الرئيسية رأي في أسباب عنف السلطة في غربي كردستان

في أسباب عنف السلطة في غربي كردستان

شيار عيسى
ماجستير في العلوم السياسية وكاتب وباحث كردي من سوريا، له العديد من الأبحاث المنشورة، مختص بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وصدر له كتاب بعنوان «تساؤلات في الديمقراطية- سوريا نموذجاً».
مشاركة

تسارع الأحداث في غربي كردستان واتجاهها نحو استخدام العنف الممنهج ليس أمراً مفاجئاً، لا بل إنه تأخر نظراً لكثرة الملفات الساخنة التي كانت ولا تزال مثار جدل واسع في الوسط السياسي. هذا الاتجاه نحو العنف لمعالجة تلك الملفات له أسباب عديدة أعمق من مجرد كونها من مآلات صراع المحاور الكردستانية، وغير مرتبطة بالتأكيد بقضية التراخيص، أي بالقانون.

عندما يطرح أن الصراع في سوريا صراع كردستاني ليس لكرد سوريا فيه «لا ناقة ولا جمل»، يُفترض بالصراع حينها أن يختفي بمجرد اختفاء طرف ما، أو عند عقد اتفاقية بين الطرفين، فلو افترضنا أن الحزب الديمقراطي الكردستاني- سوريا غير موجود في غربي كردستان هل كان ذلك سيعني انتهاء المشكلة والصراع؟ وهل وجود اتفاق استراتيجي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني- العراق والاتحاد الوطني الكردستاني أدى لحل كل مشاكل الإقليم وإلى انتفاء استعمال العنف كخيار للتعامل مع المخالفين؟ هذا ليس واقع الحال لا في غربي كردستان حيث ينال العنف والتهميش حتى غير المنضوين في إطار المجلس الوطني الكردي، ولا في كردستان العراق، الذي يغرق في بحر من الملفات الشائكة، التي تفجرت بشكل جزئي سابقاً ومرشحة للتفجر لاحقاً.

من نافلة القول أيضاً أن ازدياد منسوب العنف مؤخراً ليس بسبب عدم التقيد بقوانين الإدارة الذاتية، التي لا تتمتع بشرعية قانونية أصلاً، ولا تطبق حتى القوانين التي وضعتها بنفسها، فقوانين المرأة والإعلام وتلك البنود التي تتعلق بحرية التعبير وفصل السلطات كلها معطلة، ولا يتم إلا تطبيق تلك القوانين التي تؤدي إلى مزيد من التفرد لحزب الاتحاد الديمقراطي، كإغلاق المقرات الحزبية لعدم تقيدها بالقانون وتقديم رخص لتلك المكاتب.

ليس هذا فحسب، بل إن إغلاق المقرات ترافق مع عملية عنف ممنهجة يبدو أنها ستكون العلامة المميزة لتعامل حزب الاتحاد الديمقراطي مع معارضيه مستقبلاً، وما أدل على ذلك إلا تصريحات قياداته، التي أعطت إشارات أن تلك الممارسات ممنهجة وستستمر؛ فآلدار خليل نفى علمه بمنظومة جوانين شورشكر، وعبد السلام عثمان اتهم أنصار المجلس الوطني الكردي بحرق مكاتبهم، رغم أن عمليات جوانين شورشكر جرت في وضح النهار، وأمام الجميع ولم يقم حزب الاتحاد الديمقراطي بإدانتها.

إذاً، للإحاطة بالأسباب الحقيقية للعنف ومآلاته، لا بد من العودة إلى الثقافة السياسية للسلطة الحاكمة في غربي كردستان، والتي تعتمد على الشيوعية، دون تمييز نفسها عن تجارب باقي المنظمات، أو السلطات، التي آمنت بهذه الفكرة من حيث تبنيها كإيديولجية شمولية، أي كمنهج يؤثر في مختلف نواحي الحياة. فلا دور للفرد في تلك المنظومة الفكرية إلا في سبيل تحقيق مصالح الجماعة، والتي أثبتت التجربة أن هذه المصالح تنتهي لتكون مصالح شخص أو عائلة أو دائرة ضيقة استثمرت كل المنظومة خدمةً لمصالحها الشخصية، أو في خدمة ما رأته حلول للأزمات وفق تصورات أقرب ما تكون إلى عالم تخيلي يثير الاستغراب، فوجود فئة فكرت أصلاً في تقمص هكذا أدوار تخيلية طوباوية هدامة، أدت إلى القضاء على كل ما يمت للحياة بصلة، كما في حالة العديد من الدول الشيوعية، وليس أدل على ذلك أكثر من دكتاتور كمبوديا بول بوت، الذي قرر بين ليلة وضحاها أن يخلي المدن من سكانها ويرسلهم إلى الريف ليعملوا في الزراعة، لأن منظومته الفكرية خيلت إليه أن المجتمع الريفي هو الوحيد الذي يجلب السعادة، ليقود البلاد إلى كارثة لا تزال آثارها ماثلة للعيان رغم أنها لم تستمر إلا أربعة أعوام.

اختار حزب العمال الكردستاني في بداية انطلاقته الكفاح المسلح، وهو ليس بالأمر الشاذ في تلك المرحلة وخصوصاً لحزب يتبنى الفكر الشيوعي، لكن الغريب هو شنه حرب بلا هوادة على خصومه من الأحزاب الكردية في كردستان تركيا حتى قضى عليهم تقريباً، ليبقى وحيداً في الساحة الكردية هناك.

 بذلك تكرست تلك الصورة النمطية للإيديولوجيا الشمولية، ذات اللون الواحد، والتي لا ترى العالم كله إلا من خلال منظورها الإيديولوجي الضيق؛ فالكل خونة ومشكوك في أمرهم حتى يثبتوا العكس عبر تقديم فروض الطاعة للفكر الواحد، وبشرط أن يتحمل الشخص تقلبات تلك الفكرة من أقصى اليسار، أي اتهام الكل بالعمالة بسبب عدم رفعهم شعار تحرير وتوحيد كردستان، إلى أقصى اليمين المتمثل ببعض الحقوق الثقافية للكرد، ومنها لفكرة الأمة الديمقراطية (واتهام الكل بالعمالة بسبب دعوتهم لإقامة دولة كردستان)، وما تخللها من تفاصيل في النفق الإيديولوجي.

أمام هذه السياسية الاستفرادية لحزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يبدو أنه حسم خياراته باتجاه استعمال القمع والعنف، يتعين على الأحزاب الكردية الخروج من عباءة الضغط باتجاه تقاسم السلطة، هذا الملف الذي يسهل على ب ي د مقاومته بعدة حجج ليس أقلها أنه قدم شهداء ولن يتنازل عن أي شيء، باتجاه فتح ملفات محرجة للاتحاد الديمقراطي ستؤدي في النهاية إلى فقدانه للسلطة، كملف الحريات الذي يعد أضعف حلقات حزب ب ي د، بالإضافة إلى ملف الخدمات السيئة والفساد المستشري في الإدارة الذاتية من عدة نواحي، ومنها تحكم العسكر(الكادرو) في كل مفاصل الحياة المدنية في غربي كردستان.

Leave a Reply