إثارتها في حالة الملا مصطفى، غموض السنوات الأربع الأخيرة من حياته حيث أدت اتفاقية الجزائر بين العراق وإيران في عام 1975 إلى إنهاء الفصل الأخير من سلسلة الثورات الكردية التي قادها الملا بارزاني، وعاش بعدها أربعة أعوام لا نملك عنها سوى معلومات شحيحة. من المؤكد أن الملا كانت لديه مراجعات هامة تفيد مسيرة القضية الكردية في الدول الأربع التي تتقاسم كردستان. ولم يتم الكشف عن شيء من هذه المراجعات أو التقييمات لمرحلة ما بعد الهزيمة. اللواء فؤاد عارف أشار في لقائه الأخير مع الملا في إيران بعد لجوء الملا إلى هناك عام 1975 عن شعوره بالإحباط من بعض القرارات التي اتخذها، من بينها دائرة المحيطين به، ويبدو انها لم تكن منتقاة بعناية، أو أنه كانت لديهم حماسة عسكرية بلا خبرة سياسية. وما يرجح هذا أن الملا سبق له عدم الاكتراث لمقترح من مسؤولين كرد في بغداد بأن يعتمد على طبقة المثقفين والأكاديميين الكرد في السليمانية بدلاً من المساعدين العشائريين.

من الجدير الكشف عن السنوات الأربع الأخيرة في حياة الملا مصطفى ووضع حد لهذا “المحظور” بالنسبة للمشتغلين على تاريخ الحركة القومية في كردستان العراق. إذ أن الإبقاء عليه بهذا الغموض يعني أن شيئاً لم يتغير في مقاربات الملا مصطفى، وأنه لم يخضع تجربته للمراجعة أبداً. ولقياس أضرار “حذف” السنوات الأربع الأخيرة من حياة الملا يمكن التعريج على زعيم كردي آخر وهو عبدالله أوجلان. إذ أنه بدون المراجعات النقدية التي أجراها في السجن لفكره ورؤيته للحل ماذا كانت ستكون النتيجة؟. احتمال تكرار الأخطاء من قبل الحركة التي يقودها إلى ما لا نهاية تحت يافطة “النهج الفلسفي”، على غرار مقولة “النهج الخالد” التي تلازم تجربة بارزاني الأب الذي راكم إرثاً حركياً وسياسياً بدون نظريات سياسية. وإذا عدنا بالزمن إلى الوراء أكثر، فإن نظرة القداسة لتجربة الشيخ سعيد بيران في عام 1925 وربط فشل الثورة فقط بقوة الدولة التركية والتغاضي عن العوامل الداخلية سيجعل من الممكن جداً تكرار محاولة مشابهة تؤدي لذات النتائج. على هذا المنوال، ما زالت تجربة الملا مصطفى تحت تأثير السرد البطولي التقليدي، ولم تتحول حتى الآن إلى موضوع للدراسة.

يبقى الملا مصطفى أحد أهم القادة الكرد خلال القرن العشرين، إذ لم يهزم أي مرة هزيمة ساحقة سوى ما أعقب اتفاقية الجزائر، وفي كل مرة لم تكن من نوع الهزيمة التي حلت بالشيخ سعيد بيران في عام 1925، إذ يكفي تتبع سيرته في بضعة كتب الوصول إلى تكتيك ذهبي اتبعه عسكرياً، وهو عدم السماح للخصم بالانتصار كلياً، وكان ذلك يتم عبر انسحابه من المعارك قبل تمكن الخصم من سحق قواته بشكل كامل، لذلك كانت العودة إلى استئناف الحركة المسلحة سهلة في كل مرة تخل فيها حكومة بغداد بالاتفاقيات الموقعة.

في ظل الصراع الحزبي الداخلي الحاد اليوم في عموم كردستان، ونبش الأطراف المتنافسة في التاريخ القريب بهدف التشهير، يبقى الملا مصطفى من القادة الناجين من هذا الصراع حالياً. وربما تكون هذه الفضيلة الوحيدة التي ينبغي الحفاظ عليها وسط هذا الاستقطاب الكردستاني الذي يأكل بعضه بعضاً.

Leave a Reply