الرئيسية رأي القرتجي والكريف سَدَنة الفلكلور الكردي

القرتجي والكريف سَدَنة الفلكلور الكردي

حسين جمو
كاتب كردي من سوريا متخصص بالشؤون الكردية في الشرق الأوسط، له العديد من المقالات في المواقع والصحف الكردية والعربية، كما نشر عدة أبحاث حول القضية الكردية في تركيا وسوريا
مشاركة

يتحدث عزيز جفيك في وثائقي على قناة TRT 6 عن أصل عشيرته (دومي). تحمل سيرة نشأة العشيرة مسحة سوريالية، إذْ تجمع بين أحداثٍ متباعدةٍ في قصة واحدة: حرب بكر وتغلب، وبردويل الصليبي، وأبو زيد الهلالي. كانت نبرة كلام عزيز، وهو من أبناء عشيرة دومي، تحمل إحباطاً عميقاً ويأساً كبيراً من النظرة الدونية التي تلاحقهم من محيطهم الكردي. ولن يكون مفاجئاً إذا ما تحول هذا اليأس إلى نقمة وحقد اجتماعي له حوامله وتصاريفه.

يشدد عزيز على الأصل العربي النبيل لعشيرته، ويسرد قصة خيالية موظفة دينياً، ولا بد أن مصدرها أحد رجالات شيوخ الإسلام في العهد العثماني، حيث هناك إجماع من أبناء العشيرة أن مهنة العزف والرقص دخيلة عليهم، وكانت نتيجة مؤامرة من رجل إيزيدي ادعى أنه شيخ مسلم ويريد تعليم الأولاد الدين الصحيح. فأخذ الإيزيدي الأولاد إلى كهف جبلي بدلاً من ‹الأراضي المقدسة›. وفي الكهف علّمهم على مدى سنوات كافة فنون العزف والموسيقا والرقص!

في شمال كردستان يقال لهم ‹دومي› و‹قلاتجي›. في دهوك ‹قرج›. في روجآفا لهم أسماء عديدة بمضمون واحد: ‹قرتجي› و‹مِرْطِب› في سهل ماردين، و‹كوَنده› في سهل سروج ومناطق الشهباء، و‹كريف› في عفرين.

وتختزن الذاكرة الشعبية الكردية عشرات القصص والأمثال المخالفة للتطور الاجتماعي الطبيعي فتنفي إمكانية تغير هذه الشريحة وأنها لا تستحق ‹الارتقاء›، من أشهرها المثل العنصري: «qereçî nabin xatûn» – (الغجرية لا تصبح أميرة) وهو مثَل مكرس لتحذير الشباب من الوقوع في حب إحدى فتيات هذه الفئة الاجتماعية. وأمثال أخرى تنفي إمكانية تخلي الغجرية عن طباعها، كتلك القصة التي تزعم أن الغجرية تصنع عالمها الخاص في قصر الأمير الذي تزوجته، وتمثّل دور الشحّادة.

عادة لا يتم التطرق إلى مثل هذه الموضوعات في النقاشات العامة العلنية، لكنها متداولة بشدة في الجلسات الشفهية، يتوارثها جيل عن جيل. لا حاجة للإسهاب في شرح أن ظاهرة الغجر منتشرة في كل أنحاء العالم، والبحث عن أصول بعيدة لهم. الشريحة المذكورة أعلاه بأسمائها المختلفة تقيم منذ مئات السنين بجوار العشائر الكردية، وأخذت لهجاتها وباتت مكوناً اجتماعياً لا غنى عنه، ولا يستحق هذا العزل القاسي.

لا يتطرق فريدريتش أنجلز في كتابه «أصل العائلة» إلى تكون الغجر بشكل مباشر، لكن من خلاله يمكن فهم هذه الظاهرة الاجتماعية وتفسيرها وتفهمها أيضاً. فنمط الإنتاج الخاص لهؤلاء يعود إلى فترة التقسيم الجماعي للعمل في طور البربرية العليا حين اختصت عشائر وتجمعات بشرية بنمط معين من المهن تفككت تدريجياً مع تطور عصر الحضارة، فيما بقيت فئات متمردة على الاندماج، وبقيت مواظبة على نمطها المعيشي القديم بذات العقلية. بمعنى أن هناك فرضية يمكن البناء عليها لإعادة أصل الظاهرة إلى عوامل اقتصادية لكنها فقدت، حالياً، تكاملها مع التقسيم السابق للعمل بين التجمعات السكانية المتجاورة.

قبل تناول أهمية دمج هذه الفئة في المجتمع ورفع الحصار الاجتماعي عنها، لا بد من توضيح بعض المظاهر التي تثير حفيظة جيران عشائر القرتجي، وأولها المهن التي تختص بها. من بين جميع ‹وسائل الإنتاج الاجتماعي› فإن ظاهرة التسول تراجعت إلى حد كبير، وما تبقى يمكن خلال سنوات العمل على إنهائها عبر فتح المجالات المحظورة للعمل أمام أبناء الغجر الكرد. أما باقي المهن، من صنع الغرابيل الزراعية والمكانس وحشو وقلع الأسنان والعزف في حفلات الأعراس وصنع الآلات الموسيقية، جميعها مهن حرفية وفنية لها مكانتها، وأحياناً يؤدي فقدانها إلى مشكلة لـ‹الطبقات النبيلة›. نورد هنا بعض النماذج المختلفة للدور الوظيفي الحيوي لهذه الفئة في الحياة الاجتماعية:

اعتمد أهالي بلدة كفرصغير شمالي حلب على كَوَنده اسمه علي مع ثلاثة آخرين من أبنائه وأقاربه في كافة حفلات الأعراس. الملاحظ أنه لم تكن النظرة إلى علي كَوَنده دونية. كان يجالس وجهاء البلدة، وهو نفسه كان من كبار الـ كَوَنده المقيمين في إحدى ضواحي حلب. ترتبط الذاكرة الفلكلورية للبلدة بفرقة علي كَوَنده. من العادات المهيبة في الأعراس أنه في يوم الزفاف كان يدور مع فرقته على القرية ويدخل بيوتها بيتاً بيتاً مع الطبل والمزمار كدعوة إضافية بضرورة المشاركة في الحفل. ثم ترافق الفرقة الصغيرة خروج العروس من بيت والدها إلى بيت آخر ‹محايد› تجري فيه مراسيم رفع الغطاء عن وجه العروس بعد نثر السكاكر والشوكولا على رأسها ثم الانتقال إلى ساحة الحفل الرئيسية. في السنوات الأخيرة كانت مهمة الفرقة تنتهي مع غروب الشمس، أي مع مجيء مطرب الحفل مع فرقته الخاصة.

نورد هذا المثال لنقيس ما فقدناه بعد رحيل علي كَوَنده. انحدرت الطقوس الفلكلورية شيئاً فشيئاً. وفي إحدى المرات بعد وفاة علي كَوَنده، انشغل ابنه بحفلة أخرى خارج القرية، ولم يتمكن من الحضور. وصادف أن فرقة بلدة أحرص كانت هي الأخرى منشغلة. تم اللجوء إلى طريقة عصرية ‹ساذجة› وفق منطق المجتمعات الزراعية، وهو وضع كاسيت في مسجلة والرقص على أنغامها. وحين لم يكن هذا ‹التطور› بالمستوى المطلوب، تطوع شاب من ‹الطبقة النبيلة› ليؤدي مهمة الطبّال وينهي مشكلة ‹المياعة المدنية› في الرقص على أنغام كاسيت. بالنتيجة، الكثير من العادات الفلكلورية اندثرت على مستوى قرية بسبب عدم تمكنها من إيجاد بديل للثروة الفلكلورية علي كَوَنده.

في عفرين تعد فئة الكريف هي المعادل العفريني لقرتجي وكَوَنده. وما زالت تؤدي دوراً مهماً في حفظ الفلكلور والأغاني الشعبية. لكن هذه الفئة لا تلقى احتراماً حين تنهي مهمتها. هناك استثناء واحد شهير حاول الترويج لنظرة إيجابية لهؤلاء. ففي إحدى الأعراس دخل كبير الكريف إلى المنزل الذي يجلس فيه ضيوف الحفل، فقام رجل واحد من مكانه لمصافحته وقوفاً، فيما بقي الآخرون في أماكنهم دون حركة مكتفين بمد أياديهم في وضعية الجلوس. بعد مغادرة الكريف سأل أحد الحاضرين مستنكراً: كيف تقف للكريف؟ أجابه: لولاهم لما كان لديك فلكلور باقٍ إلى اليوم!

المفارقة أن الكثير من آغوات مطلع القرن العشرين اعتادوا على استمالة المغنين الشعبيين، وكثيرهم من شريحة القرتجي، لكي يؤلفوا أغانٍ عن قصص مصطنعة تتحدث عن ملحمة عشق خاصة بالآغا، غالباً لا أصل لها، ليرددها في الأعراس والمضافات التي يغني فيها. وفي حال تجاوزنا قليلاً فئة الكريف والقرتجي، فإن المغنين الشعبيين من خارج هذه الفئة واجهوا نظرات ازدراء اجتماعية مشابهة، ربما باستثناء جميل هورو في عفرين، وبناء عليه يمكن القول إن كل مغنٍ أو مغنية كان تجسيداً لقصة تمرد اجتماعي.

وتختلف درجة أهمية شريحة القرتجي بحسب حمولة المنطقة من التراث، ففي منطقة الجزيرة التي تتميز عادة بالرقصات ذات الإيقاع السريع يمكن للآلات الموسيقية أن تقوم بدور كامل، رغم أن هذه المنطقة تتجه إلى فقدان الفلكلور الذي يسبق الحفلة المسائية الرئيسية. في منطقة مثل عفرين فإن غياب الكريف يعني تعطيلاً لجزء كبير من المظاهر الفلكلورية. ويمكن ملاحظة الأمر في الحفلات المقامة خارج روجآفا، حيث يكون الاعتماد بشكل كامل على الآلات الموسيقية، خصوصاً الأورغ، لكن تبقى قدرة العازف محدودة جداً في مجاراة أنواع الدبكات. إذْ ينقص الحفل أولئك المهرة، أمناء الفلكلور، الكريف والكَوَنده والقرتجي.

في بعض الدول التي شهدت نقلات حادة في التطور الاقتصادي والاجتماعي، اندثرت الشريحة الحاملة للفلكلور، وباتت هذه الدول مضطرة لـ«استئجار» أناس من الخارج لتمثيلها تراثياً!

إن تطور الحياة السياسية في أجزاء كردستان كفيل بدمج الفئات المعزولة والمحتقرة في المجتمع، خصوصاً إذا تم اعتماد تجربة الانتخابات الديمقراطية في الحياة السياسية، فإن صوت القرتجي يساوي صوت سليل الآغا. وكلما كانت البنى السياسية تقليدية كلما واجهت المجتمعات المحلية استمرار الفرز الاجتماعي العنصري. خلال السنوات الماضية شكلت المؤسسة العسكرية الكردية في جنوب وغرب كردستان مدخلاً آخر لدمج هذه الشريحة من منطلق الحاجة إلى المقاتلين بالنسبة للمؤسسة العسكرية، فيما يؤدي الطرف الآخر واجبه في الدفاع أولاً ونيل الاحترام في الوقت نفسه. وفي شمال كردستان انفتح حزب الشعوب الديمقراطي على القلاتجيين ضمن سياسة الحزب الاستيعابية في تمثيلها «شعوب كردستان»، وهناك تكمن دلالة كلمة «الشعوب» في اسم الحزب، بما فيه العرب بتصنيفاتهم المتعددة والمحلمية والسريان والآذريين والتركمان من القاطنين في ولايات كردستان الشمالية.

في سياقٍ سياسيٍ تعريفي، القومية الكردية ليست ‹سلالية›، فلا حاجة لاختراع أنساب موغلة في القدم تنتهي إلى زرداشت أو جبل سنجار. يكفي قرار الانتماء الحر إلى الكردية ولغتها ليجعل من غير الكردي، سلالياً، فرداً من أبناء هذا الشعب، وإلا لتوجب إقصاء مئات الآغوات وشيوخ العشائر ممن ينتسبون – أو ينسبون أنفسهم- إلى البيت الهاشمي، ومنهم كثير من قادة الثورات الكردية.

إن هذا الطرح برفع ‹القيل والقال› الاجتماعي عن الغجر الناطقين بالكردية ليس فقط من باب حقوقي محتوم، بل من باب سياسي أيضاً. فالمكونات الاجتماعية للقومية الكردية حين تفرز تصنيفات طبقية وتعزل فئات اجتماعية بنزعة فوقية اجتماعية تكرس نموذج «القومية البدائية». ويكمن التدرج الطبقي العشائري الموهوم في صلب التعريف السياسي لـ«القومية البدائية». والأمر لا يقتصر على القرتجي فقط، بل ما زالت النزعة الفوقية تحاصر العديد من المنحدرين من العشائر الصغيرة المحتقرة التي يتم دفعها دفعاً خارج الدائرة القومية لولا الوعي النسبي للأحزاب التي، رغم عطالة الكثير منها سياسياً، تبقى أكثر تقدمية من ذهنيات اجتماعية متعالية ربما تحن إلى عصور الإقطاع ولا تجد إلى ذلك سبيلاً.

1 تعليق

  1. القرج هم غير مرطب….القرج على الاغلب من الهند، اما المرطب فهم ربما من الكرد او على الاغلب، بين ابناء عشيرتنا ) كوجر ميران) … من مرطب لهم كل الاحترام، فهم كرد في كل شيء بل ان قال احدهم بانه ميراني هذا لا يشكل مسكلة ابدا….

Leave a Reply