مشاركة
حمزة همكي
صحافي مقيم في قامشلو له العديد من التحقيقات والتقارير المنشورة في الصحف والمواقع المحلية.

«عملي ورزقي هو عشيرتي، أنا لا أعترف لا بالعشيرة ولا بزعيمها». يقول شاب ثلاثينيٌ من عشيرة زبيد العربية أقلني بسيارته مؤخراً على الطريق بين بلدة  جل آغا وتربه سبي.

عبارة ربما تختصر إلى حد بعيد العلاقة بين العشيرة العربية وأبناءها في منطقة الجزيرة شمال شرقي سوريا، تلك العلاقة التي شهدت خلخلة واضحة في العقدين الأخرين على أقل تقدير.

النهار السبت. والساعة نحو الحادية عشر صباحاً أنا أستعد للانصراف من مقهى في مدينة قامشلو إلى موعد في مقر الهيئة الوطنية العربية في حي الوسطى ذي الغالبية المسيحية.

المخابرات تخترق التنظيم الاجتماعي للعشائر

يجلس رئيس الهيئة، محمد بنيان، في مكتبه ويبدو عليه الانشغال، يتفحص هاتفه النقال ويضع على خاصرته مسدساً من نوع باربيلو/ بريتا ذي الصناعة الإيطالية. يرفع نظره إلي ويقول الموضوع الذي تود «الكتابة» عنه شائك وحساس والخطأ فيه قد لا تحمد عقباه!

يبدأ بنيان بسرد مختصر للتحولات التي مرت بها العشائر العربية في المنطقة: «على مرِّ الحكومات المتعاقبة على سوريا، سواء الأجنبية أو العربية، نجد أن الاستخبارات تدخلت في الحياة الاجتماعية. وكما هو معلوم فإن الاستخبارات ليست عبارة عن شخص واحد بل أشخاص على شكل سلسلة متتالية. أتى أحدهم فعمل على كسب بعض زعماء العشائر من خلال عملية رفع البعض والحط  من البعض الآخر، لقد علمهم على المصالح الشخصية، فبات شيخ العشيرة أنانياً وفضل مصلحته على مصلحة العشيرة».

ويضيف: «إذا لم يتمكن شيخ العشيرة من الدفاع عن أبناء عشيرته في حال تعرض أحدهم للسجن أو اغتصاب لحقه من قبل أحد ما، فما المبرر كي يطلق عليه صفة الشيخ؟»

الموظف البعثي من أبناء العشيرة كانت له سلطة على أبناء العشيرة أكثر من شيخها لأنه كان بإمكانه خدمة العشيرة أكثر من الشيخ

ويرجع رئيس الهيئة الوطنية العربية أسباب ما فعلته المخابرات ببنية العشائر العربية إلى عدم رغبة الحكومة في تلقين أبناء العشائر التعاليم الدينية الصحيحة والتأسيس لمنظومة عشائرية على أساس وطني ويتابع الحديث: «لو أن الحكومة السورية كانت قد تبنت إفهام الدين الحقيقي لأبناء العشائر والتأسيس لمنظومة عشائرية على أساس الوطنية التي يمكن أن تكون العشيرة متهيئة لأي خطر قد يأتي على المنطقة لكان الأمر أفضل».

ويكمل بنيان حديثه لروك أونلاين قائلاً: «للأسف فروع المخابرات لم تعمل على تنظيم العشائر بناء على الأسس الوطنية، فالموظف البعثي من أبناء العشيرة كانت له سلطة على أبناء العشيرة أكثر من شيخها لأنه كان بإمكانه خدمة العشيرة أكثر من الشيخ. فما يهم المجتمع هو الخدمة و العلاقة بين الشيخ والعشيرة هو الرابط الاجتماعي والخدمة المتبادلة كي يكسب ثقتهم وولاءهم».

ويؤكد الأربعيني خريج كلية الصيدلة من بشكيك الروسية أن مشايخ العشائر العربية «يعانون الضعف» ويبرر هذا الضعف: «خوفهم من المجهول وعدم امتلاكهم للحصانة حتى في الدفاع عن أبسط شخص في العشيرة، فهم فاقدوا الصلاحيات وعلى الرغم من ذلك فمن بينهم العقلاء والمتفهمين ويمكن أن نبني معهم أسسا جديدة لهيكلية العشائر وإعادة الثقة بينهم وبين أبناءها».

العشيرة لم تعد تتحكم بأبنائها

من جهة أخرى لم تحظى العشائر العربية في منطقة الجزيرة بدراسات معمقة من حيث تكوينها الاجتماعي سوى بعض الدراسات القليلة التي تناولتها بأسلوب أقرب إلى التفكير العشائري ذاته لأنها غالباً ما صدرت عن بعض أبناء إحدى هذه العشائر.

ويشرح الأكاديمي فريد سعدون الذي هو بصدد إنجاز دراسة حول البنية العشائرية العربية في منطقة الجزيرة لروك أونلاين ما توصل إليه من خلال دراسته ويقول: «العشائر العربية فقدت قيمتها القبلية أو صفتها الرسمية التي كان يمارسها شيخ القبيلة من التناغم والتآلف بينه وبين أبناءها، فتشتت العشيرة بسبب السياسات التي مورست عليها من قبل حزب البعث والسلطات الحاكمة، فقام الحزب بتقليص دور القبيلة ليتمكن من السيطرة عليها ولكي لا يبقى لشيخها أي دور سياسي فيما بعد أو التحكم بأبناء القبيلة وحشدهم إذا ما تطلب الأمر، فحزب البعث تمكن من تفكيك بنية العشيرة وأهمل الشيوخ الحقيقيين وصنع شيوخاً آخرين بدلاً منهم على أساس الأيدولوجية الحزبية وأعطى لهم الدور في مراكز السلطة».

التشرذم في العشائر العربية خلق فيها عدم القدرة على التحكم بأبناء العشيرة اجتماعياً كما كان في السابق

ويتابع سعدون: «لو نظرنا إلى عشيرة طي على سبيل المثال فمحمد فارس ليس هو شيخ العشيرة الحقيقي بل الحقيقي هو محمد عبد الرزاق ولكن المعترف به من قبل الدولة هو محمد الفارس وهذا الأمر جعل في العشيرة نزاعاً بين أطراف متعددة حتى أن البعض انسلخ من عشيرته وبنى عشيرة على مقاسه وهواه».

ويقول: «كذلك الحال بالنسبة لعشيرتي الشرابية والجوالة. هنالك الآن قطبان من العشائر العربية قطب محمد الفارس وعشيرة طي التي بات لها مكتب سياسي وهذه سابقة في تاريخ العشائر العربية أن يكون للعشيرة مكتب سياسي يصدر القرارات السياسية الخاصة بتوجيه أبناء العشيرة سياسياً، أما المسائل الاجتماعية فليس لهذا المكتب أي دور فيها فهي ما زالت بيد الشيخ محمد عبد الرزاق».

وعن الشمر يقول سعدون: «القطب الآخر يتمثل بعشيرة شمر التي يتنازعها أكثر من شيخ، فالمعروف بتوظيفه للسياسة في العشيرة هو الشيخ حميدي دهام الهادي الذي يشغل الآن منصب الحاكمية المشتركة لمقاطعة الجزيرة ولديه جيش الصناديد الذي يتبع للإدارة الذاتية أو حركة المجتمع الديمقراطي، وهذا الشيخ لديه علاقة عضوية مع حزب العمال الكردستاني. أما الآخر فهو أحمد الجربا الذي تولى رئاسة الائتلاف السوري المعارض ولعب دور المعارض للنظام وأسس قوات النخبة وكذلك أسس تيار الغد السوري، والطرف الثالث هو عدي الميزر أحد شيوخ قبيلة شمر ولديه خلافات مع حميدي دهام الهادي و الجربا، ويحاول أن يتخذ دور الحياد من الناحية السياسية لكي يحافظ على مكانته الاجتماعية أكثر من المكانة السياسية».

من لا يجد نفسه عند النظام يذهب إلى حركة المجتمع الديمقراطي ومن لا يجد بغيته في الحركة يذهب إلى طرف آخر وهنالك من يعمل مع أطراف متعددة بنفس الوقت يلعب على الحبلين

ويضيف سعدون: «فهذا التشرذم في العشائر العربية خلق فيها عدم القدرة على التحكم بأبناء العشيرة اجتماعياً كما كان في السابق».

نتيجة لكل ذلك تفككت العشيرة العربية وتعددت التيارات والتكتلات فيها على حساب الولاء لزعيم العشيرة والعشيرة ذاتها، ويضيف محمد بنيان أحد وجوه عشيرة طي في حديثه لروك أونلاين بالقول: «للأسف العشيرة العربية الواحدة باتت تعاني من تعدد التيارات والولاءات فيها فمن لا يجد نفسه عند النظام يذهب إلى حركة المجتمع الديمقراطي ومن لا يجد بغيته في الحركة يذهب إلى طرف آخر وهنالك من يعمل مع أطراف متعددة بنفس الوقت يلعب على الحبلين».

التشتت السياسي لأبناء العشائر العربية

ويسترسل الأكاديمي الكردي في حديثه عن العشائر العربية: «المشكلة الكبيرة في العقلية العشائرية وبسبب مناطقهم شبه الصحراوية فكانوا بعيدين عن الدراسة والتعليم والجامعات ولم تتح لهم الفرصة  في أخذ حقهم من التعليم وبقوا بعيدين عن الفكر والتنوير، وكذلك هيمنة حزب البعث عليهم والذي قضى على أية محاولة لاتخاذ اتجاه سياسي معين، فكانت العشائر أحادية التفكير والأيدولوجية التي كان يسيطر عليها حزب البعث بامتياز، ومن الناحية الثقافية لم يكن لديهم سوى التقيد بالعادات والتقاليد العشائرية. ولذلك كله وعند مواجهتهم مع أي تيار وافد كانوا ينخرطون فيه بدل التفكير بمقاومته، فحينما دخلت جبهة النصرة وجدوا فيها المنقذ سواء من الناحية المادية أو الدينية أو حتى السياسية، وبعد انسحاب الجبهة ودخول داعش صاروا مع التنظيم الجديد، وبعد أفول داعش وتقدم وحدات حماية الشعب سارعوا بالانضمام إليها. هنالك سبب رئيسي لهذه التصرفات وهو الفقر المدقع الذي يعيشه أبناء المناطق العربية فوجدوا أنفسهم مقاتلين مع الجهة الموجودة بينهم وبحسب من يدفع لهم أكثر فهم موظفون وليسوا مقاتلين حقيقيين. وإلى جانب الفقر يأتي الخوف من المجهول كسبب لهذه التصرفات والتقلبات، ومع ذلك فإن ما وجدوه لدى حزب العمال الكردستاني والإدارة الذاتية لم يحصلوا عليه حين حكم النظام، فباتوا الآن مسؤولين وقيادات سياسية وعسكرية».

إلا أن بنيان يعيد التحاق بعض العشائر بداعش وغيرها من التنظيمات المتطرفة إلى السياسة التي اتبعها النظام السوري حيال العشائر، إذ قام «بعزل العشائر عن كل شيء، حتى الأسلحة القديمة التي كان يحتفظ بها البعض كذكرى لأجدادهم أخذته الدولة واختزلت العلاقة مع المجتمع في إطار ضيق جداً وهو العلاقة بينها وبين شيخ العشيرة فقط. وهذا ما يفسر التحاق الكثير من القرى العربية في منطقة الجزيرة وبشكل خاص القرى القريبة من الحدود العراقية بالتنظيمات الإرهابية، لأن عدم وجود السلاح بيد أبناء تلك القرى كي يدافعوا عن أنفسهم كان سبباً في ذلك إضافة للجهل والفقر المدقع».

العشائر العربية تحت سلطة الإدارة الذاتية

الإدارة الذاتية تعاملها مع العشائر بالمجمل تعامل جيد. لكن قلة خبرة مؤسساتها بهيكلية العشائر جعلت من هذا التعامل شبيهاً بتعامل النظام في السابق

وتسيطر الإدارة الذاتية الديمقراطية منذ العام 2013 على المناطق ذات الغالبية الكردية في سوريا، المنطقة التي تتميز بتنوعها العرقي والاثني، وأخذ المكون العربي منذ ذلك الحين مكاناً وحيزاً إلى حد أن معارضي الإدارة وحركة المجتمع الديمقراطي من الأحزاب الكردية الأخرى يأخذون عليها في بعض الأحيان تفضيلهاً لهذا المكون عليهم من حيث القبول السياسي وتشكيل بعض العشائر، كعشيرة شمر، لقوات عسكرية تنتشر في المناطق القريبة من الحدود العراقية أو ما تعرف محلياً بمناطق الخط السياسي حيث يغلب عليها الامتداد العربي.

إلا أن بعض زعماء العشائر العربية يسعون إلى تمثيل ذو حجم وتأثير أكبر ويأخذون على مؤسسات الإدارة عدم معرفتها بهيكلية العشائر الحقيقية وبنيتها. ويعلق بنيان على هذه المسألة فيقول: «الإدارة الذاتية تعاملها مع العشائر بالمجمل تعامل جيد. لكن قلة خبرة مؤسساتها بهيكلية العشائر جعلت من هذا التعامل شبيهاً بتعامل النظام في السابق، يأتي شخص ليست له صلة بمشيخة العشيرة ويدعي أمام المسؤولين أن له سلطة ونفوذ في العشيرة فيتم الاعتماد عليه دون معرفة بحقيقته».

والتقينا بالقيادي في حركة المجتمع الديمقراطي عبد السلام أحمد في مقر الحركة بمدينة قامشلو والذي أوضح آليات تعامل مؤسسات الإدارة الذاتية مع راهن العشائر العربية قائلاً: «نحن كحركة مجتمع ديمقراطي لم نصد الأبواب في وجه أي شخص له مكانة اجتماعية بين أهله وعشيرته أو قبيلته. إننا نتعامل مع الجميع دون تمييز بين عشيرة أو أخرى  ولا يخفى ما لزعماء العشائر في المنطقة عبر التاريخ من دور قبل ظهور التنظيمات السياسية».

وقال أحمد، المعني بملف العشائر العربية في المنطقة والذي يتعامل بشكل مباشر مع أبناءها ووجوهها: «في الوقت الحالي ومع توافر الكثير من أصحاب الشهادات والمتعلمين من أبناء تلك العشائر لم يعد لديهم الرغبة في إيلاء الاهتمام أو إطاعة الزعماء التاريخيين لعشائرهم كما في السابق، وعلى الرغم من ذلك فإن هذه التعبيرات الاجتماعية ما زالت موجودة وللبعض منهم دور فاعل في مجتمعه ونعتمد عليهم أحياناً لدى ورود بعض الإشكاليات في المنطقة بهدف حلها».

إن عدم قبول بعض زعماء العشائر بالإدارة الذاتية ونظرتهم لها على أنها حالة مؤقتة يضطرنا للبحث عن بدائل أخرى وشخصيات أخرى من أبناء العشائر لهم وزنهم وتأثيرهم على العشيرة للتواصل مع الإدارة الذاتية

ويؤكد أحمد ما يذهب إليه الكثيرون من ضعف لدور زعماء العشائر التاريخيين بين أبناء عشائرهم ويقول: «الحقيقة أن الوضع الاجتماعي ما قبل المدنية إن جاز التعبير تغير في الوقت الحالي لأن زعماء العشائر التاريخيين والمعروفين خف نفوذهم وتحكمهم بأفراد العشيرة، فهي عناوين موجودة نعم لكن دون تأثير».

ويضيف: «هنالك الآن المئات من أبناء تلك العشائر بين صفوف وحدات حماية الشعب والأسايش وهؤلاء الشباب لم ينضموا إلى مؤسسات الإدارة بناء على طلب زعماء العشائر ولكن إيماناً منهم بمشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية».

ويختم القيادي في حركة المجتمع الديمقراطي عبد السلام أحمد حديثه لروك أونلاين قائلاً: «لدينا اطلاع تام على الوضع العشائري والاجتماعي في المنطقة وخلافاً لما يقوله البعض فإن عدم قبول بعض زعماء العشائر بالإدارة الذاتية ونظرتهم لها على أنها حالة مؤقتة يضطرنا للبحث عن بدائل أخرى وشخصيات أخرى من أبناء العشائر لهم وزنهم وتأثيرهم على العشيرة للتواصل مع الإدارة الذاتية».

ويسألني الشاب العشريني صاحب السيارة، هل تعمل مع «الهفالات»، أنا أعمل في الصحافة. أجبته، ويعقِّبُ على كلامي دونما مناسبة: هل تعلم أن البعض من أبناء عشيرتي كانوا مع داعش في القرى القريبة من الجوادية؟ ويتمتم: «مشايخ العشاير بديرة والعشيرة بديرة»، ولهذا فضلت عملي ورزقي على كل شيء.

Leave a Reply