الرئيسية رأي ‹الجمهورية العربية السورية› حمل ماضٍ ثقيل

‹الجمهورية العربية السورية› حمل ماضٍ ثقيل

شورش درويش
كاتب كردي من سوريا يكتب في العديد من الصحف والمواقع العربية.
مشاركة

عبرت سوريا خلال تاريخها القصير نسبيّاً، ككيان منجز متولّد من تفسّخ الإمبراطورية العثمانية، الكثير من محاولات إعادة التشكيل، فعاشت بمسمّيات عدة ومتتالية منذ إعلان الانفصال عن الدولة العثمانية بشكل رسمي وحتى التئام المؤتمر السوري العام ثم إعلان الاستقلال عام 1920 وبمسمّى المملكة السورية العربية، وفي بحث موجز يمكن قول، إن أبرز تسميات البقعة التي قامت عليها سوريا تدرّجت بشكلٍ متنامٍ حتى وصلت لصيغة ومسمّى الجمهورية، فمن الاتحاد السوري (الفيدرالي) بداية عهد الاستعمار الفرنسي، ثم الدولة السورية عام 1925 والتي شكّلت نزولاً فرنسياً عند رغبة السكان، ثم انتخاب الجمعية الدستورية عام 1928 برئاسة هاشم الأتاسي، والذي لقّب تحبباً بـ ‹أبي الدستور›، ليصار بعدها إلى إعلان الجمهورية السورية في طبعتها الأولى وذلك عام 1930.

بقي الاسم (الجمهورية السورية) لصيقاً بسوريا خلال الفترة التالية وحتى إنجاز الجلاء الفرنسي عنها، ليستمر لاحقاً رغم الانقلابات العسكرية المتتالية والتي كان قاسمها المشترك هو الإبقاء على اسم الجمهورية السورية خالياً من توصيفات مربكة، فلم تكن سوريا بحاجة لتعريفات مساندة كالعربية أو الاشتراكية…، بيد أن الوحدة السورية – المصرية أفضت إلى تسمية جديدة للكيان الوليد كنتيجة طبيعية لعملية الاتحاد، لينتهي الحال بسوريا إقليماً شمالياً بوصفٍ كونفدرالي مع شقيقتها مصر، ولتصبح الجمهورية العربية المتحدة عنوان البلاد السورية في عملاتها وطوابع بريدها وأوراقها القانونية، وقبل ذلك، في دستورها الاتحادي. ومع فك الارتباط من جانب سوريا، والذي عرف بالانفصال، قام الانفصاليون بتغيير اسم الجمهورية عام 1961، والتي لم تعد جمهورية سورية ولا عربية متحدة، ليعلنوا عن الاسم الجديد (الجمهورية العربية السوريّة) في خطوةٍ يُفهم منها مسألتان: أن الانفصاليين رفضوا التهمة التي ألصقت بهم ووصمتهم بمعادي العروبة والطموح الوحدوي فجاءت الإضافة (العربية) مزاودةً على عروبة ناصر والناصريين؛ وتوطئةً لدخول سوريا إلى نفق الدولة القومية بمعناه العرقي، لتحتفظ لاحقا ًبلقب (قلب العروبة النابض) في إشارةٍ إلى الفكر القومي الذي بثته وتبثه سوريا صوب مصر والعراق وبلادٍ عربيّة أخرى.

بقي اسم الجمهورية العربية السورية أمراً شبه راسخ في الوجدان الشعبي جرّاء السياسة البعثيَّة التي كانت تصر على عروبة سوريا وأنها دولة ‹مؤقتة› تنتظر قيام الوحدة العربية وبالتالي هي مركز العروبة ومحورها في ظل عملية تنافسية مع العراق البعثيّ بعيد انتهاء الحكم الناصري والفراغ الكبير الذي أحدثه غياب ‹ملهم العروبة› جمال عبد الناصر. لكن، وبهدف فهم أسباب عودة النقاش حول أولويات سوريا المستقبل وشكلها الدستوري والقانوني القادم، يمكننا رد المسألة الفقهية والقانونية والمؤسسة هذه (أي هل هي جمهورية سوريا أم أنها عربية سورية؟) إلى سنواتٍ قليلة مضت وتحديداً بداية الثورة السورية التي أسست لتصوّرات جديدة بعضها مغاير لتلك التي فرضها واعتمدها النظام ، وذلك من خلال إعلاء علم الثورة السورية ذي النجمات الثلاث دأباً على القطع شكلياً مع النظام الحاكم في عملية يُفهم منها الإصرار على وأد الدولة (البعثوأسدية) وإسقاطها، سيراً على الطريقة الليبية في التغيير حيث سبقت ليبيا سوريا ثورةً على حكم العقيد القذافي، وحيث قام الليبيون بإعلاء علم السنوسيين وتمزيق ‹الخرقة الخضراء›، لكن بفارق أن الليبيين ألغوا كل التسميات المضافة إلى اسم الجمهورية الليبية في حين بقي الأمر أشبه بعقدة النجار لدى السوريين.

ولأن الثورات الشعبية غير المؤدلجة تشبه برامج (ما يطلبه المستمعون)، حيث لكل مستمعٍ طلب أغنيته الأثيرة والخاصة التي قد لا تعجب بقية المستمعين، فإنه بات هناك من ينظر إلى مستقبل البلاد عبر منظارٍ قومي، أو ديني – طائفي، أو خالٍ من كليهما، وباتت المطالبات تأخذ أشكالاً أكثر حديّة وعمقاً كحال الإصرار الكردي على اللامركزية واستعادة الاسم الرسمي للدولة، أي الاسم السابق للوحدة السورية – المصرية، والسابق قطعاً لحكم الانفصاليين ثم البعثيين.

في هذه الأثناء تبدو الأصوات المتعالية نحو استعادة اسم الجمهورية دون إضافات قومية مقتصرة على السوريين الأكراد، فقد كان هذا الأمر أحد شروط انضمام المجلس الوطني الكردي إلى الائتلاف المعارض، وعلى الرغم من قبول الائتلاف بصيغة الجمهورية السورية إلا أنه عاد ليكتب مراسلاته وأوراقه الداخلية معنونة بالجمهورية العربية السورية، إذ لم يكن الأمر بالسهل على الأوساط العروبية داخل المعارضة التي تخشى على ‹الهوية العربية› لسوريا وعلى ما ستسفر عنه هذه الموافقة.

مع المسوّدة الروسية لمشروع دستور سوري جديد، جدّدت روسيا النقاش الدائر حول مسمّى الجمهورية حين أبعدت الدلالة القومية/العربية عن التسمية الرسمية، ودائماً يظهر الأكراد الأكثر حماسة لفكرة التسمية الواردة في الدستور الروسي، وذلك لاعتبارات عدّة منها أن الأمر يمثّل مدخلاً ملائماً للاعتراف بالتعددية العرقية والمساواة ومؤازراً أيضاً للتصوّر الكردي القائل بتحييد الدولة وتجريدها وعدم تلوينها باسم جماعة عرقية مهما بلغ حجمها العددي. في المقابل، يثير هذا الإشكال ريبة السوريين معارضةً ونظاماً، وضمن هاتين الطائفتين أولئك المؤمنين بالمواطنة كقيمة فوق عرقية وفوق دينية أو طائفية! ربما لأن نصف قرن من العروبة المتخيّلة باتت تشكّل حملاً لا يمكن إزاحته بسهولة، وأن إجراءات بناء الثقة بين السوريين بحاجة لوقت أطول من المتوقع.

ومهما يكن من أمر فإنه لابد من النقاش والحوار العميقين للوصول إلى صيغ متقدمة لشكل البلاد التي سيحكمها السوريون بعيداً عن ذهنية التخوين والتحريم في القول والتصوُّر، ودون تفتيش في ضمائر القائلين بعروبة سوريا أو سورية سوريا.

Leave a Reply