مشاركة
عباس علي موسى
كاتب وصحفي مجاز في اللغة العربية من جامعة تشرين، رئيس تحرير مجلة سورمَي القسم العربي، ينشر في المجال الأدبي والصحفي في المجلات والمواقع العربية والكردية، شارك وأنجز مجموعة أبحاث ثقافية واجتماعية.

لعلّ الحديث في قضايا حقوق المرأة ومنها حقّها في الميراث بات اليوم متداولاً أكثر من أي وقت مضى، حيث النشطاء والمعنيون بالشأن العام والمثقفون والسياسيون كلّ يتحدّث بالأمر، لكن على أرض الواقع ثمة تباين؛ فالمرأة لا تزال تُحرم من الميراث وحتى في تلك الأوساط ذاتها، ويبدو الحديث عن حق المرأة في الميراث وكأنّه موضوع غير معقّد ولا صعب التحقيق والمنال، لأنّه بطبيعة الحال، وحين الحديث عنه، يتم استخدام كلمة ‹الحق› في التعبير عنه. إلا أنّ الغبن على المرأة وحرمانها من أحد حقوقها الأساسية (حق الميراث) أمرٌ تلعب فيه العادات الاجتماعية والعشائرية دوراً بارزاً، إذ إنّ ما يدخل ضمن إطار ‹العيب الاجتماعي› يكون محرّماً، حتى وإن ضمنته وكفلته الشرائع والقوانين.

في منطقة الجزيرة، محافظة الحسكة، هناك المسلمون والمسيحيون والإيزيديون، وهناك الكرد والعرب والسريان الآشورييون والأرمن، وهناك العشائر والعوائل، وهناك العادات والتقاليد المختلفة، أو المتقاطعة في مختلف جوانب الحياة، ومع أنّ هناك أموراً مختلفة وأخرى متقاطعة، إلا أنّ ما يخصّ حرمان المرأة من الميراث يشمل قطاعاً واسعاً من المجتمع.

حقّ كفلته التشريعات والقوانين ومنعته العادات والتقاليد

إنّ قانون الأحوال الشخصية السورية يستند على الشريعة الإسلامية فيما يتعلّق بالميراث، لذا فالحديث عن القانون ينسحب في الحديث على الشريعة أيضاً، ومن المعروف أنّ الشريعة الإسلامية قد فصّلت في موضوع المواريث، حيث لكلّ حصته بحسب درجة القرابة، ولعلّ أشهر حالاتها هي في موت الأب، وتقاسم الورثة من الأولاد (للذكر مثل حظ الأنثيين)، كما أنّ قانون الأحوال الشخصية الخاص بمختلف الطوائف المسيحية المعدّل برقم 76 لعام 2011 يكفل للذكر والأنثى حقوقاً متساوية في الميراث في حال وفاة الأب، وكذلك في الديانة الإيزيدية التي تقول بمساواة الجنسين في الميراث، كما أنّ الإدارة الذاتية الديمقراطية (المعلنة في مناطق الجزيرة – كوباني – عفرين) منذ عام 2013 تضمن حقّ المساواة في الميراث بين الجنسين.

أنا لم أكن موافقة ولا حتى أختي الأخرى، لكننا كنا نستحي من قول لا؛ فكيف نقول لا لأخينا الأكبر؟

لاشكّ أنّ العادات والتقاليد الاجتماعية لها أثر كبير يتجاوز حتى القوانين والشرائع، فتقول سلمى إبراهيم، مجازة في الشريعة الإسلامية (كلية أصول الدين والدراسات الإسلامية – جامعة دمشق) لـ روك أونلاين: «النصوص الدينية صريحة فيما يتعلّق بحق المرأة في الميراث، حتى وإن كانت حصتها أقلّ من الرجل في حالات معيّنة، إلا أنّ ما يمنع هذا الحقّ هو العرف والحياء الاجتماعي».

لكن ما يؤصّل لهذه الحالة ويبرّرها هو عدم مطالبة المرأة بحقّها، ما يسمح للرجل بالاستمرار بحرمان المرأة من ميراثها، والذي يحدث غالباً بصمت، حيث يُقدِم الأخوة على الطلب من النساء في العائلة التنازل عن حقوقهنّ في الميراث، فيقُمن بالتوقيع على التنازل سواء كنّ يعلمنَ بالأمر، تحت مسمّى ›الحياء الاجتماعي›، أو لا يعلمون بالأمر. تقول سميرة (امرأة خمسينية من مدينة قامشلي): «لقد أقدم أخي بعد وفاة والدي، وقبل انقضاء أربعينيته حتى، على طلب التنازل من أختي الكبرى، وبصَمت أختي على الأوراق دون أن تعرف ما هي، وقد علمنا أنّه أخبرها أن عليها أن تبصُم على أوراق وفاة الوالد، وعندما جاء إليّ وإلى أختي طلب إلينا أن نبصُم كذلك، لكننا سألناه عن الأوراق فأجابنا بأنّها أوراق للتنازل عن حصصنا كونه الأخ الأكبر في العائلة كونه بمثابة الوالد وسيكفلنا إن ناب الزمان، أنا لم أكن موافقة ولا حتى أختي الأخرى، لكننا كنا نستحي من قول لا؛ فكيف نقول لا لأخينا الأكبر؟»

وعن حالات مماثلة التقينا بالمحامي عبد الله الجزّاع، والذي سبق وأن مرّت عليه قضايا مشابِهة كثيرة، ويقول بهذا الصدد: «هناك إكراه معنوي لجعل المرأة تتنازل عن حقّها في الميراث وخاصة لصالح الأخوة»، ويؤكّد الجزّاع أنّ هناك الكثير من الطرق التي يلجأ إليها الأخوة لجعل التنازل من قبل الأخوات ممكناً ومنها مثلاً أن يقوم بتوقيعهنّ على أوراق بيع لحصصهن بدون علمهنّ، حيث يقمن بالتوقيع عليها على أنّها أوراق لأمور وقضايا أخرى، ولجهل النساء في مجمعاتنا بالقضايا القانونية فهنّ يقمن بالتوقيع على أي شيء».

إنّ الحالة الاجتماعية وتماسك العائلة واعتبار الأخ الأكبر بمثابة الأب في العرف الاجتماعي يقنع المزيد من النساء بالتخلي عن حقوقهن، وكذلك ارتباط المرأة اقتصادياً بالرجل، فهي مكفولة المعيشة في منزل أهلها وبعدها في منزل زوجها، لذا فهي تخاف دوماً من فقد المعيل أو الكفيل لها في الحياة. وفي هذا الإطار تقول فيان ملا (ناشطة المدنية): «الاستقلال الاقتصادي يمنح المرأة الجرأة للمطالبة بحقوقها بشكل أكبر، فمشكلتنا الأساسية تكمن في المطالبة بالحقوق، ومنها المطالبة بالميراث».

شيوخ الطرق الصوفية في الجزيرة لا يمنحون الميراث إلى نسائهم، وهناك أمثلة غير بعيدة وحيّة في هذا الإطار

فالمطالبة بالحقّ في الميراث أو حتى غيره من الحقوق يحتاج ثقافة معيّنة تغيب عن المجتمع، إذ لم تتعلّم المرأة في مجتمع الجزيرة المثول أمام المحاكم والمطالبة بحقوقها، وذلك أنّ الموضوع كان على هوى رجالات الدين ورجالات المجتمع كونه يمنحهم المزيد من المكاسب على حساب المرأة، وتقول سلمى إبراهيم: «المطالبة بالحقّ واجبٌ في الدين، حتى وإن حصل بعدها قطع لصلة القربى على خلفية المطالبة بحقها في الميراث».

وتعزي إبراهيم الأمر إلى العقلية الذكورية، حيث أنّها تصرفات لادينية بل اجتماعية، وإلا فما الذي يمنع رجال الدين من التركيز على حق المرأة في الميراث في حين يركّزون على أمور أقلّ أهمية ومن النوافل في الدين كواجب طاعة الزوجة للزوج وما إلى ذلك سواء في خطب الجمعة أو في مجالس العزاء؟

من المعروف أنّ لرجال الدين وشيوخ الطرق الصوفية تأثيراً على المجتمع، وأنّ مطالباتهم ستكون ذات تأثير إذا ما تم التركيز عليها، لكنّ الأمر عائد إلى رغبتهم في تحريك هذا الملف المسكوت عنه في الغالب، وقد صرّح أحد الأئمة لـ روك أونلاين، رفض الكشف عن اسمه: «تبيّن لنا أنّ شيوخ الطرق الصوفية في الجزيرة لا يمنحون الميراث إلى نسائهم، وهناك أمثلة غير بعيدة وحيّة في هذا الإطار، حيث يتم التعامل مع الموضوع معاملة اجتماعية، فيتم التنازل عن حقوق الميراث من قبل النساء لأخوتهم، وكذلك الأمر بالنسبة لكثير من أئمة الجوامع».

حق المرأة في الميراث والمؤسسات المدنية

 منذ أكثر من خمس سنوات تنشط في منطقة الجزيرة منظمات المجتمع المدني في اختصاصات توعوية مختلفة، وهي تقدّر بالعشرات (إذا ما استبعدنا المنظمات والجمعيات الإغاثية)، وتحمل على كاهلها مهمّة توعية المجتمع في المجالات المختلفة ودعم قضايا الحشد والمناصرة فيما يتعلّق بالحقوق العامة ومنها حق المرأة في مختلف القضايا، من بينها حقّها في الميراث، ومع أنّ الخبرة العملية لهذه المنظمات لا تتجاوز خمس سنوات فإنّها ليست ذات زخم كبير ولا تغطي هذه المناحي، فهناك من هذه المنظمات – التي تجد في برامجها دعم قضايا المرأة – من لم يعمل بالمطلق على قضية حرمان المرأة في الميراث على الرغم من كونها قضية ملحّة.

قام أحدهم بتخصيص خطبة الجمعة للحديث عن الميراث في الشريعة، وقد قال بعض الرجال بعد الخطبة بأنّهم سيمنحون الميراث لأخواتهنّ

حلقة نساء السلام في عامودا (شبكة أنا هي)، هي منظمة نسائية قامت بحملة في الدعوة إلى ميراث المرأة بعنوان «ميراثك حقّك» وقد ضمت الحملة حلقات نقاش بحضور رجال دين ووجوه اجتماعية وقانونيين، وغرافيتي على مداخل مدينة عامودا، ولوحات فيليكس تم تعليقها في محلات وأماكن عامة، وبروشور توعوي، ومحاضرة قانونية حقوقية، وعن الحملة تقول شيرين قجو (ناشطة مدنية وعضو في حلقة نساء السلام): «طبعاً كان للحملة أثر، فبالتنسيق مع رجال الدين، قام أحدهم بتخصيص خطبة الجمعة للحديث عن الميراث في الشريعة، وقد قال بعض الرجال بعد الخطبة بأنّهم سيمنحون الميراث لأخواتهم، كذلك حدثت حوادث مشابهة، فقد منحت بعض العائلات الميراث للمرأة بعد الحملة».

إلا أنّ الأمر ليس بتلك السهولة، فكما أنّ هناك بعض التفاعل مع الحملة من قبل شرائح، يمكن اعتبارها صغيرة، هناك أيضاً من أبدى امتعاضه من الحملة، وهناك من أقدم على خطوات من شأنها حرمان المرأة من الميراث كلياً في عائلاتها، فتكمل قجو قائلة: «في المقابل وجدنا بعض التذمر من بعضهم حول إثارة الموضوع وذلك لأنهم لم يكونوا ينوون منح الميراث للنساء في عائلاتهم، وهناك حالة واحدة قالت فيها إحدى النساء أنّها ستطالب بحقها بشرط أن نقف إلى جانبها، وبالفعل فقد جمعنا بعض وجوه المدينة وعقدنا العزم على ذلك، لكن للأسف قام أخوتها ببيع الحصص لئلا يتسنى لها المطالبة بأي شيء».

يريدونني خادمة لديهم أربّي لهم أولادهم، أنا أريد حصّتي لأشتري بها بيتاً يسترني

في تقريرها السنويّ فإنّ منظمة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة، والتي وثّقت لحالات العنف المُمارس على المرأة في مجتمعات الجزيرة وكوباني وعفرين، أعلنت عن  46 حالة تم توثيقها من حالات تحصيل الميراث بعد رفع الدعاوى في محاكم ودور الشعب في الإدارة الذاتية في الجزيرة، ولا يمكن الجزم بأنّ هذا الرقم إيجابي أو سلبيّ من جهة تحصيل حقّ الميراث، وذلك في ظلّ غياب دراسات وإحصاءات عن حجم الدعاوى في كلّ سنة في مجمل المحاكم، وخاصة في ظلّ وجود جهتين للبت في القضايا وهي دور ومحاكم الشعب في الإدارة الذاتية ومحاكم ودور القضاء الرسمية، فهناك قضايا تستمرّ لسنوات دون أن تكون هناك نتائج ملموسة فيها.

وفي مثال مهدية (وهي امرأة في العقد الأربعين من عمرها، تعيش في أطراف مدينة قامشلي) تقول أنّها وبعد وفات زوجها طالبت أخوتها بحقّها في الميراث كونها وحيدة، إلا أنّ الأخوة رفضوا بحجة العيب الاجتماعي وأنّها يجب أن تعيش مع أحد الأخوة «يريدونني خادمة لديهم أربّي لهم أولادهم، أنا أريد حصّتي لأشتري بها بيتاً يسترني» وقد دفعها رفض الأخوة إلى تقديم شكوى وتوكيل محام ورفع دعوى ضدّ أخوتها، إلا أنّها وبعد أكثر من سنتين لم تنتهي من الدعوى ولا يبدو أنّ هناك شيئاً واضحاً في الأفق.

هذا وتعتبر الناشطة المدنية والناطقة الرسمية بمنظمة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة، نورا خليل: «أنّ حرمان المرأة من الميراث يعدّ نوعاً من أنواع العنف الممارس ضدّ المرأة ويندرج ضمن العنف الاقتصادي والاجتماعي».

ضمن مشروعها «متشاركون»، قامت منظمة شار للتنمية بالعديد من الأنشطة في مواضيع المناصرة لقضايا المرأة، وكان منها قضية حق المرأة في الميراث التي عملت عليها المنظمة في مدينة درباسية، وعن المشروع تقول روجين حبو، الحقوقية ومديرة مشروع متشاركون في المنظّمة، «إنّ الحماس كان كبيراً لتناول هذه القضية في مدينة درباسية، وتم الاتفاق مع المشاركين على إقامة حملات بهذا الصدد» وتعزي ذلك إلى كون مدينة درباسية ذات صبغة عشائرية يؤدّي حرمان العائلات الكبيرة في العشيرة للمرأة إلى حرمان بقية العائلات أيضاً تحت مسمى عرف العشيرة.

ما يؤخذ على المنظمات المدنية هو عدم الاستمرار والضغط في اتجاه واحد، فعادة ما تكون هذه الحملات ذات توقيت لا يتجاوز الثلاثة أشهر كحد أقصى

أما عامر مراد، المنسق في اللجنة الكردية للدفاع عن المعنّفات، فيقول إنّهم قاموا بعدة أنشطة في هذا المجال ومنها جلسات نقاش حضرها رجال دين وناشطون وناشطات في المجال المدني والحقوقي، وقاموا كذلك بأخذ تصاريح ورسائل إيجابية في هذا الإطار من أئمة الجوامع ونشرها في مواقع التواصل الاجتماعي وعلى أثير الإذاعة.

لكن ما يؤخذ على المنظمات المدنية هو عدم الاستمرار والضغط في اتجاه واحد، فعادة ما تكون هذه الحملات ذات توقيت لا يتجاوز الثلاثة أشهر كحد أقصى، وتقوم بها المنظمات منفردة أو بتشبيك ضعيف في الغالب، ما يمنعها من أن تكون ذات ضغط حقيقي وفاعل أكثر مما هي عليه في قضايا الشأن العام وقضايا المرأة، وبخاصة في موضوع حق الميراث، كون الفرصة سانحة، كما يرى الكثيرون، لتعمل المنظمات المدنية في الضغط ومناصرة قضايا حق الميراث أو قضايا مشابهة بحيث تكون ذات أثر فعلي وبخاصة في ظلّ كون قضية حق المرأة في الميراث بالذات مما يدعمها القانون وتثبتها الشرائع، والفرصة مواتية لعمل المنظمات في هذه الإطارات.

الإدارة الذاتية وحقوق المرأة

الإدارة الذاتية تقول بالمساواة بين المرأة والرجل في شتى المجالات الإدارية، وتتكون جلّ هيئاتها ومؤسساتها من رئاسة مشتركة يتقاسمها الرجل والمرأة، إضافة إلى إنشاء هيئة خاصة بالمرأة باسم (هيئة المرأة في مقاطعة الجزيرة)، وقد أصدرت هذه الهيئة (المبادئ الأساسية والأحكام الخاصة بالمرأة) تحت الرقم 9 بتاريخ 22/10/2014، بعد أن صادق عليها المجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية، وتضم هذه الوثيقة أحكاماً عامة ومبادئ أساسية بعضها مُلزِم وبعضها أخلاقي غير مُلزِم، وفيما يتعلّق بموضوع حق المرأة في الميراث فقد ورد في البند الثاني ما نصّه «المساواة بين الرجل والمرأة في كافة مجالات الحياة»، وكذلك في البند الخامس عشر ما نصّه «المساواة بين الرجل والمرأة في كافة المسائل الإرثية، ويُنظّم ذلك وفق قانون خاص بالمسائل الإرثية».

إذا جاء أحدهم بقضيته الإرثية إلينا – في المؤسسة الدينية في غرب كردستان – فسنحكم له بما حكم الإسلام ووفقه، أما إذا ذهب إلى الإدارة الذاتية فسيحكمون بقوانينهم الوضعية

وعن ذلك تقول أمينة عمر رئيسة هيئة المرأة: «في العام 2014 أصدرنا في هيئة المرأة «المبادئ الأساسية والأحكام الخاصة بالمرأة» وذلك بعد مجموعة نقاشات مع المنظمات والمؤسسات المعنية بالمرأة وحضور شخصيات نسائية وناشطات مدنيات وتم الاتفاق على مسوّدة أساسية لهذه الوثيقة تم التصديق عليها من قبل المجلس التشريعي».

إلا أنّ الوثيقة الصادرة منذ العام 2014 والتي تنصّ على أن يُنظّم في المسائل الإرثية قانون خاص بما يضمن للمرأة حقّ المساواة، لم يعقبها هذا القانون على الرغم من مرور ثلاث سنوات على التصديق على الوثيقة.

ويُعدّ هذا القرار من جهة أخرى مخالفاً لقانون الأحوال الشخصية السوريّ، فيما يعتبره البعض مخالفاً لأحكام الشريعة الإسلامية، وعن هذه النقطة يحدّثنا الملا محمد غرزي، مسؤول المؤسسة الدينية في غرب كردستان والتي تتبع الإدارة الذاتية وتعتبر من مؤسساتها، «إذا جاء أحدهم بقضيته الإرثية إلينا – في المؤسسة الدينية في غرب كردستان – فسنحكم له بما حكم الإسلام ووفقه، أما إذا ذهب إلى الإدارة الذاتية فسيحكمون بقوانينهم الوضعية»، ويقول غرزي إنّ قضية مخالفة هذا القرار لمنظور الإسلام في الميراث وأحكامه «غالباً ما تُثار لأغراض سياسية للنيل من الإدارة الذاتية».

المسيحيون والإيزيديون و «حق المرأة في الميراث»

يعيش المسيحيون (سريان آشوريين وأرمن) في مختلف مدن الجزيرة بمختلف طوائفهم الدينية، وقد كانوا حتى قبل العام 2006 يتعاملون مع قضايا الميراث بحسب قانون الأحوال الشخصية السوري المعمول به وهو المرسوم التشريعي رقم 59 تاريخ 7/9/1953، والذي يستند في تشريعاته فيما يخص الميراث على الشريعة الإسلامية، إلا أنّ مراسيم وقرارات صدرت منذ العام 2006 وتعديلاتها وكان آخرها المرسوم التشريعي رقم 76 لعام 2010، نصّت على أن يتم التعامل مع المسيحيين فيما يتعلّق بقضايا الميراث مع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين وذلك كما يؤكّده المحامي زهير قرياقص، حيث أنّ كل طائفة تقوم بحصر الإرث في المحاكم الروحية الخاصة بكلّ طائفة.

على الرغم من غياب ما يسنِد حرمان حق المرأة في الميراث في النصوص الدينية إلا أنّ التجاوزات تتم بحقّها

يُعدّ المجتمع المسيحي، إذا ما قورن بالمجتمعات الأخرى والتي تعيش في الجزيرة كالكرد والعرب أكثر تسامحاً مع المرأة فيما يخصّ منحها لحقّها في الميراث، وهذا ما يقوله ويؤكّده الناشط مدني، مردوخ حنا: «بالنسبة لحق المرأة في الميراث ضمن المجتمع المسيحي (سريان – آشوريين – أرمن) في منطقة الجزيرة، فلا تمنع المرأة من حقّها بالميراث، بل تأخذ حصة مثلها مثل الرجل».

إلا أنّ ذلك لا يمنع من وجود حالات تُحرم فيها المرأة من الميراث بطريق الإكراه المعنوي وهو ما حصل مع مريم (38 عاما، تعيش في مدينة قامشلي)، حيث أنّها اضطرت إلى التنازل لأخيها مع أنّه يعيش في الخارج. ويصف حنّا مثل هذه الحالات بـ «القليلة أو الفردية».

وعن الإيزيديين يمكن وصف حال المرأة بالغبن أيضاً فيما يخصّ حقّها في الميراث، حالها في ذلك كحال الكرد والعرب من المسلمين، حيث أنّها وبحكم العرف والعادات الاجتماعية تُحرم من الميراث. وعن ذلك يقول الناشط والصحفي جابر جندو: «كدين إيزيدي، المرأة والرجل متساوون في كل شيء في الحياة، أما مجتمعياً فتأثروا بعادات المجتمعات الأخرى التي تعيش معها»، ويتابع جندو «أنّه وعلى الرغم من غياب ما يسنِد حرمان حق المرأة في الميراث في النصوص الدينية إلا أنّ التجاوزات تتم بحقّها».

ليس هناك قوانين خاصة بما يخصّ أتباع الديانة الإيزيدية في المواريث في السابق في قانون الأحوال الشخصية السوريّ 53 ولا المعدّل 76، وكان يتم التعامل معهم حتى بعد تعديلات المرسوم 76 للعام 2011 كالمسلمين في المحاكم، وذلك أنّ هذا المرسوم جاء خاصاً بالمسيحيين واليهود، أي الديانات السماوية، أمّا في قوانين الإدارة الذاتية فيُنظر إلى الإيزيديين كغيرهم من الأديان والطوائف بقانون مدني غير مستند على الدين.

«حرمان المرأة من الميراث» أم «حقّها في الميراث»

ربّما تكون القضايا المرتبطة بالمرأة من أكثر القضايا نقاشاً لكن دوماً في إطار نظري، إذ أنّ الحقوقيين والمثقفين والسياسيين والنشطاء والمعنيين بالشأن العام يتناولون هذه القضايا بكثرة، إلا أنّها قليلاً ما تكون مشفوعة بقناعات عملية، فعن السياسيين تقول الناشطة المدنية فيان ملا: «السياسيون دوماً ما يتكلّمون عن حق المرأة في جميع مفاصل الحياة، وتحيي الأحزاب السياسية أعياد المرأة إلا أنّها غير مقرونة بما يساندها في الواقع».

يبقى أن نقول بـ حرمان المرأة من الميراث، وذلك لتُدرج في خانة الانتهاكات بحقّها وتصنّف كعنف مُمنهج ضدّها، هذا من جانب، وأن نقول بـ حقّها في الميراث للمطالبة به كإحدى القضايا الحقوقية المحقّة التي تكفلها القوانين والشرائع وتمنعها العادات والتقاليد تحت مسميات ‹العيب الاجتماعي› وتقاليد المجتمع، وعن طريق الإكراه المعنوي أو الإكراه المباشر.

1 تعليق

  1. شكرا استاذ عباس لطرحك قضية هي من أهم القضايا في مجتمنا وبرأيي المرأة هيي السبب الرئيسي لحرمانها من حقها حيث أنها دائما تشعر بالخوف والخجل من المطالبة بحقها .

Leave a Reply