الرئيسية رأي الفدرالية في الخطاب السياسي الكردي

الفدرالية في الخطاب السياسي الكردي

شورش درويش
كاتب كردي من سوريا يكتب في العديد من الصحف والمواقع العربية.
مشاركة

لم تكن لفظة الفدرالية قد دخلت برامج وأدبيات الأحزاب الكردية بشكل صريح قبل تشكيل المجلس الوطني الكردي أواخر عام 2011، بيد أن الشعارات التي طرحتها الحركة الكردية كانت تعبّر عن تطلع في هذا الاتجاه، كحال شعارات الحقوق القومية المشروعة وحق تقرير المصير، والتي كانت مقتضيات التعامل مع الحكومات القمعية المتتالية، ثمّ النظام البعثي، تستوجب تورية المطالب التي تنم عن اللامركزية ووضعها داخل شعارات فضفاضة معظمها وفد من الأدبيات الشيوعية التي تعالج قضايا الشعوب والأقليات.

وعقب تشكيله، تصوّر المجلس أنّ «الفدرالية لكردستان سوريا» هي أفضل ضامن ومطلب قومي لكرد سوريا، وأنّ شكل الدولة الفدرالية (الاتحادية) قابل للتحقّق. وبما يشبه رأي الأغلبية، أقر المجلس هذا المطلب كواحدٍ من مجموعة مطالب سيتم التفاوض بشأنها مع المعارضة السورية، وأقر أن القبول به هو معيار انضمام المجلس إلى أي من كتل المعارضة حينها (المجلس الوطني السوري وهيئة التنسيق)، وعلى إثر انضمام المجلس إلى الائتلاف المعارض عام 2014، سرعان ما وقّع الطرفان على (بروتوكول) استثنى من بنوده الفدرالية وتم الاتفاق على ترحيل هذه الفقرة إلى جلسات لاحقة، يبدو أنها لن تحين!

وتُجمع أحزاب المجلس الوطني الكردي والأحزاب غير المنضوية فيه على تبنّي الفدرالية، ما يعني أن الشعار بات يتصدّر اهتمامات  غالبية الشعب الكردي، وأن من يتراجع لفظياً عن هذه المطالبة سيثير حفيظة الرأي العام الكردي، بل وربما يثير استياء الحزبيين. ورغم أنّ إجماع الأحزاب هذا يبدو إيجابياً لجهة توحيد الخطاب الكردي، إلّا أنه في وجه آخر منه ينم عن حالة شعاراتيّة ترمي إلى كسب الأنصار، حيث لم يتقدّم أي حزب أو جهة بمشروع متكامل يعالج مطلب الفدرالية من النواحي القانونية والسياسية والجغرافيّة والاجتماعية، إذ لا نكاد نجد ما يفيد بتقديم أي طرفٍ كردي لمشروع متكامل يحدد المنطقة الجغرافيّة المراد فدرلتها، ولا على شكلٍ قانوني يحدد شكل الارتباط بالمركز (دمشق)، وهل هي فدرالية قومية؟ وأين موضع باقي المكونات فيها؟ بمعنى آخر، فإن الفدرالية المطروحة (تقول كل شيء ولا تقول شيئاً)، على ما يقوله المثل.

وإزاء طرح المجلس الوطني الكردي يكمن طرح مقابل يتشابه في العنوان لكنه يختلف في التفاصيل، وهو مشروع يقوده حزب الاتحاد الديمقراطي المتحكم بتلابيب المناطق الكردية، والذي فرض نظامه الخاص المستل من أيديولوجيته الحزبية القائمة على «الإدارة الذاتية الديمقراطية». وفي صعيد متدرّج، أقدم الحزب على تبني الفدرالية التي سميت بفدرالية روجآفا. لكن، ومع اتساع رقعة الأراضي التي سيطر عليها مقاتلو الحزب، تم الإعلان مؤخراً عن فدرالية شمال سوريا التي دمجت بين دفتيها المناطق الكردية التي سيطر عليها سابقاً إلى جوار المناطق التي تم إخراج داعش منها مؤخراً.

وفي مطلق الأحوال بقي الاتحاد الديمقراطي مصرّاً على أن النموذج الفدرالي الذي يبغيه، فهو ليس قومياً كالذي ينادي به خصومه في المجلس الوطني الكردي، بل هو ‹هبة› الحزب لسوريا وكافة مكوناتها العرقية والدينية والطائفية، ما يعني أن الحزب يرمي إلى تشكيل كيان واقع تحت سيطرته المباشرة لا يميّزها عن سوريا شيء! فإذا كان النموذج المشتغل عليه هنا هو لأجل إقامة مجتمع تعددي لا يرمي إلى تشكيل كيان قومي كردي يتمتع بالحكم الذاتي، فما معنى الفدرالية إذاً؟ ولمَ خلق سوريتَين بدل سوريا واحدة تعددية؟ هذا الأمر ربما يشير إلى مطامح الحزب في أن يكون حزباً حاكماً لمنطقة حازها نتيجة عدة ظروف متراكبة.

ستبقى الفدرالية، بما هي شكل حضاري من أشكال إدارة الدولة، أسيرة النقاشات الشفوية الكردية، ولن تصبح أمراً قابلاً  للنقاش الجدّي طالما أنها ليست مكتوبة ومؤصلة بشكل علميّ يحدد أين وكيف يريد الكرد إقامة كيانهم الاتحادي المقبل، وستبقى الفدرالية كذلك محط اتهام من قبل المعارضة والنظام، فهذا قدر قضايا الجماعات الأهلية خلال التحوّلات الكبرى. وإلى أن تستتب الأمور وتضع الحرب أوزارها، وجب على الكرد ترتيب أوراقهم وعدم تمييع مسألة الفدرالية كحق في الخلاص من استبداد المركز الذي طال والذي قد يظهر مجدداً وإن بصورة أخرى.

Leave a Reply