الرئيسية رأي تحرير الرقّة وخسارة منبج، سيناريوهات تحتمل النظر

تحرير الرقّة وخسارة منبج، سيناريوهات تحتمل النظر

داريوس الدرويش
كاتب وناشط كردي من سوريا، يكتب مقالات رأي في الصحف والمواقع المحلية والدولية، وله أبحاث منشورة حول القضايا المتعلقة بكرد سوريا.
مشاركة

تتّجه قوّات سوريا الديمقراطيّة بخطى حثيثة نحو تحرير مدينة الرقّة من تنظيم داعش بعد إحكام سيطرتها على معظم مناطق الريفين الشمالي والغربي للمحافظة، واتّجاهها لإطباق الحصار على المدينة التي تعدّ العاصمة الفعليّة لتنظيم داعش. تفعل ذلك قوّات سوريا الديمقراطيّة وهي موقنة من نجاحها في هذا السباق بفضل مقاتليها والتغطيّة الجويّة للتحالف الدولي، ولكن لا يبدو أنّها تدرس بشكل معمّق سيناريوهات ما بعد تحرير الرقّة، والتي قد تحوّل لاحقاً ذلك الانتصار إلى هزيمة تطال القوّات لصالح الجيش التركي والقوى المتعاونة معه.

أخطر تلك السيناريوهات المحتملة هو أن تخرج القوّات من معركة الرقّة منتصرةً لتدخل في معركة منبج مجدّداً إذا ما تخلّت القوات الأميركيّة والروسيّة في غرب منبج عن دورها كقوّات فصلٍ بين قسد والجيش التركي حال تحرير الرقّة؛ فمن جهة، لا يبدو الأميركيّون متحمّسين أساساً للاعتراف بسيطرة قسد على مناطق غرب الفرات، إذ منعوا تقدّم القوّات نحو الباب وأوقفتهم عند بلدة العريمة، بل وساندوا درع الفرات والجيش التركي في مساعيهم للسيطرة على بلدة الراعي ومحيطها، ووقفوا متفرّجين حين اندلعت المعارك بين قسد ودرع الفرات جنوب جرابلس رغم إعلان الأخيرة عن نيّتها التوجّه إلى منبج، إضافة إلى أنّ القوّات الأميركيّة لم تكلّف نفسها عناء الفصل بين الطرفين إلا بعد اتّفاق مجلس منبج العسكري مع الروس وخشيتهم من خسارة القوى المتحالفة معهم قبل تحرير الرقّة بقليل وسرقة كلّ الجهود التي بذلوها للوصول إلى عاصمة داعش من قبل الروس.

الروس أيضاً من جهتهم لا يملكون اهتماماً حقيقيّاً في تلك المنطقة، هذا يعود بشكل أساسي إلى أولويّات روسيا في سوريا، والتي تقتصر إلى حدٍّ كبير على مناطق الساحل السوري وربطها مع دمشق للحفاظ على حكومتها، ولن تهتمّ بشيء خارج تلك الأولويّات ما لم تكن مكاسب تستطيع تحقيقها مجّاناً؛ فلم تهتم لوضع مدينة حلب إلا حين عرضت تركيا عليهم أسهل الطرق للسيطرة على المدينة مقابل تخلّيهم لتركيا عن ورقة «سيادة سوريا» على جزء منها يقع أصلاً خارج أولويّاتهم تماماً، وربّما وجدت من خلال استدعاءها كقوّات فصل غرب منبج أنّها يمكن أن تستفيد من أزمة الثقة بين قسد وأمريكا لتمتلك الأولى كورقة مجّانيّة تستطيع استخدامها في مبادلة أخرى مع تركيا ضمن الصراع الأزلي بين الكرد والأتراك، أو على الأقل، لتنزع تلك الورقة من يد منافسها الأميركي اللدود.

ولكن حالما تتحرّر الرقّة، فحتّى تلك المصالح الباهتة في تلك المنطقة ستختفي من حسابات القوّتين العظميين، إذ إنّ المبرّرات التي يسوقها الآن أنصار حماية منبج من تركيا في الإدارة الأميركيّة تدور حول «عدم تشتيت جهود محاربة داعش»، ومع تحرير الرقّة، فإنّ الحاجة الأميركيّة للجهود التي «لا يجب تشتيتها» ستضمحل، بل قد تصبح مسألة استمرار المواجهة مع تركيا، حليفها في الناتو، أمراً غير مجدٍ من وجهة نظر الإدارة الأميركيّة الحاليّة (ربّما كان يمكن قول غير هذا في ظلّ الإدارة السابقة)، لذا فمن الوارد أن يبادر الأميركيّون بعد تحرير الرقّة إلى رفع يدهم عن منبج وترك قوّات سوريا الديمقراطيّة في مواجهة الجيش التركي لوحدها، أو في أحسن الأحوال، تحت ابتزاز الحماية الروسيّة، والتي لنا أن نتصوّر الإغراء التركي التالي، بعد حلب، الذي يستعدّ أردوغان لدفعه مقابل نزع تلك الحماية.

قد تختار قسد لتجنّب هذه المواجهة ألا تخوض معركة الرقّة أساساً، إلا أنّها، وإن كان بإمكانها تأخير المعركة بعض الوقت، فإنّها عمليّاً ستقوم بتسريع حدوث المواجهة بدل تجنّبها إن اتّخذت هذا الخيار، فالبديل التركي سيكون جاهزاً حينها لأداء المهمّة التي حُصِر المنفذ إليها ببوّابة منبج فقط إلى الآن، ويمكن توقّع نتائج أكثر كارثيّة أيضاً، منها على سبيل المثال تصوير تلك المواجهات إعلاميّاً على أنّها محاولة من قسد لاحتكار الحرب على داعش وشنّ الحرب على من يريدون «تحرير الرقّة»، أو حتّى، كأسوأ الاحتمالات، أن يُسمَح للجيش التركي بفتح منفذ من تل أبيض نحو الرقّة كـ «عقابٍ» أميركي لقسد على خرق الاتّفاق معها وعدم الالتزام بالجدول الزمني لتحرير الرقّة، والذي غيّرته إدارة أوباما بضع مرّات سابقاً.

إذاً، يبقى خطر المواجهة بين قسد والجيش التركي احتمالاً وارداً في كلا الحالتين، وهي مواجهة لا تملك قسد، عدا مقاتليها، إمكانيّات عسكريّة تؤهّلها للخوض فيها بنجاح، وإن لم تكن المدرّعات التركيّة كافية لتحقيق تقدّمٍ كبيرٍ لها على الأرض، فإنّ سلاح الطيران، الذي تستخدمه في سوريا، سيعطي الجيش التركي أفضليّة لا بأس بها على حساب قسد، وما لم تحصل الأخيرة على أسلحة أميركية ثقيلة تمكّنها من الدفاع عن نفسها والمحافظة على مواقعها، فإنّ ذلك سيكون بمثابة ضوء أخضر أميركيٍّ لتركيا يؤدّي إلى أن تكون خسارة قسد لمنبج هي الأقرب، سواء توجّهت لتحرير الرقّة أم لا، عدا أنّه في الاحتمال الأخير ستوفّر على نفسها خسائر بشريّة كانت ستضحّي بهم في معركة انتصارها العظيم يفتتح عهد خسارات أعظم.

Leave a Reply