الرئيسية رأي خطاب الكراهية بين العرب والكرد ترويج لـ ‹داعش›

خطاب الكراهية بين العرب والكرد ترويج لـ ‹داعش›

غولاي ظاظا
صحافية كردية من سوريا، تعنى بالوضع الإنساني وبتداعيات سيطرة داعش على الحياة الاجتماعية للسكان. تكتب مقالات اجتماعية وسياسية، وتنشر في عدد من الصحف والمجلات والمواقع العربية.
مشاركة

ينتشر بشكل شبه يومي سيل من الشتائم المتبادلة بين عرب وأكراد على وسائل التواصل الاجتماعي منذ سنوات. بات هناك تراث من خطاب الكراهية على عدة مستويات، والأخطر أنه بات يرتقي هذا الخطاب ليجد طريقه إلى وسائل الإعلام ولم تعد تقتصر فقط على الحسابات الشخصية على الفيسبوك وتويتر. والأخطر من ذلك أن تنظيم داعش يعد المستفيد الأكبر من هذا الوضع.

وشكل حدثان مفصليان انفلات خطاب الكراهية لدى شريحة كبيرة، الأول غزو تنظيم ‹داعش› لمدينة كوباني وظهور مشاعر التشفي بدمار المدينة من أشخاص محسوبين على المعارضة السورية، والثاني طرد وحدات حماية الشعب تنظيم ‹داعش› من مدينة تل أبيض، وانطلاق حملة ممنهجة قادها ناشطون من المعارضة وترتكز على إشاعة خطاب يروج لتعرض العرب إلى إبادة جماعية وتطهير عرقي على أيدي وحدات حماية الشعب. وجاء تأييد منظمات حقوقية دولية لمزاعم التهجير القسري ليعطي هذا الخطاب مبرراً للتحريض على حرب مضادة تقاطعت في بعض الأحيان مع خطاب داعش.

مظاهر الكراهية

هذا الحدثان أطلقا العنان لسيل هائل من الاتهامات المتبادلة والتي لم تهدأ حتى اليوم، وتسببت في رفع مظاهر الكراهية. وفي العديد من الحالات تمت ملاحظة حالة تقاطع مصلحي صامت بين مروجي خطاب الكراهية من الناشطين وبين أهداف تنظيم داعش فيما يخص محاولاته التمدد إلى البلدات والمدن ذات الغالبية الكردية. هذا الموقف بدوره شكل شرارة لخطاب كردي مضاد ارتكز على النظر إلى داعش والمعارضة كعدو واحد لا فرق بينهما، وبات أي انتصار كردي على داعش يُفسّر ضمنياً بأنه انتصار على المعارضة الممثلة بالائتلاف الوطني. كذلك كان للخطاب المروج لأسماء كردية على بلدات عربية نصيباً في رفع منسوب التراشق الإعلامي.

هكذا أصبحنا أمام حالة تتفاقم شيئاً فشيئاً، فالكرد الممثلون في الإدارة الذاتية بات يطلق عليهم الانفصاليون، ووحدات حماية الشعب ميليشيات انفصالية. وراجت خطابات أخرى أكثر حدة تعتبر الكرد مجموعات مهاجرة استقرت منذ فترة قريبة في سوريا. بمعنى تم التسويق لخطاب يشكك في أصالة الكرد بمناطقهم، وهذا التسويق كان متطوراً أكثر من خطابات التحريض الأخرى، وروج له أكاديميون وكتّاب عبر مقالات وأبحاث تجلب أدلة لفرضية أن الكرد شعب مستوطن على أرض عربية. وما يراد قوله من وراء هذا الخطاب أنه لا حق للكرد المطالبة بحقوق قومية، وأن العرب لهم الحق في مواجهة هذا المشروع بكل الطرق بما في ذلك طريق الحرب. وانعكس هذا الخطاب على وسائل إعلام معارضة، وأيضاً مبادرات فردية على شكل برامج عبر اليوتيوب اتبعت أسلوب السخرية التحريضية.

على الجانب الكردي، اتسعت الشريحة التي كانت ترى في العرب أناساً لا يمكن التعايش معهم في بلد واحد، واتضح أن هناك هوة واسعة تفصل بين الطرفين، خصوصاً من ناحية نقص الاطلاع المعرفي من جانب المعارضين تجاه القضية الكردية وتاريخها، وعدم الوعي بأن الكيان السوري نفسه كيان حديث لا يتجاوز عمره السياسي بضعة عقود.

مستويات خطاب الكراهية

يشرح كتاب «مكافحة خطاب الكراهية على الانترنت»، وهو من منشورات منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، مستويات خطاب الكراهية وآليات مواجهتها. وبحسب تعريف اليونسكو، يرسل خطاب الكراهية نوعين من الرسائل، الأولى تهديدية للمجموعة العرقية أو الدينية، والثانية هي لمؤيدي خطاب الكراهية ومضمونها: «لستم وحدكم.. أنتم على صواب». ونجد أن هذين المستويين متوفران في الخطاب الإعلامي.

وهناك مستوى آخر من الخطاب يسمى «خطاب الخوف»، وهو الخطاب الذي يبالغ في احتمال وقوع العنف. رأينا مثل هذا الخطاب ساد بشكل كبير في فترة طرد وحدات حماية الشعب تنظيم داعش من تل أبيض. وهذا الخطاب يؤدي إلى تهيئة الأجواء لحالة دفاعية متخيلة ضد تهديد وجودي غير متحقق. بمعنى لم ترتكب وحدات حماية الشعب في تل أبيض انتهاكات كالتي تم تصويرها والترويج لها، وعادت مئات العائلات العربية إلى قراها لاحقاً وتم إصدار عفو عن عدد كبير ممن كانوا متهمين بالتعاون مع داعش.

الملاحظ أنه هناك درجات من لغة خطاب للكراهية، أكثرها انتشاراً هي «اللغة المشتعلة» التي تلعب دوراً في رفع التوتر لدى المتلقي، وغالباً تتسبب بكتابة تعليقات فورية لا تقل حدة عن لغة الخطاب المشتعل.

وهناك «اللغة المرشدة» وتتجلى في الخطاب الذي يرشد المتلقي إلى ما ينبغي عليه قوله، وتكمن خطورة هذا الخطاب في أنه يترك للمتلقين بكافة مستوياتهم تأويل الخطاب. وهنا يحجب صاحب هذه اللغة نفسه بإلقاء مهمة خطاب الكراهية الصريح للمعلقين والقراء.

كان من مظاهر توسع خطاب الكراهية المتبادل تراجع في حسابات الأسماء المستعارة التي كانت تحتكر هذا النوع من الخطاب. حالياً بات هذا الخطاب صريحاً وبأسماء معلنة. وهذا ما ينقله من ساحة المجهول إلى ساحة التنظير المباشر.

ما هو المستوى الحالي لخطاب الكراهية ومدى خطورته؟

وفق تصنيف اليونسكو هناك أربعة مستويات:

الأول: نشر الأفكار العنصرية حول التفوق أو الحط من شأن مجموعة قومية

الثاني: التحريض على العدوان والكراهية.

الثالث: التحريض على الإرهاب

الرابع: التحريض على الإبادة.

الملاحظ أن في حالة الخطاب العربي والكردي، نحن أمام المستويين الأول والثاني. أما المستويان الثالث والرابع فيتم تداولهما في حيز ضيق ومنبوذ حتى الآن.

لكن، حين نطلع على تجربة للإبادة، نجد أن الانتقال إلى المستويات المحرضة على الإرهاب والإبادة ليس مستبعداً لدينا للأسف في حال لم يتم ضبط خطاب الكراهية. لدينا تجربة الإبادة الجماعية لأقلية التوتسي في رواندا حيث قتل 800 ألف شخص في غضون أيام قليلة في عام 1994. شكلت أقلية التوتسي 5% من المجتمع، وروج ضدها الإعلام باعتبارها «صراصير تجب إبادتها». وكان الإعلام يصدح عبر المذياع «دعونا نفرح أيها الأصدقاء، فالصراصير ليست كثيرة». هذا الخطاب ينتمي إلى المستوى الرابع، أي التحريض على الإبادة.

في رواندا، سبق هذا الخطاب مراحل أكثر مرونة، حيث كان يتم الترويج في ذهن الأغلبية من الهوتو أن أبناء الأقلية ليسوا من أصول أفريقية، وأن بعضهم عرب جاؤوا من سوريا، والبعض الآخر جاؤوا من إسرائيل، ليرسخوا في عقول الأغلبية أن الأقلية أجانب وغرباء، واستمرت الحكومات المدنية ثم العسكرية بعد الاستقلال في ستينيات القرن الماضي تغذي في ذهن الأغلبية أن الأقلية ليسوا بشراً إلى أن وصل الأمر إلى لحظة الإبادة الجماعية.

ما وجه الشبه؟

تصوير الكرد على أنهم أجانب ومهاجرون متوفر في الخطاب الإعلامي العربي ومنصات التواصل الاجتماعي، وكذلك عبر أبحاث وكتب مخصصة لإثبات هذه المزاعم باتت تنتشر مؤخراً. ورغم أنه من السهل أن يسوق الكرد أدلة مشابهة عن الوجود العربي في منطقة الجزيرة، لكن لا نجد حملات منظمة، وربما يعود ذلك إلى خضوع الإعلام الكردي بشكل عام إلى الأحزاب السياسية التي تكون خطاباتها مدروسة.

المطلوب عرقلة نمو هذا الخطاب، والخطوة الأولى هي فصل التعايش الاجتماعي عن الخلافات السياسية في الخطاب الإعلامي، وعدم المفاضلة بين الإرهاب الذي لا يرحم أحداً وبين خصم سياسي يمكن التفاوض معه. إن أي جهة سياسية منفتحة على التفاوض والمشاركة هي جهة قابلة للتعايش. كما أن استسهال استخدام مصطلحات خطيرة مثل ‹التطهير العرقي› و‹التغيير الديمغرافي› من قبل ناشطين معارضين يترك شعوراً أن المعركة هي معركة وجود. بينما معارك الوجود في سوريا هي على جبهات أخرى، وأولها جبهة الحرب ضد داعش، المستفيد الأول من خطاب التحريض بين العرب والأكراد، والجهة الوحيدة التي لا وجود للتفاوض في برنامجها.

1 تعليق

Leave a Reply