مشاركة
آريا حاجي
من مواليد ديريك، تحمل إجازة في علم الحياة ،عملت سابقاً معدة ومقدمة برامج في إذاعة هيفي إف إم، كما عملت سابقاً مراسلة لوكالة قاسيون للأنباء.

في ظل ضوضاء الحياة، و صعوبة المعيشة، يعاني ذوو الاحتياجات الخاصة تهميشاً كبيراً، لأن لا صوت لهم، كما لا يستطيعون الوقوف في وجه الجهات المعنية و المجتمع ليطالبوا بالقليل من الدعم، وإن كان معنوياً فقط. عشرات الأطفال في مدينة ديرك بات كرسي الإعاقة حلماً لهم، وآخرون كثر بحاجة لمتنفس يخرجهم من قوقعة المنزل التي لم يخرجوا منها مذ خُلقوا.

الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة, أولئك الذين يستحقون معاملة خاصة ممن حولهم، يواجهون المصاعب من كل الاتجاهات، وبالرغم من تواجد العشرات من المنظمات سواء الإغاثية أو الإنسانية أو المعنية بحقوق الطفل، إلا أنهم يعيشون معاناة حقيقية في غياب مراكز خاصة تحتويهم، إضافة إلى نظرة الكثير من حولهم و التي تذكرهم في كل لحظة بالنقص الذي يعانون منه.

أبسط الأمور في الحياة هي أحلامٌ كبيرة لذوي الاحتياجات الخاصة

ثائر، طفلٌ من ريف ديريك، ترك المدرسة رغم انتقاله للمرحلة الإعدادية بتفوق، لم تسعفه مثابرته في تجاوز سهلٍ منبسطٍ بين قريته والقرية الأخرى حيث تقع الإعدادية، بل استحال هذا السهل جبلاً في وجه من يعاني من شلل ولادي في قدميه، وينحدر من عائلة فقيرة.

بحزن شديد، يتحدث والده علي كيف أن أطباع طفله قد تغيرت نتيجة بقاءه في المنزل دون أن يخرج و يختلط مع باقي الأطفال، وكيف تسوء حالته النفسية بعد يوم. يقول علي إنهم لا يستطيعون أخذه إلى القرية الأخرى كل يوم لإكمال تعليمه، لذا فقد اضطروا إلى حرمان ابنهم ثائر من المدرسة، مضيفاً «أنا رب أسرة مكونة من عدة أطفال، وعلي الالتزام بعملي الممتد لساعات طويلة في المدينة، ووالدته مجبرة على الاهتمام ببقية الأطفال».

أحمد الذي يبلغ من العمر 15 عاماً ويعاني من العمى الكلي في عينيه، بقي حبيس المنزل وأسوار حديقته منذ ولادته

ويشتكي علي من انعدام المساعدات التي كان يمكن لها أن تخفف عن طفله قليلاً، إذ إن «المنظمات الإغاثية لم تقدم له كرسياً كهربائياً، رغم مطالبتي بذلك عدة مرات»، ويقول إنهم لم يستفيدوا من البطاقة التي حصلوا عليها من هيئة الشؤون الاجتماعية، والتي «كان من المفروض أن يحصل ثائر على راتب شهري بموجب هذه البطاقة».

ويزداد الوضع سوءاً بالنسبة للطفل أحمد عرفو من سكان قرية مهمشة أخرى في ريف ديريك، فأحمد الذي يبلغ من العمر 15 عاماً ويعاني من العمى الكلي في عينيه، بقي حبيس المنزل وأسوار حديقته منذ ولادته، ويعيش مع والديه المسنين الذين يرعيانه بصعوبة بالغة.

تقول والدته قمري قاسم إنه «لم يسبق لنا أن أخرجنا أحمد من المنزل، لا نستطيع تسجيله في مركز لذوي الاحتياجات الخاصة لأننا نعيش خارج المدينة ولا نملك سيارة للتنقل، كما أن هذا سيكلفنا الكثير من المال في هذا الوضع المعيشي الصعب على عائلتنا».

وكما علي والد ثائر، تقول قمري إنهم لم يستفيدوا من بطاقة ذوي الاحتياجات الخاصة التي استلموها منذ ما يقارب الأربعة أشهر، وتضيف بأنهم «بحاجة إلى أدوية صعبة التأمين، وحين تتأخر العائلة في تأمين الدواء تسوء حالة أحمد الصحية ويعاني من نوبات متكررة».

ولسؤالها عن هذه البطاقة ومستحقاتها، آثرت روك أونلاين لقاء الرئيسة المشتركة لهيئة الشؤون الاجتماعية والعمل في مقاطعة الجزيرة، زوزان إبراهيم، والتي قالت «إنه قد يكون حصل سوء فهم فيما يتعلق بصلاحية هذه البطاقات التي تم منحها لكل فرد من ذوي الاحتياجات الخاصة في المنطقة، فقد كانت الغاية الأساسية لتوزيعها هي إثبات وجودهم، ومن خلاله تم إحصاء أعدادهم في المنطقة»، مضيفةً أنه «وبالرغم من ضرورة منح راتب شهري لكل معاق إلا أنه لم يتم توزيع البطاقة لهذا الغرض».

ونفت الرئيسة المشتركة إمكانية افتتاح مراكز لذوي الاحتياجات الخاصة في الكثير من مدن المقاطعة في الوقت الحالي، قائلة: «إن هذا المشروع يندرج ضمن مشاريعهم المستقبلية على المدى البعيد، ولكن من الصعب نوعاً ما تحقيقها في وقت قصير لأنها تحتاج لمبالغ مالية كبيرة لا تستطيع الهيئة تأمينها في الوقت الحالي»، مضيفةً أنهم قاموا بالتواصل مع مفوضية اللاجئين بهذا الشأن لدراسة مدى إمكانية مساعدتهم في هذا الموضوع.

مركز بسيط بإمكانيات متواضعة

الفريق الذي يعمل في المركز ساهم في تخلص أحد الأطفال من حالة التوحد لينتقل إلى مدرسة إعدادية وبدأ بالدراسة هناك كباقي الأطفال

إزاء إهمال الإدارة الذاتية والمنظمات الإنسانية لذوي الاحتياجات الخاصة في المنطقة، هناك محاولات محلية للاهتمام بهم فيما قد يعتبر حجر أساس للبدء بمساعدة هذه الفئة.

مركز جودي لذوي الاحتياجات الخاصة هو إحدى تلك المحاولات. افتتح في مدينة ديريك من قبل أحد أبناء المدينة قبل عام ونصف تقريباً، ويستقبل المركز ما يقارب العشرة أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة من مختلف الفئات العمرية.

محمد صديق، مدير مركز جودي، أوضح أنهم يعملون بإمكانات متواضعة وبدون تلقي أي دعم من أي جهة كانت، مضيفاً أن «الفريق الذي يعمل في المركز ساهم في تخلص أحد الأطفال من حالة التوحد لينتقل إلى مدرسة إعدادية وبدأ بالدراسة هناك كباقي الأطفال». كما أكد صديق أنهم ناشدوا عشرات المرات المنظمات وكذلك مؤسسات الإدارة الذاتية لتقديم الدعم للمركز إلا أنهم لم يجدوا أي استجابة منهم.

ويعتقد صديق أنه ثمة مشكلة في إقبال الأهالي على المركز، إذ يشير إلى أن عدداً من العائلات ممن لديهم فرد من ذوي الاحتياجات الخاصة لم يقبلوا تسجيل أطفالهم في المركز «كونه لن يعود عليهم بمقابل مادي! إضافة إلى بعض العائلات ممن يخجلون من أطفالهم لذلك رفضوا تسجيلهم». ولكنه يضيف قائلاً: «بالمقابل كان هناك عدد لا بأس به من الآباء ممن شجعوا وجود هكذا مركز وبادروا إلى تسجيل أطفالهم منذ افتتاحه».

كيف يمكن إيجاد حل بحسب الأخصائيين؟

إنهم بحاجة ماسة للدمج مع المجتمع، وذلك بافتتاح صفوف لهم ضمن المدارس كخطوة أولية

«على الرغم من وجود حالات كثيرة من ذوي الاحتياجات الخاصة إلا أن المجتمع لا يزال يتعامل بشكل غير طبيعي مع هذه الفئة، لذلك فإن كافة فئات المجتمع بحاجة إلى حملات توعوية لمعرفة كيفية التعامل مع هكذا حالات، كون الشخص من هذه الفئة حين خروجه من قوقعته سيحتك وبشكل مباشر مع المجتمع». هذا ما أوضحته الأخصائية في علم النفس، أمورة خالد، والتي أكدت أن أكثر من يحتاج لهكذا حملات هم الوالدان كونهم أكثر من يتعامل عن قرب مع أولادهم من ذوي الاحتياجات الخاصة.

ترى خالد أن هذه الفئة بحاجة لوجود مراكز تخصصية تقوم برعايتهم، وخاصة بالنسبة لمن يعانون من حالات التوحد والتخلف العقلي، وبشرط وجود كادر مختص ومتدرب على التعامل مع هكذا حالات كونها حالات حرجة ولا يستطيع أي كان التعامل معها.

أما بالنسبة للحالات الأخرى مثل ضعف السمع والرؤية وشلل الأطراف، تعتقد الأخصائية في علم النفس «أنهم بحاجة ماسة للدمج مع المجتمع، وذلك بافتتاح صفوف لهم ضمن المدارس كخطوة أولية، وتأتي أهمية هذه الخطوة أنها، ونتيجة التواصل اليومي بينهم وبين الأطفال الآخرين، ستؤدي لاعتياد الأطفال على وجود هكذا فئة بحاجة إلى دعم دائم وتعامل خاص، مما يجعلهم يتعاملون معهم بشكل جيد دون السخرية منهم، ومن جانب آخر تزداد ثقة هذا الطفل بنفسه ولن يشعر بوجود نقص ما في جسمه وسيتخلص من عقدة العجز».

حتى الآن، ليس أمام مئات الأطفال مثل ثائر وأحمد إلا أن يواجهوا مصيرهم لوحدهم، فأهاليهم لا يستطيعون مرافقتهم إلى أبعد من باب المنزل حيث مجتمع غير متسامح لا يكتفي بعدم تقديم الدعم النفسي لهم، بل يسخر منهم ويميز ضدهم ويكرس اختلافهم، ولا يبدو أن الإدارة الذاتية مهتمة سوى بإحصائهم، فيما لم تستطع المنظمات الإغاثية، على كثرتها، أن تلبي احتياجات هذه الفئة، رغم أن وجود ذوي الاحتياجات الخاصة هو مبرر وجود الكثير من تلك المنظمات.

Leave a Reply